حزب العمل الوطنيّ الديمقراطيّ

حريّة   عدالة    تقدّم    مساواة

أسس اللينينية

 

جوزيف ستالين

إلى فوج لينين، أهدي هذه الصفحات
"جوزيف ستالين"

أسس اللينينية: الموضوع واسع، وينبغي، لاستيفاء بحثه، كتاب كامل، بل مجموعة كاملة من الكتب. فلا يمكن إذن، بطبيعة الحال، أن تكون محاضراتي هذه عرضاً كاملاً للينينية. فهي لا يمكن أن تكون، في أحسن الحالات، سوى خلاصة مقتضبة لأسس اللينينية. على أنني أرى، مع ذلك، أن من المفيد عرض هذه الخلاصة، وذلك لإعطاء بعض نقاط الابتداء الأساسية التي هي ضرورية لدراسة اللينينية دراسة موفقة.
أن عرض أسس اللينينية لا يعني، بعدُ، عرض أسس مفهوم لينين عن العالم. فمفهوم لينين عن العالم وأسس اللينينية ليسا نفس الشيء الواحد من حيث المدى. أن لينين ماركسي، ومن الواضح أن أساس مفهومه عن العالم هو الماركسية. ولكن لا ينتج عن ذلك أبداً أن عرض اللينينية يجب أن يبدأ بعرض مبادىء الماركسية. أن عرض اللينينية يعني عرض ما هو خاص وجديد في مؤلفات لينين، وما اضافه لينين إلى كنز الماركسية العام، وما هو، بطبيعة الحال، مقرون باسمه بهذا المعنى فقط، سأتكلم في محاضراتي عن أسس اللينينية.
وعلى هذا، ما هي اللينينية؟
يقول بعضهم أن اللينينية هي تطبيق الماركسية على الظروف الخاصة بالوضع الروسي. إن في هذا التعريف جزءاً من الحقيقة، ولكنه بعيد عن أداء الحقيقة بكاملها. فقد طبق لينين الماركسية فعلاً على الواقع الروسي، وفعل ذلك ببراعة المعلم. ولكن لو أن اللينينية لم تكن غير مجرد تطبيق الماركسية على وضع روسيا الخاص، إذاً لكانت حادثاً قومياً محضاً وقومياً فقط، روسياً محضاً وروسياً فقط. بينما نحن نعلم أن اللينينية حادث أممي، له جذور في مجموع التطور الأممي، وليس حادثاً روسياً فقط. ولذا أرى أن عيب هذا التعريف هو أنه تعريف وحيد الجانب.
ويقول آخرون أن اللينينية هي بعث العناصر الثورية التي كانت في ماركسية العقد الخامس من القرن التاسع عشر (1840 – 1850)، خلافاً لماركسية السنين التالية التي غدت، كما يقولون، معتدلة وغير ثورية. فإذا ضربنا صفحاً عن هذا التقسيم الأبله السخيف الذي يجعل مذهب ماركس قسمين: ثورياً ومعتدلاً، فيجب الاعتراف بوجود جزء من الحقيقة حتى في هذا التعريف غير الكافي وغير الوافي إطلاقاً. وهذا الجزء من الحقيقة هو أن لينين قد بعث بالفعل محتوى الماركسية الثوري الذي وأده انتهازيو الأممية الثانية. ولكن هذا ليس سوى جزء من الحقيقة. أما الحقيقة كلها عن اللينينية، فهي أنها لم تقتصر على بعث الماركسية، بل خطت فوق ذلك خطوة أخرى إلى الأمام، بتطويرها الماركسية في الظروف الجديدة للرأسمالية ولنضال البروليتاريا الطبقي.
وبعد، فما هي اللينينية، إذن؟.
إن اللينينية هي ماركسية عصر الاستعمار والثورة البروليتارية. وبتعبير أدق اللينينية هي نظرية وتاكتيك الثورة البروليتارية بوجه عام، ونظرية وتاكتيك ديكتاتورية البروليتاريا بوجه خاص. فقد ناضل ماركس وأنجلس في المرحلة السابقة للثورة (نعني الثورة البروليتارية) حين لم يكن الاستعمار قد تطور بعد، في مرحلة تهيئة البروليتاريين إلى الثورة، تلك المرحلة التي لم تكن الثورة البروليتارية فيها قد غدت بعدُ، ضرورة مباشرة عملية لا مناص منها. أما لينين، تلميذ ماركس وأنجلس، فقد ناضل في مرحلة الاستعمار المتطور، في مرحلة الثورة البروليتارية الآخذة في النمو، وفي وقت انتصرت فيه الثورة البروليتارية في قطر واحد فحطمت الديمقراطية البرجوازية، ودشنت عهد الديمقراطية البروليتارية، عهد السوفيات.
هذا هو السبب في أن اللينينية هي تطور الماركسية إلى أمام.
ويلاحظ، عادة، في اللينينية، ذلك الطابع الكفاحي إلى حد فائق العادة، والثوري إلى حد فائق العادة. وهذا صحيح تماماً. بيد أن هذه الخاصة في اللينينية يعود تفسيرها إلى عاملين أثنين: أولهما، أن اللينينية قد انبثقت من صميم الثورة البروليتارية، فلا يمكن إلا أن تحمل طابع هذه الثورة. وثانيهما، أنها نمت وتقوت في المعارك ضد انتهازية الأممية الثانية، وهو كفاح كان ومازال الشرط الأولي الضروري لنجاح النضال ضد الرأسمالية. ويجب أن لا ننسى أن ثمة مرحلة كاملة تمتد بين ماركس وأنجلس من جهة، وبين لينين من جهة أخرى، سادت فيها انتهازية الأممية الثانية دون منازع. فالنضال بلا هوادة ضد هذه الانتهازية كان، بلا مراء، من أهم مهمات اللينينية.

- 1 -
الجذور التاريخية اللينينية

ترعرعت اللينينية وتكونت في ظروف الاستعمار، حين بلغت تناقضات الرأسمالية نقطتها القصوى، حين أصبحت الثورة البروليتارية قضية نشاط عملي مباشر، حين انتهت المرحلة القديمة، مرحلة تهيئة الطبقة العاملة للثورة، إلى غايتها، أي تحولت إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة الهجوم المباشر على الرأسمالية.
كان لينين يسمي الاستعمار الرأسمالية المحتضرة . فلماذا؟ لأن الاستعمار يدفع بتناقضات الرأسمالية إلى الحد الأخير، إلى الحدود القصوى التي من بعدها تبدأ الثورة. ومن بين هذه التناقضات ثلاثة ينبغي النظر إليها على أنها أهم التناقضات.
التناقض الأول، هو التناقض القائم بين العمل والرأسمال. فالاستعمار هو تسلط التروستات والكتل الاحتكارية الضخمة والمصارف والطغمة المالية، تسلطاً مطلقاً، في الأقطار الصناعية. وقد تبين، أثناء النضال ضد هذا التسلط المطلق، أن الأساليب المعتادة لدى الطبقة العاملة - كالنقابات والتعاونيات والأحزاب البرلمانية والنضال البرلماني – ليست كافية على الإطلاق. فأما أن تضع نفسك تحت رحمة الرأسمال، وتعيش في ضنك كما في السابق، وتنحدر باستمرار أدنى فأدنى، وإلا فعليك بسلاح جديد: هكذا يضع الاستعمار المسألة أمام جماهير البروليتاريا الغفيرة. إن الاستعمار يسوق الطبقة العاملة إلى الثورة.
التناقض الثاني، هو التناقض القائم بين مختلف الكتل المالية والدول الاستعمارية، في صراعها من أجل مصادر المواد الأولية، ومن أجل أراضي الغير. فالاستعمار هو تصدير رؤوس الأموال إلى مصادر المواد الأولية، هو الصراع الجنوني لامتلاك هذه المصادر امتلاكاً احتكارياً، هو الصراع لإعادة تقسيم عالم تم تقسيمه من قبل. وهو الصراع تشنه، بعنف شديد، الكتل المالية الجديدة والدول الجديدة، التي تفتش عن مكان تحت الشمس ، ضد الكتل والدول القديمة التي تتشبث بما اغتصبته بكل ما لديها من قوة. ولهذا الصراع الجنوني بين مختلف الكتل الرأسمالية، خاصة جديرة بالملاحظة، هي أنه يحتم قيام الحروب الاستعمارية، كعنصر لا مناص منه، في سبيل الاستيلاء على أراضي الغير. وهذه الظاهرة لها، هي أيضاً، خاصة جديرة بالملاحظة تتجلى في أنها تؤدي إلى إضعاف الرأسماليين بعضهم لبعض، وإلى إضعاف موقف الرأسمالية بوجه عام، وإلى تقريب ساعة الثورة البروليتارية، وإلى جعل هذه الثورة ضرورة عملية.
التناقض الثالث، هو التناقض الموجود بين قبضة من الأمم المتمدنة السائدة وبين مئات الملايين من أبناء الشعوب المستعمرة والتابعة في العالم. فالاستعمار هو أوقح أنواع الاستثمار، وأشد أشكال الاضطهاد غير الإنساني، الوحشي، ضد مئات الملايين من سكان الأقطار الشاسعة الواسعة في المستعمرات والبلدان التابعة. وهدف هذا الاستثمار وهذا الاضطهاد، أنما هو نهب الأرباح الفاحشة. ولكن الاستعمار، حين يستثمر هذه البلدان، يضطر إلى أن ينشىء فيها خطوطاً حديدية ومصانع ومعامل ومراكز صناعية وتجارية. ولذلك فظهور طبقة بروليتارية، وتكوين مثقفين من أبناء البلاد، ويقظة الوعي الوطني، واشتداد حركة التحرر، هي النتائج المحتومة لهذه السياسة . وأن تعاظم قوة الحركة الثورية في جميع المستعمرات وفي جميع البلدان التابعة دون استثناء لدليل واضح على ذلك. وهي حالة تهم البروليتاريا، من حيث أنها تزعزع مواقع الرأسمالية وتدكها من جذورها، وذلك بتحويلها المستعمرات والبلدان التابعة من احتياطي للاستعمار إلى احتياطي للثورة البروليتارية.
تلك هي، بالإجمال، تناقضات الاستعمار الرئيسية التي حولت الرأسمالية القديمة المزدهرة إلى رأسمالية محتضرة.
وقد كان من جملة معاني الحرب الاستعمارية التي نشبت منذ عشر سنين، أنها جمعت كل هذه التناقضات في عقدة واحدة، وألقت بها في كفة الميزان، وبذلك عجلت المعارك الثورية للبروليتاريا وسهلتها.
وبعبارة أخرى: إن الاستعمار لم يؤد فقط إلى أن الثورة أصبحت شيئاً لا بد منه من الناحية العملية، بل أدى أيضاً إلى تكوّن ظروف ملائمة للهجوم المباشر على قلاع الرأسمالية.
هذا هو الوضع الدولي الذي ولَّد اللينينية.
وقد يقال لنا: كل هذا حسن جداً. ولكن ما شأن روسيا هنا، وهي ما كانت، ولا كان من الممكن أن تكون، البلد الكلاسيكي(1) للاستعمار؟ وما شأن لينين هنا، وهو الذي عمل قبل كل شيء في روسيا ومن أجل روسيا؟ ولماذا كانت روسيا بالذات، منبت اللينينية، وموطن نظرية الثورة البروليتارية وتكتيكها؟
ذلك لأن روسيا كانت أكثر من سواها، نقطة التقاء لجميع تناقضات الاستعمار هذه.
ذلك لأن روسيا كانت أكثر من أي بلد آخر حبلى بالثورة، ولهذا السبب كانت وحدها قادرة على حل هذه التناقضات بالطريق الثوري.
فأولاً، كانت روسيا القيصرية موطن الاضطهاد بكل أنواعه – الرأسمالي والاستعماري والعسكري على السواء – وفي أشد أشكاله وحشية وبربرية. فمن ذا الذي يجهل أن سلطان الرأسمال في روسيا كان يمتزج بالاستبداد القيصري، وأن عدوانية القومية الروسية كانت تمتزج بقيام القيصرية بدور الجلاد ضد الشعوب غير الروسية، وأن استثمار مناطق كاملة – في تركيا وإيران والصين – كان يرافقه إلحاق هذه المناطق بالقيصرية، كما تلازمه حرب الفتوحات؟ لقد كان لينين على حق في قوله بأن القيصرية هي استعمار عسكري إقطاعي . فقد كانت القيصرية خلاصة مكثفة لأشد نواحي الاستعمار سلبية، مرفوعة إلى التربيع.
ثم أن روسيا القيصرية كانت احتياطياً قوياً للاستعمار الغربي، ليس فقط من حيث أنها كانت تفتح الأبواب على مصراعيها للرأسمال الأجنبي الذي كان يهيمن في روسيا على فروع من الاقتصاد الوطني ذات شأن حاسم، كالمحروقات وصناعة التعدين، بل لأنها كانت أيضاً تستطيع أن تضع ملايين الجنود على الأقدام لمصلحة الاستعماريين الغربيين. تذكروا الجيش الروسي بملاينه الأربعة عشر، الذي سفك دمه على الجبهات الاستعمارية في سبيل تأمين الأرباح الفاحشة للرأسماليين الانكليز والفرنسيين.
ثم أن القيصرية لم تكن فقط كلب الحراسة للاستعمار في شرقي أوروبا، بل كانت فوق ذلك أيضاً عملية للاستعمار الغربي لكي تستنزف من السكان مئات الملايين، لتسديد فوائد القروض الممنوحة لها في باريس ولندن وبرلين وبروكسل.
وأخيراً، كانت القيصرية حليفاً أميناً كل الأمانة للاستعمار الغربي في اقتسام تركيا وإيران والصين، الخ. ومن ذا الذي يجهل أن القيصرية خاضت الحرب الاستعمارية إلى جانب الاستعماريين الحلفاء، وأن روسيا كانت عنصراً أساسياً في هذه الحرب؟
لهذا كانت مصالح القيصرية والاستعمار الغربي تندمج وتندغم بعضها ببعض، لتشكل في النهاية شلة واحدة من مصالح الاستعمار. فهل كان باستطاعة الاستعمار الغربي أن يرتضي فقدان سند قوي في الشرق، ومستودع زاخر بالقوى والموارد، كروسيا القديمة، روسيا القيصرية والبرجوازية، دون أن يجرب قواه كلها في نضال مستميت ضد الثورة في روسيا، للدفاع عن القيصرية وتثبيت أقدامها؟ كلا، طبعاً.
غير أنه ينتج عن هذا أن كل من كان يريد ضرب القيصرية، كان يرفع يده بالضرورة على الاستعمار، وأن كل من كان ينتصب في وجه القيصرية كان مضطراً للوقوف أيضاً في وجه الاستعمار، ذلك لأن كل من كان يعمل للقضاء على القيصرية، كان لا بد له من القضاء على الاستعمار أيضاً، إذا كان ينوي فعلاً أن لا يكتفي بضرب هذه القيصرية، بل كذلك أن يجهز عليها وأن لا يبقي لها أثراً. وهكذا كانت الثورة ضد القيصرية تقارب الثورة ضد الاستعمار، وكان لا بد لها من أن تتحول إلى ثورة ضد الاستعمار، إلى ثورة بروليتارية.
وخلال ذلك، كانت تصعد في روسيا أعظم ثورة شعبية وقفت على رأسها أعظم بروليتاريا ثورية في العالم، تحت تصرفها حليف له من الشأن ما لجماهير الفلاحين الثوريين في روسيا. فهل من حاجة إلى البرهان على أن ثورة كهذه ما كان من الممكن أن تقف في منتصف الطريق، وأنها، في حال نجاحها، كان لا بد لها من السير قدماً، رافعةً علم الانتفاض المسلح على الاستعمار؟
لهذا السبب كان لا بد لروسيا من أن تصبح نقطة الالتقاء لتناقضات الاستعمار، ليس فقط من حيث أن هذه التناقضات كانت تتجلى بأوضح ما يمكن في روسيا نظراً لما تميزت به هذه التناقضات فيها من خساسة وفظاعة ووطأة لا تطاق، وليس فقط من حيث أن روسيا كانت دعامة رئيسية للاستعمار الغربي، تربط الرأسمال المالي في الغرب بمستعمرات الشرق، بل كذلك من حيث أن القوة الحقيقية القادرة على حل تناقضات الاستعمار بالطريق الثوري، كانت موجودة فقط في روسيا.
فينتج من هذا إذن، أن الثورة في روسيا لم يكن من الممكن إلا أن تصبح بروليتارية، لم يكن من الممكن إلا أن ترتدي، منذ الأيام الأولى من تطورها، طابعاً أممياً، وبالتالي، لم يكن من الممكن إلا أن تزعزع نفس أركان الاستعمار العالمي.
فهل كان بمستطاع الشيوعيين الروس، في مثل هذه الحالة، أن ينحصروا في عملهم ضمن نطاق الثورة الروسية الوطني الضيق؟ طبعاً لا. بل على العكس، كان الوضع بكامله سواء في الداخل (أزمة ثورية عميقة) أو في الخارج (الحرب) يدفعهم إلى أن يتجاوزوا، في عملهم، هذا النطاق، وأن ينقلوا النضال إلى الحلبة الدولية، وأن يكشفوا جروح الاستعمار، وأن يبرهنوا حتمية إفلاس الرأسمالية(2)، وأن يحطموا الاشتراكية الشوفينية والاشتراكية المسالمة ، وأخيراً أن يقضوا على الرأسمالية في بلادهم، وأن يبدعوا للبروليتاريا سلاحاً جديداً للنضال، هو نظرية وتكتيك الثورة البروليتارية، وذلك لكي يسهلوا على البروليتاريين في جميع الأقطار مهمة القضاء على الرأسمالية. ولم يكن في وسع الشيوعيين الروس أن ينهجوا غير هذا النهج، إذ عن هذا الطريق فقط كان من الممكن الاعتماد على حدوث بعض تغيرات في الوضع الدولي من شأنها أن تقي روسيا من عودة النظام البرجوازي إليها.
هذا هو السبب في أن روسيا صارت موطن اللينينية، وأن لينين قائد الشيوعيين الروس صار خالق اللينينية.
وهنا اتفق لروسيا وللينين، ما اتفق تقريباً لألمانيا ولماركس وأنجلس بين 1840 و 1850. فقد كانت ألمانيا إذ ذاك حبلى بثورة برجوازية، كما كانت روسيا في بداية القرن العشرين. وقد كتب ماركس في البيان الشيوعي :
إن انتباه الشيوعيين يتجه على الأخص نحو ألمانيا، لأنها على أعتاب ثورة برجوازية، ولأنها ستقوم بهذه الثورة في ظروف أكثر تقدماً من حيث المدنية الأوروبية، وبوجود بروليتاريا متطورة أكثر بكثير مما كانت عليه في انكلترا في القرن السابع عشر، وفي فرنسا في القرن الثامن عشر، وبالتالي، فالثورة البرجوازية الألمانية، لا يمكن أن تكون سوى مقدمة مباشرة لثورة بروليتارية .
وبعبارة أخرى، كان مركز الحركة الثورية ينتقل نحو ألمانيا.
وقد لا يكون ثمة مجال للشك في أن هذه الظروف التي أشار إليها ماركس في المقطع المذكور هي التي كانت السبب الراجح في أن ألمانيا صارت موطن الاشتراكية العلمية، وفي أن زعيمي البروليتاريا الألمانية، ماركس وأنجلس، هما اللذان كانا مبدعيها.
ويجب أن يقال مثل هذا، ولكن على درجة أرفع أيضاً، عن روسيا في بداية القرن العشرين. فقد كانت روسيا، عهد ذاك، على أعتاب ثورة برجوازية، وكان عليها أن تقوم بهذه الثورة ضمن ظروف أكثر تقدماً في أوروبا، وبوجود بروليتاريا متطورة أكثر مما كانت عليه في ألمانيا في أعوام 1840 – 1850، (فضلاً عن انكلترا وفرنسا). وكانت كل العلائم تحمل على الاعتقاد بأن هذه الثورة ينبغي أن تكون خميرة ومقدمة للثورة البروليتارية. وليس من باب الصدفة أن لينين، منذ عام 1902، حين كانت الثورة الروسية بعد، في طور التهيئة، كتب في كتابه ما العمل؟ ، هذه الكلمات التي فيها من النبوءة ما فيها:
يضع التاريخ الآن أمامنا (يعني أمام الماركسيين الروس - ستالين) مهمة قريبة، هي مهمة ثورية أكثر من جميع المهام القريبة الموضوعة أمام البروليتاريا في أي بلد آخر...
فانجاز هذه المهمة، أي تهديم أقوى حصن لا للرجعية الأوروبية فحسب، بل (ويمكننا قول ذلك الآن) وللرجعية الأسيوية أيضاً، سيجعل من البروليتاريا الروسية طليعة البروليتاريا الثورية العالمية . (لينين) – المؤلفات الكاملة. صفحة 382، الطبعة الروسية).
وبتعبير آخر: كان من الواجب أن ينتقل مركز الحركة الثورية نحو روسيا.
ومعلوم أن مجرى الثورة في روسيا قد حقق نبوءة لينين هذه تماماً.
فهل بعد هذا مجال للدهشة من أن يصبح بلد قام بمثل هذه الثورة، ولديه مثل هذه البروليتاريا، موطن نظرية وتكتيك الثورة البروليتارية؟
وهل بعد هذا مجال للدهشة من أن يكون لينين، زعيم البروليتاريا الروسية، قد أصبح، في الوقت نفسه، مبدع هذه النظرية التكتيك وزعيم البروليتاريا العالمية؟

(1)كلاسيكي ـ Classique : نعت للدلالة على القدمية، والأصالة وإتباع السنن المقررة، ومعناه هنا: البلد النموذجي للاستعمار، أو العريق فيه – هيئة التعريب.
(2)الاشتراكية المسالمة pacifisme – Social: الاشتراكية المزيفة الداعية إلى الخنوع وتكتيف الذراعين خلال الحرب، بحجة أن الاشتراكية هي "مسالمة" وتكره الحرب. وذلك عوضاً عن الدعوة إلى النضال لتحويل الحرب الاستعمارية إلى نضال لقلب الاستعمار- هيئة التعريب.

- 2 -
الطريقة

قلت آنفاً أن بين ماركس وأنجلس من جهة، وبين لينين من جهة أخرى، تمتد مرحلة كاملة سيطرت فيها انتهازية الأممية الثانية. وعلي، في سبيل التدقيق، أن أضيف إلى ذلك، أن سيطرة الانتهازية هذه لم تكن شيئاً شكلياً بحتاً، بل كانت سيطرة فعلية. فمن الناحية الشكلية، كان على رأس الأممية الثانية ماركسيون "أمناء"، "قويمو المبدأ" مثل كاوتسكي وغيره. أما في الواقع، فكان عمل الأممية الثانية الأساسي يسير على خطة الانتهازية. فكان الانتهازيون، نظراً لطبيعتهم البرجوازية الصغيرة الميالة للمسالمة، يسالمون البرجوازية، وكان "قويمو المبدأ" بدورهم يسالمون الانتهازيين في سبيل "المحافظة على الوحدة" مع هؤلاء الانتهازيين، وحرصا على "السلم في داخل الحزب". وبالنتيجة كانت الانتهازية هي المسيطرة، لأن السلسلة بين سياسة البرجوازية وسياسة "قويمي المبدأ" كانت متصلة الحلقات، لا انقطاع فيها.
كانت تلك المرحلة، مرحلة تطور سلمي للرأسمالية نسبياً، مرحلة كالتي تسبق الحرب، أن صح التعبير، يوم لم تكن تناقضات الاستعمار المفجعة قد أتيح لها بعد، الوقت الكافي لتظهر بوضوح تام، ويوم كانت إضرابات العمال الاقتصادية، والنقابات، تتطور بشكل "عادي" إلى حد ما، ويوم كان النضال الانتخابي والكتل البرلمانية تسجل نجاحات "يدوخ لها الرأس"، ويوم كانت الأشكال المشروعة للنضال ترفع عالياً حتى السحاب، ويوم كان في النية "قتل" الرأسمالية بالطرق المشروعة. وبكلمة: في تلك المرحلة كانت أحزاب الأممية الثانية مصابة بالسمنة(3) ، ولم تكن تريد أبداً أن تفكر جدياً في الثورة وفي ديكتاتورية البروليتاريا وفي تثقيف الجماهير تثقيفاً ثورياً.
وبدلاً من نظرية ثورية متماسكة، كانت هناك فرضيات نظرية متناقضة، ونتف نظرية انفصلت عن نضال الجماهير الثوري الحي وانقلبت إلى عقائد جامدة رثة. وطبعاً، في سبيل إنقاذ الظواهر، كانوا يستشهدون بنظرية ماركس، ولكن لكي يستلوا منها روحها الثورية الحية.
وبدلاً من سياسة ثورية، كان هناك تفكير مبتذل سقيم وثرثرة سياسية مسكينة، ودبلوماسية برلمانية، وتطبيقات برلمانية. وطبعاً، في سبيل إنقاذ الظواهر، كانوا يتخذون قرارات وشعارات "ثورية"، ولكن لكي توضع في الدروج.
وبدلاً من العمل على تثقيف الحزب وتعليمه التكتيك الثوري الصحيح على أساس أخطائه نفسها، كانت القضايا المزعجة توضع جانباً بكل عناية، كانت تطمس وتموّه ببراعة. وطبعاً، في سبيل إنقاذ الظواهر، كانوا لا يأنفون من الكلام عن القضايا المزعجة، ولكن لكي ينتهوا آخر الأمر إلى بعض قرارات "مطاطة".
هكذا كان وجه الأممية الثانية، وتلك كانت طريقتها في العمل وأسلحتها.
غير أن عهداً جديداً كان يقترب، هو عهد الحروب الاستعمارية ومعارك البروليتاريا الثورية. وكان يتبين، بكل جلاء أن أساليب النضال القديمة غير كافية ولا قوة لها أمام سلطان الرأسمالي المالي.
فكان من الأهمية بمكان أن يعاد النظر في كل نشاط الأممية الثانية، في كل طريقة عملها، وأن يطرد منها روح التفكير المبتذل، وضيق الأفق المسكين، والثرثرة السياسية، والتنكر للمبادئ، والاشتراكية الشوفينية، والاشتراكية المسالمة. وكان من الأهمية بمكان، فحص كل أسلحة الأممية الثانية فينبذ منها ما هو صدئ هرم، وتصنع أسلحة جديدة. وبدون هذا العمل التمهيدي، كان شن الحرب على الرأسمالية أمراً لا طائل تحته. بدون هذا، كانت البروليتاريا معرضة لخطر البقاء بسلاح غير كاف، أو حتى مجردة تماماً من السلاح، في المعارك الثورية الجديدة التي تواجهها.
إن هذا الشرف، شرف القيام بفحص عام لمستودعات الأممية الثانية، وتطهيرها تطهيراً عاماً، كان من نصيب اللينينية.
تلك هي الظروف التي ولدت فيها طريقة اللينينية وتصلب عودها.
فما هي متطلبات هذه الطريقة؟
هي، أولاً، اختيار العقائد النظرية للأممية الثانية في نار نضال الجماهير الثوري، في نار التجربة الحية، أي إعادة الوحدة المفقودة بين النظرية والنشاط العملي، وإزالة القطيعة القائمة بينهما. إذ بهذه الطريقة فقط يمكن خلق حزب بروليتاري حقاً، مسلح بنظرية ثورية.
ثانياً، اختبار سياسة أحزاب الأممية الثانية، لا حسب شعارات هذه الأحزاب وقراراتها (التي لا يمكن الوثوق بها)، ولكن حسب أعمالها وأفعالها، إذ بهذه الطريقة فقط يمكن إحراز ثقة الجماهير البروليتارية واستحقاق هذه الثقة.
ثالثاً، إعادة تنظيم كل عمل الحزب حسب أسلوب جديد ثوري، بروح تثقيف الجماهير وإعدادها للنضال الثوري، إذ بهذه الطريقة فقط، يمكن تهيئة الجماهير للثورة البروليتارية.
رابعاً، الانتقاد الذاتي للأحزاب البروليتارية، وتعليم هذه الأحزاب وتثقيفها على أساس أخطائها نفسها، إذ بهذه الطريقة فقط، يمكن تكوين كادر حقيقي وزعماء حقيقيين للحزب.
ذلك هو الأساس، وذلك هو الجوهر في طريقة اللينينية.
فكيف طبقت هذه الطريقة في النشاط العملي؟
إن لدى انتهازيي الأممية الثانية سلسلة من العقائد النظرية يرددونها دائماً كلازمة.
فلنأخذ بعض هذه العقائد:
العقيد الأولى: حول ظروف استيلاء البروليتاريا على السلطة. يؤكد الانتهازيون أن البروليتاريا لا تستطيع ولا ينبغي لها أن تستولي على السلطة إذا لم تكن تشكل هي نفسها الأكثرية في البلاد. أما البراهين على ذلك، فلا وجود لها، إذ ليس في الاستطاعة، لا نظرياً ولا عملياً، تبرير هذه الفرضية البلهاء. ويقول لينين لهؤلاء السادة من رجال الأممية الثانية: لنسلم بذلك. ولكن إذا حصل وضع تاريخي (كحرب أو أزمة زراعية أو غير ذلك) تيسرت فيه للبروليتاريا التي تؤلف أقلية السكان، الإمكانية بأن تلف حولها الأكثرية العظمى من الجماهير الكادحة، فلماذا لا تستولي على السلطة؟ لماذا لا تفيد البروليتاريا من الوضع الملائم، الدولي والداخلي، لأجل اختراق جبهة الرأسمال والتعجيل في بلوغ الحل العام الشامل؟
ألم يقل ماركس من قبل، في عام 1850، أن الثورة البروليتارية في ألمانيا ستكون في وضع "ممتاز" إذا أمكن مساندة الثورة البروليتارية "بتجديد حرب الفلاحين"، إن صح التعبير؟ أو ليس من الواضح لكل واحد وللجميع، إن البروليتاريين في ألمانيا كانوا نسبياً أقل عدد آنذاك منهم في روسيا عام 1917؟ أو لم تظهر التجربة العملية للثورة البروليتارية الروسية أن هذه العقيدة العزيزة على قلوب أبطال الأممية الثانية خالية من كل دلالة حيوية بالنسبة إلى البروليتاريا؟ أليس واضحاً أن التجربة العملية لنضال الجماهير الثوري تحطم هذه العقيدة البالية وتقضي عليها؟
العقيدة الثانية: إن البروليتاريا لا تستطيع الاحتفاظ بالسلطة إذا لم يكن لديها مقدار كاف من الملاكات(4) الجاهزة، المثقفة والإدارية، القادرة على تنظيم إدارة البلاد. فينبغي أولاً تشكيل هذه الملاكات في ظل الرأسمالية، ثم الاستيلاء على السلطة بعد ذلك. ويجيب لينين بقوله: لنسلم معكم. ولكن لماذا لا يمكن قلب المسألة: فنستولي على السلطة أولاً، ونخلق الظروف الملائمة لتطوير البروليتاريا، ثم نسير بخطى الجبابرة إلى أمام لنرفع مستوى جماهير الشغيلة الثقافي، ونكوّن ملاكات عديدة من القادة ورجال الإدارة المنبثقين من أوساط العمال؟ ألم تظهر التجربة العملية الروسية أن ملاكات القادة المنبثقين من أوساط العمال تنمو في ظل السلطة البروليتارية أحسن وأسرع بمائة مرة مما تنمو في ظل سلطة الرأسمال؟ أليس واضحاً أن التجربة العملية لنضال الجماهير الثوري، تدفن أيضاً، دونما رحمة، هذه العقيدة النظرية الجامدة التي يقول بها الانتهازيون؟
العقيدة الثالثة: إن طريقة الإضراب السياسي العام غير مقبولة لدى البروليتاريا، لأنها غير ثابتة الأساس نظرياً (أنظر نقد أنجلس لها)، ولأنها خطرة عملياً (إذ يمكن أن تدخل الاضطراب إلى المجرى الاعتيادي لحياد البلاد الاقتصادية، ويمكن أن تفرغ صناديق النقابات)، كما أنها لا يمكن أن تحل محل أشكال النضال البرلمانية التي هي الشكل الرئيسي لنضال البروليتاريا الطبقي. ويجيب اللينينيون: حسناً! ولكن، أولاً، لم ينتقد أنجلس كل إضراب عام، بل انتقد فقط نوعاً معيناً من الإضراب العام، هو الإضراب الاقتصادي العام للفوضويين، الذي كان الفوضويون يحبذونه، عوضاً عن نضال البروليتاريا السياسي – فما شأن طريقة الإضراب السياسي العام هنا؟ وثانياً، من هو الذي برهن، وأين برهن، أن الشكل البرلماني للنضال هو الشكل الرئيسي لنضال البروليتاريا؟ إلا يدل تاريخ الحركة الثورية على أن النضال البرلماني ليس سوى مدرسة وعوناً لتنظيم نضال البروليتاريا خارج البرلمان، وأن القضايا الأساسية لحركة العمال إنما تحل، في ظل الرأسمالية بالقوة وبنضال الجماهير البروليتارية المباشر، وبإضرابها العام وبثورتها؟
وثالثاً، من أين جاءوا بمسألة الاستعاضة عن النضال البرلماني بطريقة الإضراب السياسي العام؟ أين ومتى حاول أنصار الإضراب السياسي العام الاستعاضة عن أشكال النضال البرلماني بأشكال النضال خارج البرلمان؟ ورابعاً، ألم تبين الثورة في روسيا إن الإضراب السياسي العام هو أكبر مدرسة للثورة البروليتارية، ووسيلة لا مثيل ولا بديل لها لتعبئة الجماهير البروليتارية، العظيمة وتنظيمها، عشية الهجوم على قلاع الرأسمالية؟ فأي شأن هنا للحرات الثخينة على تشويش المجرى الاعتيادي للحياة الاقتصادية وعلى صناديق النقابات؟ أليس واضحاً أن تجربة النضال الثوري العملية تحطم أيضاً عقيدة الانتهازيين هذه؟ الخ... الخ...
لذلك كله، كان لينين يقول أن "النظرية الثورية ليست عقيدة جامدة" وأنها "لا تتكون نهائياً إلا في صلة وثيقة بالنشاط العملي، بحركة جماهيرية حقاً وثورية حقاً" (مرض الطفولة(5) )، ذلك لأن النظرية يجب عليها أن تخدم النشاط العملي، ولأن "النظرية ينبغي لها أن تجيب على الأسئلة التي يطرحها النشاط العملي" (أصدقاء الشعب(6) )، ولأن من الواجب اختبارها بواسطة معطيات النشاط العملي.
أما فيما يتعلق بالشعارات السياسية والقرارات السياسية لأحزاب الأممية الثانية، فيكفي أن يتذكر المرء تاريخ شعار: "الحرب على الحرب" لكي يدرك كل ما هنالك من الرياء والعفونة في سياسة هذه الأحزاب التي تخفي أعمالها المعادية للثورة وراء شعارات وقرارات ثورية طنانة. ولا تزال ماثلة في أذهان الجميع تلك المظاهرة الطنانة التي قامت بها الأممية الثانية في مؤتمر "بال"(7) حيث هدد الاستعماريون بجميع فظائع الثورة المسلحة إذا هم أجترأوا على شن الحرب، وحيث وضع ذلك الشعار الرهيب: "الحرب على الحرب". ولكن من ذا الذي لا يتذكر أن قرار "بال" هذا، قد أخفي في الدروج، بعد قليل من الزمن وعلى عتبة الحرب نفسها وأعطي العمال شعاراً جديداً، وهو أن يفني بعضهم بعضاً في سبيل مجد الوطن الرأسمالي؟ أليس واضحاً أن الشعارات والقرارات الثورية لا تساوي فلساً إذا هي لم تدعم بالأعمال؟ ويكفي أن نقارن بين السياسة اللينينية القائلة بتحويل الحرب الاستعمارية إلى حرب أهلية، وبين سياسة الخيانة التي سارت عليها الأممية الثانية في أثناء الحرب، لكي ندرك كل ما يتصف به ساسة الانتهازية من صغار، وكل ما تتصف به طريقة اللينينية من عظمة.
ولا بد لي هنا من إيراد مقطع من كتاب لينين: "الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي"، الذي يكيل فيه سياط النقد اللاذع لزعيم الأممية الثانية كاوتسكي، لمحاولته الانتهازية الرامية إلى الحكم على الأحزاب حسب شعاراتها وقراراتها المكتوبة على الورق، لاتبعاً لاعمالها. يقول لينين:
"أن كاوتسكي يسير على سياسة برجوازية صغيرة نموذجية، على سياسة ضيقة الأفق مبتذلة، حين يتخيل... إن إعلان شعار ما يغير شيئاً في القضية فكل تاريخ الديمقراطية البرجوازية يفضح هذا الوهم: فالديمقراطيون البرجوازيون قد وضعوا دائماً ويضعون دائماً كل أنواع "الشعارات" المطلوبة، لكي يخدعوا الشعب. فالمهم هو التثبت من صدقهم، والمقابلة بين الأعمال والأقوال، وعدم الاكتفاء منهم بالعبارات المثالية والتدجيلية، بل التفتيش عن محتواها الطبقي الحقيقي". (المؤلفات الكاملة، المجلد 23، ص 377).
ولا حاجة لأن أتكلم عن خوف أحزاب الأممية الثانية من الانتقاد الذاتي، ولا عن طريقتهم في إخفاء أخطائهم، وطمس المسائل المزعجة، وستر نقائصهم وراء عرض خادع لحالة يزعمونها باعثة على الرضى، وهي طريقة تجعل الفكر الحي كليلاً، وتمنع تثقيف الحزب تثقيفاً ثورياً بتجارب أخطائه نفسها – وقد سخر لينين من هذه الطريقة وشهّر بها. وإليكم ما كتبه لينين عن الانتقاد الذاتي في الأحزاب البروليتارية في كتابه "مرض الطفولة":
"إن موقف أي حزب سياسي من أخطائه هو من أهم المقاييس وأصدقها للحكم فيما إذا كان هذا الحزب حزباً جدياً، وفيما إذا كان يقوم فعلاً بواجبه نحو طبقته ونحو الجماهير الكادحة. إن اعتراف الحزب صراحة بخطئه، والكشف عن أسباب هذا الخطأ، وتحليل الظروف التي ولدته، ودراسة وسائل إصلاحه بانتباه ودقة، هذه هي صفة الحزب الجدي، هذا هو معنى قيام الحزب بواجباته، هذا هو معنى قيام الحزب بتعليم وتثقيف طبقته، ومن ثم الجماهير. (المؤلفات الكاملة، المجلد 25، ص 200).
يقول بعضهم أن كشف الحزب لأخطائه وممارسته الانتقاد الذاتي أمران خطران عليه، إذ قد يستخدمهما الخصوم ضد حزب البروليتاريا. لقد كان لينين يعتبر هذه الاعتراضات غير جدية وغير صحيحة مطلقاً. وإليكم ما قاله بهذا الصدد، منذ عام 1904، في كراسة "خطوة إلى أمام، وخطوتان إلى وراء"، يوم كان حزبنا لا يزال ضعيفاً وقليل العدد:
إنهم (يعني خصوم الماركسية – تعليق من ستالين) يطيرون فرحاً ويهللون ابتهاجاً حين يرون مناقشاتنا. ومن الواضح أنهم، سيهزون في وجهنا تلك المقاطع من كراسي المخصص لعيوب حزبنا ونواقصه، بقصد استخدام هذه المقاطع لغاياتهم. إن الاشتراكيين الديمقراطيين الروس قد تمرسوا بالمعارك تمرساً كافياً، بحيث لا يضطرون لمثل وخزات الدبابيس هذه، وبحيث يتابعون انتقاداهم الذاتي بالرغم منها، ويواصلون، بغير مداراة أو محاباة كشف نواقصهم التي سيتم تلافيها حتماً ولا محالة، بفضل نمو حركة العمال". (المؤلفات الكاملة، المجلد 6، الصفحة 161).
هذه هي، بالإجمال، الخطوط المميزة لطريقة اللينينية. إن ما تعطيه طريقة لينين قد كان موجوداً، من حيث الجوهر، في تعاليم ماركس، هذه التعاليم التي هي "انتقادية وثورية من حيث الجوهر"، على حد قول ماركس. فهذه الروح الانتقادية والثورية، متغلغلة في طريقة لينين كلها من أولها إلى آخرها. ولكن من الخطأ الظن أن طريقة لينين هي مجرد تجديد بنيان ما أعطاه ماركس، وأعادته إلى حاله. ففي الواقع، ليست طريقة لينين عبارة عن أعادة طريقة ماركس الانتقادية والثورية إلى حالها فقط، بل هي أيضاً تطبيق ملموس وتطوير إلى أمام لطريقة ماركس، ولديالكتيكه المادي.


(3) أو متبرجزة (نسبة إلى البرجوازية) – هيئة التعريب.
(4)الكادر – هيئة التعريب.
(5)أسم كتاب للينين – هيئة التعريب.
(6)أسم كتاب للينين أيضاً – هيئة التعريب.
(7) مؤتمر "بال": هو المؤتمر الذي عقدته الأممية الثانية في 24 و 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 1912 في مدينة بال بسويسرا ـ هيئة التعريب.


- 3 -
النظرية

سآخذ من هذا الموضوع ثلاث مسائل:
ا) أهمية النظرية للحركة البروليتارية،
ب) انتقاد "نظرية" العفوية،
ج) نظرية الثورة البروليتارية.

أ – أهمية النظرية
يعتقد البعض أن اللينينية هي تقديم النشاط العملي على النظرية، بمعنى أن الأساسي في اللينينية هو تطبيق المبادئ الماركسية، هو "تحقيق" هذه المبادئ أما النظرية فاللينينية لا تهتم بها إلا بما لا يذكر. ومن المعروف أن بليخانوف تهكم أكثر من مرة على "لا مبالاة" لينين بالنظرية، وخصوصاً بالفلسفة. كذلك من المعروف أن النظرية ليست أبداً ذات حظوة لدى عدد عديد من المناضلين اللينينيين اليوم، خصوصاً بسبب النشاط العملي الهائل الذي تفرضه عليهم الظروف فينبغي أن أعلن أن هذا الرأي، هو أكثر من غريب، حول لينين واللينينية، خاطئ بصورة مطلقة ولا يطابق الواقع أبداً، وأن ميل المناضلين العمليين إلى عدم الاهتمام بالنظرية يخالف بصورة مطلقة روح اللينينية ويحمل أخطاراً عظيمة على القضية.
إن النظرية هي تجربة حركة العمال في كل البلدان، هي هذه التجربة مأخوذة بشكلها العام. ومن الواضح أن النظرية تصبح دون غاية، إذا لم تكن مرتبطة بالنشاط العملي الثوري؛ كذلك تماماً شأن النشاط العملي الذي يصبح أعمى إذا لم تنر النظرية الثورية طريقه. إلا أن النظرية يمكن أن تصبح قوة عظيمة لحركة العمال إذا هي تكونت في صلة لا تنفصم بالنشاط العملي الثوري، فهي، وهي وحدها، تستطيع أن تعطي الحركة الثقة وقوة التوجه وأدراك الصلة الداخلية للحوادث الجارية، وهي، وهي وحدها، تستطيع أن تساعد النشاط العملي على أن يفهم ليس فقط في أي اتجاه وكيف تتحرك الطبقات في اللحظة الحاضرة، بل كذلك في أي اتجاه وكيف ينبغي أن تتحرك في المستقبل القريب. أن لينين نفسه قال وكرر مرات عديدة هذه الفكرة المعروفة القائلة:
"بدون نظرية ثورية، لا حركة ثورية(8) " (ما العمل؟، المجلد الرابع، صفحة 380، الطبعة الروسية).
لقد فهم لينين أحسن من أي إنسان آخر، أن النظرية أهمية عظمى، خصوصاً بالنسبة لحزب كحزبنا، نظراً للدور الكفاحي الذي وقع على عاتقه من حيث هو طليعة البروليتاريا الأممية، ونظراً لما تتصف به الحالة الداخلية والدولية، التي يعمل ضمنها، من تشابك وتعقيد. وقد تنبأ منذ عام 1902 بهذا الدور الخاص الذي يضطلع به حزبنا، فرأى من الضروري أن يذكّر إذ ذاك بما يلي:
"فقط حزب ترشده نظرية الطليعة، يستطيع أن يقوم بدور مناضل الطليعة" (المرجع نفسه).
واليوم وقد تحققت نبوءة لينين هذه عن دور حزبنا، فهل من حاجة إلى البرهان بأن فكرة لينين هذه تكتسب قوة خاصة وأهمية خاصة.
وربما كان من الواجب أن نعتبر كأسطع مظهر لما كان يعلقه لينين من أهمية عظمى على النظرية، أن لينين بالذات قام بمهمة من أكبر المهام خطورة وشأناً، وهي تعميميه في ميدان الفلسفة المادية، لأهم ما أعطاه العلم منذ أنجلس حتى لينين، وكذلك انتقاده العميق الشامل للتيارات المخالفة للمادية بين الماركسيين. كان أنجلس يقول أن "المادية مجبرة على أن تأخذ وجهاً جديداً لدى كل اكتشاف جديد كبير". ومن المعلوم أن لينين بالذات قام، في عهده، بهذه المهمة في مؤلفه الرائع: المادية والمذهب النقدي التجريبي(9) . ومن المعلوم أن بليخانوف الذي كان مغرماً بالتهكم على "لا مبالاة" لينين بالنظرية، لم يغامر حتى بالتصدي، بصورة جدية، لمثل هذه المهمة.

ب – انتقاد "نظرية" العفوية أو حول دور الطليعة في الحركة
إن "نظرية" العفوية هي نظرية الانتهازية، هي نظرية السجود أمام عفوية حركة العمال، هي النظرية القائمة على إنكار الدور القيادي لطليعة الطبقة العاملة، إنكار الدور القيادي لحزب الطبقة العاملة، إنكاراً فعلياً.
إن نظرية السجود أمام العفوية تتعارض بشكل حازم مع الصفة الثورية لحركة العمال، أنها تعارض في أن تتجه الحركة نحو النضال ضد أسس الرأسمالية – فهي تحبذ أن تتبع الحركة فقط خطة المطالب "الممكنة التحقيق"، "المقبولة" بالنسبة للرأسمالية، أنها تحبذ كلياً "خطة أقل ما يمكن من الجهد". إن نظرية العفوية، هي عقلية الترادونيونية(10).
إن نظرية السجود أمام العفوية تعارض معارضة تامة في أعطاء الحركة العفوية صفة واعية ومنظمة، أنها تعارض في أن يسير الحزب على رأس الطبقة العاملة، وفي أن يرفع الحزب الجماهير إلى مستوى الوعي، وفي أن يقود الحزب الحركة وراءه. انها تريد من العناصر الواعية في الحركة، أن لا تمنع هذه الحركة من متابعة السير في مجراها، أنها تدعو إلى أن يقتصر الحزب على ملاحظة الحركة العفوية وعلى الزحف في مؤخرتها. إن نظرية العفوية هي نظرية الانتقاص من دور العنصر الواعي في الحركة، هي عقلية "السير في المؤخرة" هي الأساس المنطقي لكل انتهازية.
إن هذه النظرية، التي ظهرت على المسرح منذ ما قبل الثورة الأولى في روسيا أدت عملياً إلى أن أنصارها المدعوين بـ"الاقتصاديين"، أخذوا ينكرون ضرورة وجود حزب عمال مستقل في روسيا، ويقاومون نضال الطبقة العاملة الثوري في سبيل القضاء على القيصرية، ويحبذون السياسة الترادونيونية في الحركة ويضعون، بوجه عام، حركة العمال تحت زعامة البرجوازية الحرة.
إن نضال الأيسكرا القديمة، وانتقاد لينين الرائع لنظرية "السير في المؤخرة"، في كراسة "ما العمل"؟، لم يسحقا "الاقتصادية" فقط، بل خلقا أيضاً الأسس النظرية لقيام حركة ثورية حقاً للطبقة العاملة الروسية.
ولولا هذا النضال، لكان من العبث حتى مجرد التفكير في إنشاء حزب عمال مستقل في روسيا، وفي دوره القيادي في الثورة.
غير أن نظرية السجود أمام العفوية ليست حادثاً روسياً فقط. فهي منتشرة انتشاراً واسعاً، ولكن بشكل مختلف قليلاً، في جميع أحزاب الأممية الثانية بدون استثناء. وأعني هنا النظرية المسماة بنظرية "قوى الإنتاج". وهي النظرية التي تسعى، بعد أن بتذلها زعماء الأممية الثانية، إلى تبرير كل شيء، والتوفيق بين كل الناس، هي النظرية التي تتحقق من وجود الوقائع التي تفسرها حين يكون جميع الناس قد شبعوا من هذه الوقائع وملوَّها، ثم بعد أن تتحقق منها، تهدأ وتستريح. كان ماركس يقول أن النظرية المادية لا تستطيع أن تقتصر على تفسير العالم، بل ينبغي عليها أيضاً أن تغيِّره. ولكن كاوتسكي وشركاه، لا يأبهون بذلك كله، أنهم يفضلون الوقوف عند القسم الأول من صيغة ماركس.
وها كم مثالاً من الأمثلة العديدة على تطبيق هذه "النظرية". يقال أن أحزاب الأممية الثانية هددت، قبل الحرب الاستعمارية، بإعلان "الحرب على الحرب" إذا ما شرع المستعمرون في الحرب. ويقال أن هذه الأحزاب، عشية ابتداء الحرب تماماً، دفنت شعار "الحرب على الحرب" في الدروج، وطبقت شعاراً مضاداً له هو شعار "الحرب في سبيل الوطن الاستعماري". ويقال أن ملايين الضحايا وقعت من العمال بنتيجة هذا التغيير في الشعارات. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن هناك من يقع عليه الذنب في ذلك، وأن هناك من خان الطبقة العاملة أو باعها، فليس هنالك شيء من هذا أبداً! فقد جرى كل شيء كما كان ينبغي أن يجري. وذلك، أولاً، لأن الأممية هي، كما يبدو، "أداة سلم" لا أداة حرب. وثانياً، لأنه مع "مستوى قوى الإنتاج" الذي كان موجوداً آنذاك لم يكن من الممكن القيام بأي شيء آخر، فـ"الذنب" هو ذنب "قوى الإنتاج". هذا هو على الضبط ما توضحه "لنا" نظرية قوى الإنتاج" لصاحبها السيد كاوتسكي. وكل من لا يؤمن بهذه "النظرية" ليس بماركسي. وأين دور الأحزاب؟.. وأهميتها في الحركة؟.. ولكن ماذا يمكن أن يقوم به الحزب مع وجود عامل حاسم مثل "مستوى قوى الإنتاج"؟..
ومن الممكن ذكر عديد من هذه الأمثلة عن تزييف الماركسية.
وهل نحن بحاجة إلى البرهان بأن هذه "الماركسية" المزيفة، الرامية إلى تغطية عري الانتهازية، ليست سوى لون، مؤتلف مع الأسلوب الأوروبي، من ألوان نظرية "السير في المؤخرة" نفسها التي كافحها لينين منذ ما قبل الثورة الروسية الأولى؟
وهل نحن بحاجة إلى البرهان بأن تحطيم هذا التزييف النظري، هو شرط أولي لإنشاء أحزاب ثورية حقاً في الغرب؟

ج – نظرية الثورة البروليتارية
إن النظرية اللينينية عن الثورة البروليتارية تأخذ، كنقطة انطلاق لها، ثلاث موضوعات أساسية:
الموضوعة الأولى – أن سيطرة الرأسمال المالي في الأقطار الرأسمالية المتقدمة، وإصدار الأوراق المالية، من حيث هو أحدى عمليات الرأسمال المالي الرئيسية، وتصدير الرساميل نحو منابع المواد الأولية، من حيث هو أحد أسس الاستعمار والسلطان المطلق للطغمة المالية، من حيث هو نتيجة لسيطرة الرأسمال المالي، كل ذلك يكشف الصفة الطفيلية الفظة للرأسمالية الاحتكارية، ويزيد الإحساس بنير التروستات والسنديكات الرأسمالية مائة مرة، وينمي سخط الطبقة العاملة ضد أسس الرأسمالية، ويسوق الجماهير إلى الثورة البروليتارية من حيث هي وسيلة الخلاص الوحيدة (راجع "الاستعمار" بقلم لينين).
ومن هنا استنتاج أول: احتدام الأزمنة الثورية في البلدان الرأسمالية، وتعاظم عناصر الانفجار أكثر فأكثر على الجبهة الداخلية، البروليتارية، في بلدان "المتروبول" .
الموضوعة الثانية - أن تصدير الرساميل المتعاظم إلى البلدان المستعمرة والتابعة، وتوسيع "مناطق النفوذ" والممتلكات المستعمرة حتى شملت مجموع الكرة الأرضية، وتحوّل الرأسمالية إلى نظام عالمي قوامه الاستعباد المالي والاضطهاد الاستعماري لأكثرية السكان العظمى في الكرة الأرضية من قبل قبضة من البلدان "المتقدمة" – كل ذلك أدّى، من جهة، إلى جعل مختلف الاقتصاديات الوطنية ومختلف الأراضي الوطنية، حلقات من سلسلة واحدة اسمها الاقتصاد العالمي، وأدى من جهة أخرى إلى تقسيم سكان الكرة الأرضية إلى معسكرين: إلى قبضة البلدان الرأسمالية "المتقدمة" التي تستثمر وتضطهد المستعمرات الشاسعة والبلدان التابعة، إلى أكثرية عظمى من البلدان المستعمرة والتابعة المضطرة إلى القيام بنضال في سبيل التحرر من النير الاستعماري (راجع "الاستعمار").
من هنا استنتاج ثانٍ: احتدام الأزمة الثورية في البلدان المستعمرة، وتعاظم عناصر التمرد أكثر فأكثر ضد الاستعمار على الجبهة الخارجية، جبهة المستعمرات.
الموضوعة الثالثة – إن الامتلاك الاحتكاري لـ"مناطق النفوذ" وللمستعمرات، وتطور البلدان الرأسمالية تطوراً غير متساوي مما يؤدي إلى نضال وحشي من أجل تقسيم العالم تقسيماً جديداً بين البلدان التي تمَّ لها الاستيلاء على أرض والبلدان التي ترغب في نيل "حصتها"، والحروب الاستعمارية من حيث هي الوسيلة الوحيدة لإعادة "التوازن" المفقود - كل ذلك يؤدي إلى احتدام النضال على الجبهة الثالثة، بين الدول الرأسمالية، مما يضعف الاستعمار ويسهل اتحاد الجبهتين الأوليتين ضد الاستعمار: الجبهة البروليتارية الثورية وجبهة تحرير المستعمرات (راجع "الاستعمار").
ومن هنا استنتاج ثالث: حتمه الحروب في عهد الاستعمار، وحتمية تكتل الثورة البروليتارية في أوروبا مع ثورة المستعمرات في الشرق، فتؤلف الاثنتان جبهة الثورة الموحدة العالمية ضد جبهة الاستعمار العالمية(11).
إن جميع هذه الاستنتاجات تجتمع، لدى لينين، في هذا الاستنتاج العام بأن "الاستعمار هو عشية الثورة الاشتراكية"(12) (مقدمة كتاب "الاستعمار، أعلى مراحل الرأسمالية"، المجلد 19، صفحة 71، الطبعة الروسية).
وتبعاً لذلك، يتغير ذات الشكل الذي توضع به مسألة الثورة البروليتارية، مسألة طبيعية هذه الثورة، ومداها، وعمقها؛ تتغير اللوحة الإجمالية للثورة بوجه عام.
فقبلاً، كان تحليل الظروف التي تسبق الثورة البروليتارية يجري عادة من وجهة نظر الوضع الاقتصادي لهذا البلد أو ذاك مأخوذاً بمفرده. أما الآن، فإن هذا الشكل في معالجة القضية لم يعد كافياً. فينبغي الآن مجابهة الأمر من وجهة نظر الحالة الاقتصادية في مجموع البلدان، أو في أكثريتها، من وجهة نظر الحالة الاقتصادية في مجموع البلدان، أو في أكثرها، من وجهة نظر حالة الاقتصاد العالمي، لأن مختلف البلدان ومختلف الاقتصاديات الوطنية لم تعد وحدات تكفي نفسها بنفسها، بل أصبحت حلقات في سلسلة واحدة أسمها الاقتصاد العالمي، لأن الرأسمالية القديمة "المتمدنة" تطورت إلى استعمار، والاستعمار هو نظام عالمي قائم على الاستعباد المالي والاضطهاد الاستعماري لأكثرية السكان العظمى في الكرة الأرضية من قبل قبضة من البلدان "المتقدمة".
قبلا، جرت العادة أن يتناول الكلام وجود أو غياب ظروف موضوعية لأجل الثورة البروليتارية في مختلف البلدان، أو، على الأصح، في هذا البلد المتطور أو ذاك. أما الآن. فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية. فينبغي الكلام الآن عن وجود أو غياب ظروف موضوعية لأجل الثورة في مجموع نظام الاقتصاد الاستعماري العالمي، من حيث هو كل، وعلى هذا، فأن وجود بعض بلدان غير متطورة بصورة كافية من الناحية الصناعية، في جسم هذا النظام، لا يمكن أن يكون عائقاً لا يُذلل في وجه الثورة، ما دام النظام بمجموعه، أو على الأصح لأن النظام بمجموعه، قد نضج لأجل الثورة.
قبلا، كانت العادة أن يجري الكلام عن الثورة البروليتارية في هذا البلد المتطور أو ذاك، من حيث هي مقدار بذاته، مقدار مطلق يكفي نفسه بنفسه، ويعارض جبهة وطنية معنية للرأسمال، كما هي الحال في قطبين متعارضين متقاطرين. أما الآن، فأن وجهة النظر هذه لم تعد كافية فينبغي الكلام الآن عن الثورة البروليتارية العالمية، ذلك لأن جبهات الرأسمالية الوطنية المختلفة أصبحت حلقات في سلسلة واحدة أسمها جبهة الاستعمار العالمية التي ينبغي أن تعارضها الجبهة المشتركة للحركة الثورية في جميع البلدان.
قبلا، كانت الثورة البروليتارية تعتبر نتيجة للتطور الداخلي وحده في بلد معين. أما الآن، فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية فالآن ينبغي اعتبار الثورة البروليتارية قبل كل شيء كنتيجة لتطور التناقضات في النظام العالمي للاستعمار، كنتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الاستعمارية العالمية في هذا البلد أو ذاك.
أين ستبدأ الثورة؟ أين، في أي بلد قبل غيره، يمكن خرق جبهة الرأسمال؟
هناك حيث الصناعة أكثر تطوراً، حيث البروليتاريا تؤلف الأكثرية، حيث الثقافة أكثر، والديمقراطية أكثر،... هكذا كان الجواب قبلاً، بوجه عام.
غير أن النظرية اللينينية عن الثورة تعارض ذلك وتجيب: كلا! ليس بالضرورة هناك حيث الصناعة أكثر تطوراً، الخ. فأن جبهة الرأسمال ستُخرق هناك من حيث سلسلة الاستعمار أضعف، لأن الثورة البروليتارية هي نتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الاستعمارية العالمية في أضعف مكان فيها، وعلى هذا، فمن الممكن أن يحدث أن البلد الذي بدأ الثورة، البلد الذي خرق جبهة الرأسمال، هو، من الناحية الرأسمالية، أقل تطوراً من البلدان الأخرى التي هي أكثر تطوراً والتي بقيت مع ذلك في نطاق الرأسمالية.
في عام 1917، كانت سلسلة الجبهة العالمية الاستعمارية في روسيا أضعف منها في البلدان الأخرى، وهناك انقطعت وفتحت الطريق للثورة البروليتارية. فلماذا؟ لأن روسيا كانت تجري فيها اكبر ثورة من الثورات الشعبية، ثورة تسير في رأسها بروليتاريا ثورية لديها مثل هذا الحليف الجدي الذي هو ملايين الفلاحين المضطهدين المستثمرين من قبل كبار ملاكي الأراضي. لأن خصم الثورة هناك كان ذلك الممثل البشع للاستعمار، وهو القيصرية المحرومة من كل وزن معنوي والتي استحقت حقد جميع السكان. لقد حدث أن كانت السلسلة في روسيا اضعف، رغم أن روسيا كانت، من الناحية الرأسمالية، أقل تطوراً، مثلاً، من فرنسا أو ألمانيا، من انكلترا أو أميركا.
وأين ستنقطع السلسلة في المستقبل القريب؟ كذلك هناك حيث ستكون أضعف. ليس من المستبعد أن تنقطع السلسلة مثلاً في الهند. ولماذا؟ لأن هناك بروليتاريا ثورية فتية ملتهبة، ولها حليف هو حركة التحرر الوطني، وهو حليف خطير الشأن دون جدال، وجدي دون جدال. ولأن الثورة، في هذا البلد، لها هذا الخصم المعروف عند الجميع وهو الاستعمار الأجنبي المحروم من كل نفوذ معنوي والذي استحق حقد جميع الجماهير المضطهدة والمستثمرين في الهند.
كذلك من الممكن تماماً أن تنقطع السلسلة في ألمانيا، لماذا؟ لن العوامل التي تعمل في الهند مثلاً، بدأت تعمل في ألمانيا أيضاً. ومن الواضح أن الفرق العظيم بين مستوى تطور الهند ومستوى تطور ألمانيا لا يمكن إلا أن يترك طابعه على سير الثورة وعلى مخرجها في ألمانيا.
ولهذا يقول لينين:
"... إن البلدان الرأسمالية في أوروبا الغربية ستكمل تطورها نحو الاشتراكية... لا عن طريق "نضج" متساوي للاشتراكية لديها، بل عن طريق استثمار دول لدول أخرى، عن طريق استثمار أول دولة مغلوبة في الحرب الاستعمارية، ويضاف إليه استثمار كل الشرق. غير أن الشرق، من جهة أخرى، قد دخل نهائياً، بسبب هذه الحرب الاستعمارية الأولى نفسها، في الحركة الثورية، وأنجز نهائياً في فلك الحركة الثورية العالمية" ("من الخير أقل ولكن أحسن"، المؤلفات الكاملة، المجلد 27، صفحة 415 – 416).
وبكلمة، ينبغي، كقاعدة عامة، أن تنقطع سلسلة الجبهة الاستعمارية، هناك حيث حلقات السلسلة هي أضعف، وعلى كل حال، ليس من ضروري أن تنقطع هناك حيث الرأسمالية أكثر تطوراً، وحيث النسبة المئوية للبروليتاريا هي كذا، ونسبة الفلاحين كذا، وما إلى ذلك.
ولهذا، فإن الحسابات الإحصائية عن النسبة المئوية البروليتارية في تركيب السكان، في هذا البلد بمفرده أو ذاك، تفقد فيما يتعلق بحل مسألة الثورة البروليتارية، تلك الأهمية الاستثنائية التي كان يعزوها إليها، بطيبة خاطر، فقهاء الأممية الثانية الذين لم يفهموا ما هو الاستعمار والذين يخافون الثورة كما يخافون الطاعون.
وبعد، فإن أبطال الأممية الثانية كانوا يؤكدون (وما زالوا يؤكدون) أن بين الثورة الديمقراطية البرجوازية من جهة، والثورة البروليتارية من جهة أخرى، هوة، أو على كل حال، سوراً مثل سور الصين يفصل أحداهما عن الآخر بفترة من الزمن طويلة كثيراً أو قليلاً، نعمل فيها البرجوازية التي تصل إلى الحكم عن تطوير الرأسمالية، بينما تكدس البروليتارية قواها وتستعد "للنضال الحاسم" ضد الرأسمالية. ويقدرون هذه الفترة، عادة بعشرات السنين، إن لم يكن بأكثر من ذلك. فهل بنا من حاجة إلى البرهان على أن "نظرية" سور الصين هذه هي، في ظروف الاستعمار، خالية من كل معنى علمي وأنها ليست، ولا يمكن أن تكون، سوى وسيلة لتغطية ولتزيين الشهوات المعادية للثورة لدى البرجوازية؟ وهل بنا من حاجة إلى البرهان بأنه، في ظروف الاستعمار الذي يحمل في صلبة بذرة الاصطدامات والحروب، في ظروف "عشية الثورة الاشتراكية"، حين تتحول الرأسمالية "المزدهرة" إلى رأسمالية "محتضرة" (لينين)، بينما الحركة الثورية تتعاظم في جميع بلدان العالم، وحين يتحالف الاستعمار مع جميع القوى الرجعية دون استثناء، حتى مع القيصرية ومع نظام القنانة، وبذلك يجعل من الضرورة تكتل جميع القوى الثورية، ابتداء من الحركة البروليتارية في الغرب إلى حركة التحرر الوطني في الشرق، وحين يصبح تحطيم بقايا الأنظمة الإقطاعية غير ممكن بدون نضال ثوري ضد الاستعمار، - هل بنا من حاجة على البرهان بأن الثورة الديمقراطية البرجوازية، في بلد متطور إلى حد ما، لا يمكن، في مثل هذه الظروف، إلا أن تقترب من الثورة البروليتارية، لا يمكن إلا أن تتحول الأولى إلى الثانية؟ لقد برهن تاريخ الثورة في روسيا، بوضوح، أن هذه النظرية صحيحة ولا جدال فيها. وليس من العبث أن يكون لينين، منذ عام 1905، على أعتاب الثورة الروسية الأولى، قد صور في كراسة "خطتان" الثورة الديمقراطية البرجوازية والثورة الاشتراكية كحلقتين من سلسلة واحدة، كلوحة واحدة جامعة لمدى الثورة الروسية:
"ينبغي على البروليتاريا أن تقوم بالثورة الديمقراطية إلى النهاية بل تضم إليها جماهير الفلاحين لسحق مقاومة الأوتوقراطية بالقوة، وشل تذبذب البرجوازية. وينبغي على البروليتاريا أن تقوم بالثورة الاشتراكية بأن تضم إليها جماهير العناصر شبه البروليتارية من السكان لسحق مقاومة البرجوازية بالقوة وشل تذبذب الفلاحين البرجوازية الصغيرة. تلك هي مهمات البروليتاريا، هذه المهمات التي يصورها جماعة "الايسكرا" الجديدة بشكل بالغ الضيق في جميع مقاييسهم وجميع قراراتهم عن مدى الثورة."(لينين، المجلد الثامن، صفحة 96).
ولا أتكلم هنا عن مؤلفات لينين الأخرى الحديثة التي تظهر فيها فكرة تحويل الثورة البرجوازية إلى ثورة بروليتارية بصورة أبرز مما في "خطتان"، من حيث هي، أعني هذه الفكرة، أحد أحجار الزاوية في النظرية اللينينية عن الثورة.
يعتقد بعض الرفاق، كما يظهر، أن لينين لم يصل إلى هذه الفكرة إلا في عام 1916، وأنه، قبل ذلك، كان يعتبر أن الثورة في روسيا ستنحصر في النطاق البرجوازي، وأن الحكم، بالتالي، سينتقل من أيدي جهاز ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين إلى أيدي البرجوازية، لا إلى أيدي البروليتاريا. ويقال بأن هذا التأكيد قد تسرب حتى إلى صحافتنا الشيوعية. فعليّ أن أقول أن هذا التأكيد خاطىء تماماً، وأنه لا يطابق الواقع أبداً.
في وسعي أن ارجع إلى خطاب لينين المعروف الذي ألقاه في المؤتمر الثالث للحزب في عام 1905، وصف فيه ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين، التي هي انتصار الثورة الديمقراطية، بأنها ليست "تنظيم النظام"، بل هي "تنظيم الحرب" (تقرير عن اشتراك الاشتراكية الديمقراطية بالحكومة المؤقتة الثورية، في المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا، المجلد السابع، صفحة 264).
وفي وسعي أن أرجع بعد ذلك إلى مقالات لينين المعروفة "عن الحكومة المؤقتة" (عام 1905)، وفيها يشرح الإمكانيات المقبلة لتطور الثورة الروسية ويضع أمام الحزب مهمة "العمل بشكل لا تكون معه الثورة الروسية حركة بضعة أشهر، بل حركة سنين عديدة، وأن لا تؤدي فقط إلى تنازل القابضين على زمام الحكم عن بعض الإصلاحات الطفيفة، بل أن تؤدي إلى القضاء تماماً على هذا الحكم" – وفي هذه المقالات، يشرح لينين هذه الإمكانية المقبلة ويربطها بالثورة في أوروبا ويقول متابعاً:
"وإذا استطعنا بلوغ ذلك، فعندئذ... عندئذ سيلهب الحريق الثوري أوروبا، وسينهض العامل الأوروبي بدوره، وقد ضاق ذرعاً بما يلقاه من عذاب من الرجعية البرجوازية، فيرينا "كيف يكون الشغل"، عندئذ يعود النهوض الثوري في أوروبا فيحدث رد فعل مقابل في روسيا ويجعل من عهد مدته سنوات ثورية عديدة، عهداً مدته عشرات عديدة من السنين الثورية..." ("الاشتراكية الديمقراطية والحكومة المؤقتة الثورية"، المجلد السابع، صفحة 191).
ويمكنني أن أرجع، بعد ذلك، إلى مقال لينين المعروف، المنشور عام 1915، والذي يقول فيه:
"أن البروليتاريا تناضل بتفان في سبيل الاستيلاء على الحكم، في سبيل الجمهورية، في سبيل مصادرة الأراضي ... في سبيل إشراك "الجماهير الشعبية غير البروليتارية" في تحرير روسيا البرجوازية من نير "الاستعمار" العسكري الإقطاعي (- القيصرية). وستستفيد البروليتاريا حالاً(13) من تحرير روسيا البرجوازية من نير القيصرية ومن سلطة كبار الملاكين العقاريين على الأرض، ستستفيد البروليتاريا من ذلك لا لأجل مساعدة الفلاحين الأغنياء في نضالهم ضد العمال الزراعيين، بل لأجل القيام بالثورة الاشتراكية بالتحالف مع بروليتاريي أوروبا". ("خطتا الثورة"، المجلد الثامن عشر، الصفحة 318).
وفي استطاعتي أخيراً أن أرجع إلى مقطع معروف من كراس الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي وفيه يستشهد لينين بالمقطع المذكور أعلاه عن مدى الثورة الروسية في كتاب خطتان ويصل إلى الاستنتاج التالي:
"أن كل شيء قد جرى على الضبط كما قلنا، أن مجرى الثورة قد صدق صحة تفكيرنا.. ففي البداية مع "كل" جماهير الفلاحين ضد النظام الملكي، ضد كبار ملاكي الأراضي، ضد الإقطاعية (وبذلك تبقى الثورة برجوازية، ديمقراطية برجوازية). وبعدئذ مع الفلاحين الفقراء، مع أشباه البروليتاريين، مع جميع المستثمرين، ضد الرأسمالية بما فيها أغنياء الريف والكولاك والمحتكرون، وبذلك تصبح الثورة اشتراكية. أما أن يراد إقامة سور صيني بصورة مصطنعة بين الواحدة والأخرى والفصل بينهما بأي شيء سوى درجة استعداد البروليتاريا ودرجة اتحادها مع الفلاحين الفقراء، فتلك هي غاية ما يمكن أن يصل إليه تشويه الماركسية وابتذالها وإحلال الليبرالية محلها". (المجلد 23، صفحة 391).
إن ذلك يكفي فيما اعتقد.
وقد يقال لنا: حسناً، ولكن مادام الأمر كذلك، فلماذا حارب لينين فكرة "الثورة الدائمة (المستمرة)"؟
ذلك لأن لينين كان يقترح "الاستفادة إلى النهاية" من الكفاءات الثورية لدى جماهير الفلاحين واستخدام طاقتها الثورية عن آخرها لتصفية القيصرية تصفية تامة وللانتقال إلى الثورة البروليتارية. هذا، في حين يكن أنصار الثورة الدائمة يفهمون دور جماهير الفلاحين العظيم الأهمية في الثورة الروسية، كانوا يستصغرون قوة الطاقة الثورية لدى جماهير الفلاحين، كانوا يستصغرون قوة البروليتاريا الروسية وكفاءتها على جر جماهير الفلاحين وراءها. وهكذا جعلوا من الأصعب قضية تحرير جماهير الفلاحين من نفوذ البرجوازية، قضية جمع جماهير الفلاحين حول البروليتاريا.
ذلك لأن لينين كان يقترح تتويج عمل الثورة بانتقال الحكم إلى البروليتاريا. بينما أنصار الثورة "الدائمة" يبغون البدء رأساً بحكم البروليتاريا، فما كانوا يدركون أنهم بذلك يغمضون أعينهم عن هذا "الواقع البسيط" وهو بقايا الإقطاعية ولا يحسبون حساب هذه القوة العظيمة الأهمية التي هي جماهير الفلاحين الروس، ما كانوا يدركون أن سياسة كهذه ما كان من الممكن إلا أن تعرقل قضية كسب جماهير الفلاحين إلى جانب البروليتاريا.
وإذن فلينين لم يكن يحارب أنصار الثورة "الدائمة"، حول قضية استمرار الثورة، إذ أن لينين نفسه كان يتمسك بوجهة نظر الثورة المستمرة، بل كان يحاربهم لأنهم كانوا يستصغرون دور جماهير الفلاحين، الذين هم أعظم احتياطي للبروليتاريا،ولأنهم ما كانوا يفهمون فكرة زعامة البروليتاريا.
وليس في المستطاع اعتبار فكرة الثورة "الدائمة فكرة جديدة. فقد صاغها ماركس، للمرة الأولى، حوالي عام 1850، في رسالته الشهيرة إلى عصبة الشيوعيين. ومن هذه الوثيقة أخذ "الدائميون" عندنا فكرة الثورة المستمرة. وجدير بالذكر أن "الدائميين" عندنا، حين اخذوا هذه الفكرة عن ماركس، عدلوها بعض الشيء، وبتعديلهم إياها "أفسدوها" وجعلوها غير صالحة للاستخدام العملي. فكان لا بد من يد لينين المجربة البارعة لإصلاح هذا الخطأ، ولأخذ فكرة ماركس عن الثورة المستمرة بشكلها الصافي، وجعلها أحد أحجار الزاوية في النظرية اللينينية عن الثورة.
وهاكم ما يقوله ماركس بصدد الثورة المستمرة (الدائمة)، بعدما عدَّد في رسالته سلسلة من المطالب الديمقراطية الثورية التي يدعو الشيوعيين إلى انتزاعها، قال ماركس:
"في حين أن البرجوازيين الديمقراطيين يريدون، بتحقيق أكثر ما يمكن من المطالب المتقدم ذكرها، إنهاء الثورة على أسرع وجه، تقوم مصالحنا ومهمتنا نحن على جعل الثورة دائمة، مادامت جميع الطبقات المالكة، المالكة كثيراً أو قليلاً، لم تقص عن الحكم، وما دامت البروليتاريا لم تستول على سلطة الدولة، ومادامت جمعيات البروليتاريين في جميع أقطار العالم الرئيسية، وليس في بلد واحد فقط، لم تتطور بصورة كافية لوقف المزاحمة بين بروليتاريي هذه الأقطار، ومادامت قوى الإنتاج، القوى الحاسمة على الأقل، لم تتمركز في أيدي البروليتاريين".


وبكلمة أخرى:
أ‌) إن ماركس لم يقترح قط أن تبدأ الثورة في ألمانيا، خلال أعوام 1850 – 1860، بالسلطة البروليتارية رأساً، وذلك على الضد من خطط "دائميينا" الروس؛
ب‌) إن ماركس كان يقترح فقط تتويج عمل الثورة بالسلطة البروليتارية للدولة، وذلك بإسقاط جميع أقسام البرجوازية عن سدة الحكم، واحداً بعد آخر، خطوة خطوة، ومن ثم، بعد أن تصبح البروليتاريا في الحكم، اشعال حريق الثورة في جميع الأقطار. وكل ذلك ينطبق تماماً على ما علَّمه لينين وما حققه في مجرى ثورتنا سيراً على نظريته عن الثورة البروليتارية في ظروف الاستعمار.
وينتج من ذلك أن "دائميينا" الروس لم يستصغروا فقط دور جماهير الفلاحين في الثورة الروسية، وكذلك أهمية فكرة زعامة البروليتاريا، بل هم عدّلوا فكرة الثورة "الدائمة" عند ماركس (بإفسادها) وجعلوها غير صالحة للاستخدام العملي.
لهذا كان لينين يتهكم على نظرية "دائميينا" فينعتها بأنها "فريدة" و "رائعة"، ويتهمهم بأنهم لا يريدون "التفكير في الأسباب التي جعلت هذه النظرية الرائعة على هامش الحياة طوال عشرة أعوام". (من مقال كتبه لينين عام 1915، بعد عشرة أعوام من ظهور نظرية "الدائميين" في روسيا. راجع "خطتا الثورة"، المجلد 18، صفحة 317).
لهذا كان لينين يعتبر هذه النظرية نصف منشفيكية، قائلاً بأنها "تستعير من البلاشفة الدعوة إلى نضال البروليتاريا الثوري الفاصل، وإلى استيلاء هذه الأخيرة على السلطة السياسية، وتستعير من المنشفيك "إنكار" دور الفلاحين" (المرجع نفسه).
تلك هي الوضعية فيما يتعلق بفكرة لينين عن تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة بروليتارية، وعن استخدام الثورة البرجوازية للانتقال "حالا" إلى الثورة البروليتارية.
ولنتابع. في السابق، كانوا يعتبرون من غير الممكن انتصار الثورة في بلد واحد، إذ كانوا يعتقدون أن الانتصار على البرجوازية يقتضي عملاً مشتركاً من البروليتاريين في مجموع الأقطار المتقدمة، أو في معظم مثل هذه الأقطار، على الأقل. أما الآن، فوجهة النظر هذه لم تعد تطابق الواقع. الآن، ينبغي الانطلاق من إمكانية مثل هذا الانتصار، لأن تطور مختلف الأقطار الرأسمالية في ظروف الاستعمار، بصورة غير متساوية وعلى قفزات، وتطور التناقضات الحادة في داخل الاستعمار، مما يؤدي إلى حروب محتمة، ونمو الحركة الثورية بل كذلك إلى ضرورة انتصار البروليتاريا في بلدان منفردة. وأن تاريخ الثورة في روسيا لبرهان مباشر على ذلك. ولكن من المهم أن لا ننسى هنا أن خلع البرجوازية لا يمكن تحقيقه بنجاح إلا عندما تجتمع بعض الشروط التي هي ضرورية بصورة مطلقة، والتي بدونها يكون بلا جدوى حتى مجرد التفكير في استيلاء البروليتاريا على السلطة.
وها كم ما يقوله لينين بصدد هذه الشروط في كراسه مرض الطفولة:
"إن قانون الثورة الأساسي، الذي أثبتته جميع الثورات، ولاسيما الثورات الروسية الثلاث في القرن العشرين، هو: لا يكفي، لأجل الثورة، أن تشعر جماهير المستثمرين والمضطهدين باستحالة العيش كالسابق، وأن تطالب بتغييرات. فينبغي، لأجل الثورة، أن يكون المستثمرون لم يعد في استطاعتهم أن يعيشوا ويحكموا كالسابق. فعندما يصبح "الذين تحت" لا يريدون العيش كالسابق، و"الذين فوق" لا يستطيعون الحكم كالسابق. عندئذ فقط تستطيع الثورة أن تنتصر. ويمكن التعبير عن هذه الحقيقة بصورة أخرى في الكلمات التالية: أن الثورة غير ممكنة بدون أزمة وطنية عامة (تتناول المستثمَرين والمستثمِرين معاً)(14) . فإذن لأجل الثورة، ينبغي، أولاً، أن تكون أكثرية العمال (أو، في كل حال، أكثرية العمال الواعيين، المفكرين، النشيطين سياسياً) قد فهمت فهماً تاماً ضرورة الثورة، وأن تكون مستعدة للموت في سبيلها، وينبغي، ثانيا،ً أن تعاني الطبقات الحاكمة أزمة حكومية من شأنها أن تجر إلى الحياة السياسية حتى أكثر الجماهير تأخراً..، وأن تضعف الحكومة وتجعل من الممكن للثوريين خلعها بسرعة" (المجلد 25، صفحة 222).
غير أن خلع سلطة البرجوازية وإقامة سلطة البروليتاريا في بلد واحد، لا يعنيان بعدُ، ضمان انتصار الاشتراكية التام. أن البروليتاريا في البلد المنتصر، بعد توطيد سلطتها، وجرّ جماهير الفلاحين وراءها، في وسعها ومن واجبها أن تبني المجتمع الاشتراكي. ولكن هل يعني هذا أنها بذلك تحقق انتصار الاشتراكية التام، النهائي؟ وبعبارة أخرى، هل يعني هذا أنها تستطيع، بقوى بلدها وحدها، أن توطد الاشتراكية نهائياً وتضمن البلاد تماماً ضد التدخل، وبالتالي، ضد إعادة النظام الرأسمالي؟ كلا، طبعاً. فلأجل هذا، من الضروري أن تنتصر الثورة في بعض البلدان، على الأقل. ولذلك فأن تطوير ومساندة الثورة في الأقطار الأخرى هما مهمة أساسية على الثورة المنتصرة. لذلك ينبغي للثورة في البلد المنتصر أن لا تعتبر نفسها كمقدار نفسه بنفسه، بل كعون، كوسيلة لتعجيل انتصار البروليتاريا في الأقطار الأخرى.
لقد أفصح لينين عن هذه الفكرة بكلمتين، إذ قال أن مهمة الثورة المنتصرة هي القيام "بأقصى ما هو ممكن التحقيق في بلد واحد لأجل تطوير ومساندة وأيقاظ الثورة في جميع الأقطار" (الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي، المجلد 23، صفحة 385).
تلك هي، أجمالاً، الخطوط المميزة للنظرية اللينينية عن الثورة البروليتارية.

(8)إشارة التأكيد مني ـ ج. ستالين.
(9) Empiriocriticisme et Materialisme.
(10) Trade Unionisme : تيار انتهازي في حركة العمال يرمي إلى صرف الطبقة العاملة عن النضال السياسي بدعوى حصر اهتمامها بالقضايا الاقتصادية – هيئة التعريب.
(11) المتروبول (Metropole)، كلمة تطلق على البلد الاستعماري المسيطر بالنسبة للمستعمرات والأقطار التابعة له. فانكلترا هي المتروبول بالنسبة لكينيا والملايو، مثلا، وفرنسا هي المتروبول بالنسبة لبلاد السنغال ومدغسكر، الخ.- هيئة التعريب.
(12) إشارة التأكيد مني – ج. ستالين.
(13) إشارات التأكيد مني ـ ج. ستالين.
(14) إشارة التأكيد مني – ج. ستالين.


- 4 -
دكتاتورية البروليتاريا

سآخذ من هذا الموضوع ثلاث مسائل أساسية:

أ) دكتاتورية البروليتاريا، من حيث هي أداة الثورة البروليتارية.
ب) دكتاتورية البروليتاريا، من حيث هي سيادة البروليتاريا على البرجوازية.
ج) سلطة السوفيات، من حيث هي شكل لدولة ديكتاتورية البروليتاريا.

أ – دكتاتورية البروليتاريا، من حيث هي أداة الثورة البروليتارية
إن مسألة الديكتاتورية البروليتارية هي، قبل كل شيء، مسألة محتوى الثورة البروليتارية الأساسي. فالثورة البروليتارية، وحركتها، ومدى اتساعها، وانتصاراتها لا يصبح لها لحم ودم ألا بدكتاتورية البروليتاريا. أن دكتاتورية البروليتاريا هي أداة الثورة البروليتارية وجهازها وأهم نقطة ارتكاز لها، أداة مدعوة للحياة، أولاً، لكي تسحق مقاومة المستثمرين المخلوعين وتوطد انتصارات الثورة البروليتارية، وثانياً، لكي تسير بالثورة البروليتارية إلى النهاية، لكي تقود الثورة إلى انتصار الاشتراكية التام. فأن التغلب على البرجوازية وإسقاط حكمها أمر لا تستطيع أن تفعله الثورة بدون دكتاتورية البروليتاريا. أما سحق مقاومة البرجوازية والمحافظة على الانتصارات والسير قدماً نحو انتصار الاشتراكية النهائي، فأمور لن يكون في وسع الثورة أن تفعلها إذا لم تخلق، عند بلوغها درجة ما من تطورها، جهازاً خاصاً بشكل دكتاتورية البروليتاريا، بوصفها نقطة الارتكاز الأساسية للثورة.
"إن مسألة الحكم هي المسألة الأساسية لكل ثورة" (لينين). فهل يعني ذلك أنه ينبغي الاقتصار هنا على أخذ الحكم، والاستيلاء عليه؟ كلا، طبعاً. إن الاستيلاء على الحكم ليس سوى ابتداء المهمة. فالبرجوازية التي أسقطت عن الحكم في بلد واحد تظل زمناً طويلاً، لأسباب كثيرة، أقوى من البروليتاربا التي أسقطتها. ولهذا، فالأمر كله هو الاحتفاظ بالحكم وتوطيده وجعله منيعاً لا يُغلب. فماذا يلزم لبلوغ هذا الهدف؟ من الضروري، على الأقل، انجاز ثلاث مهمات رئيسية تواجه دكتاتورية البروليتاريا "غداة" الانتصار:
أ‌) تحطيم مقاومة الملاكين العقاريين الكبار والرأسماليين الذين أسقطتهم الثورة ونزعت منهم ملكيتهم، والقضاء التام على جميع محاولاتهم الرامية إلى إعادة حكم الرأسمال؛

ب‌) تنظيم عمل البناء بصورة تجمع جميع الشغيلة البروليتاريا، وتوجيه هذا العمل بشكل يهئ تصفية الطبقات وإزالتها؛

ج) تسليح الثورة، وتنظيم جيش الثورة لأجل النضال ضد الأعداء الخارجين، لأجل النضال ضد الاستعمار.
إن دكتاتورية البروليتاريا ضرورية لتحقيق هذه المهمات وإنجازها. يقول لينين:
"إن الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية هو مرحلة تاريخية كاملة. وما دامت هذه المرحلة لم تنته، فسيظل المستثمرون، حتماً يعللون أنفسهم بأمل إعادة الرأسمالية، وسيتحول هذا الأمل إلى محاولات لإعادة الرأسمالية.
فالمستثمرون الذين ما كانوا يتوقعون أبداً القضاء على حكمهم، وما كانوا يصدقون شيئاً من ذلك، ولا يقبلون أن يخطر لهم ببال، سيندفعون إلى المعركة، بعد أول هزيمة جدية، ويخوضونها بعزيمة مضاعفة عشرات المرات، وباندفاع جنوني، وبحقد متعاظم مئات المرات لكي يسترجعوا "الفردوس" المفقود لعائلاتهم التي كانت تعيش تلك الحياة الناعمة الهانئة، والتي يحكم عليها "الرعاع السفلة" الآن بالخراب والبؤس (أو بالكدح "الحقير..."). ووراء الرأسماليين المستثمرين، يقف السواد الأعظم من البرجوازية الصغيرة التي تثبت التجربة التاريخية، طوال عشرات السنين، في جميع الأقطار، أنها تتردد وتتأرجح، وتسير اليوم وراء البروليتاريا، ثم تخاف غداً من صعوبات الثورة، فيستولي عليها الذعر عند أول هزيمة أو شبه هزيمة يمنى بها العمال، ويجن جنونها وتضطرب، وتتباكى، وتركض من معسكر إلى آخر". (الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي – المؤلفات، المجلد 23، الصفحة 355).
ولدى البرجوازية من الأسباب ما يدفعها إلى القيام بمحاولات لاستعادة الحكم لأنها، بعد أسقاطها، تبقى زمناً طويلاً، أقوى من البروليتاريا التي أسقطتها.
يقول لينين:
"إذا غلب المستثمرون في بلد واحد فقط – وهذه الحالة الأنموذجية طبعاً، لأن قيام الثورة في وقت واحد في عدة أقطار، شذوذ نادر الوقوع – فأنهم يبقون مع ذلك أقوى من المستثمَرين". "المصدر نفسه، الصفحة 354".
فأين تكمن قوة البرجوازية المخلوعة؟
أولاً، "في قوة الرأسمال الدولي، وفي قوة ومتانة الصلات الدولية للبرجوازية" (لينين: مرض الشيوعية الطفولي ("اليسارية" – المؤلفات، المجلد 25، الصفحة 173).
ثانياً، في كون "المستثمِرين يحتفظون حتماً، بعد الثورة بزمن طويل، بعدد من الميزات الفعلية الكبيرة الشأن: فيبقى لديهم المال (إذ لا يمكن إلغاء المال دفعة واحدة) وبعض ممتلكات منقولة عظيمة الشأن في الغالب. وتبقى لهم علاقات، وتبقى لهم عادات تنظيمية وإدارية ومعرفة بجميع "أسرار" الإدارة (عاداتها، طرقها، وسائلها، إمكانيتها). وتبقى لديهم ثقافة أبعد شأناً، وصلات وثيقة العرى بكبار رجال السلك التكنيكي (البرجوازيين بمعيشتهم وعقليتهم) وتبقى عندهم تجربة في الفن العسكري أعلى مستوى بما لا يقاس (وهو أمر هام جداً)، الخ، الخ." (لينين: الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي، المجلد 23، الصفحة 345).
وثالثاً، "في قوة العادة، في قوة الإنتاج الصغير، إذ لا يزال في العالم، لسوء الحظ، مقدار كبير جداً جداً من الإنتاج الصغير؛ والإنتاج الصغير يولّد الرأسمالية والبرجوازية باستمرار، كل يوم، وكل ساعة) بصورة عفوية وعلى مقاييس واسعة... لأن القضاء على الطبقات ليس معناه فقط طرد الملاكين العقاريين الكبار والرأسماليين – الأمر الذي كان سهلاً علينا نسبياً – بل معناه القضاء على منتجي البضائع الصغار، وهؤلاء لا يمكن طردهم ولا يمكن سحقهم، فيجب أن نكون على وفاق معهم. يمكن (ويجب) أن يتغيروا، وأن يعاد تثقيفهم – ولكن فقط بعمل تنظيمي طويل جداً، في غاية التمهل وغاية التبصر". (المرض الطفولي، المجلد الخامس والعشرون الصفحة 173، 189).
لذلك يقول لينين:
"إن دكتاتورية البروليتاريا هي أشد الحروب بسالة وضراوة تقوم بها الطبقة الجديدة ضد عدو أعظم قوة، ضد البرجوازية التي ازدادت مقاومتها عشرة أضعاف من جرّاء إسقاطها عن الحكم"، وأن "دكتاتورية البروليتاريا هي نضال عنيد دام وغير دام، عنيف وسلمي، عسكري واقتصادي، تربوي وأداري، ضد قوى المجتمع القديم وتقاليده". (المصدر نفسه، الصفحة 173، و190).
ونكاد لا نكون بحاجة إلى تقديم الدليل على أنه من المستحيل، على الإطلاق، أنجاز هذه المهمات في فترة وجيزة، وتحقيق كل ذلك في بضع سنوات. لهذا ينبغي أن لا يُنظر إلى دكتاتورية البروليتاريا، أي إلى الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية، على أنها حقبة وجيزة عابرة من الأعمال والمراسيم "الثورية العليا"، بل على أنها مرحلة تاريخية كاملة مليئة بحروب أهلية ونزهات خارجية وبعمل عنيد من التنظيم والبناء الاقتصادي، وبكثير من الهجوم والتراجع، ومن الانتصارات والهزائم. وليست هذه المرحلة التاريخية ضرورية وحسب لأجل خلق البوادر الاقتصادية والثقافية لانتصار الاشتراكية الكلي، بل هي ضرورة أيضاً لأجل تمكين البروليتاريا، أولاً، من تثقيف نفسها وتقوية ساعدها حتى تصبح قوة قادرة على قيادة البلاد، ولأجل تمكينها، ثانياً، من أعادة تثقيف وتحويل الفئات البرجوازية الصغيرة في اتجاه يضمن تنظيم الإنتاج الاشتراكي.
لقد قال ماركس للعمال:
"سيكون عليكم أن تجتازوا خمسة عشر عاماً، أو عشرين، أو خمسين عاماً من الحروب الأهلية والحروب بين الشعوب، لا لكي تغيروا فقط العلاقات القائمة، بل لكي تغيروا أنفسكم أنتم، ولكي تصبحوا أهلاً للسلطة السياسية". (كارل ماركس: كشف الستار عن محاكمة الشيوعيين في كولوني).
وقد تابع لينين فكرة ماركس وطوّرها إلى الأمام، فقال:
"سيكون من الضروري، في ظل دكتاتورية البروليتاريا، اعادة تثقيف الملايين من الفلاحين، وصغار أرباب العمل، ومئات الألوف من المستخدمين والموظفين والمثقفين البرجوازيين، وجعلهم جميعاً تابعين للدولة البروليتارية والقيادة البروليتارية، والتغلب على عاداتهم وتقاليدهم البرجوازية"، كما سيكون من الضروري، "... عن طريق نضال طويل المدى، على أساس دكتاتورية البروليتارية، اعادة تثقيف. . . البروليتاريين أنفسهم، الذين هم أيضاً، لا يتخلصون من أوهامهم البرجوازية الصغيرة فوراً، بمعجزة من المعجزات تحدث إشارة من مريم العذراء، أو بفعل شعار أو قرار أو مرسوم، بل يتخلصون منها فقط بنضال جماهيري طويل، شاق، ضد التأثيرات البرجوازية الصغيرة على الجماهير". (المرض الطفولي، المجلد 25 الصفحة 247 و 248).

ب ـ دكتاتورية البروليتارية، من حيث هي سيادة البروليتاريا على البرجوازية
يتبين مما قلناه آنفاً أن دكتاتورية البروليتاريا ليست مجرد تغيير أشخاص في داخل الحكومة، أي ليست مجرد تبديل "وزارة" الخ، يترك الحالة القديمة، الاقتصادية والسياسية، كما هي دون مساس. أن المنشفيك وانتهازيي جميع البلدان، الذين يخافون من الديكتاتورية كما يخافون من النار، والذين، بسبب تسلط الخوف عليهم، يبدلون مفهوم الديكتاتورية بمفهوم "الاستيلاء على الحكم"، يجعلون "الاستيلاء على الحكم" عادة مقصوراً على تغيير "الوزارة"، على وصول وزارة جديدة إلى الحكم، مؤلفة من أناس مثل شيدمان، ونوسكه، ومكدونالد، وهندرسون. ونكاد نكون في غير حاجة إلى أن نبين أن هذه التغيرات الوزارية وما يماثلها من التغيرات الأخرى لا تمت بأية صلة إلى دكتاتورية البروليتاريا، وإلى الاستيلاء على السلطة الحقيقية من قبل البروليتاريا الحقيقية. ففي حالة وجود مكدونالد وشيدمان وإضرابهما في الحكم، مع المحافظة على النظام البرجوازي القديم، لا يمكن أن تكون حكومتهم المزعومة سوى جهاز يخدم البرجوازية، وغطاء يخفي جراح الاستعمار، وأداة في يد البرجوازية ضد الحركة الثورية للجماهير المضطهدة المستثمرة. أن هذه الحكومات ضرورية للرأسمال، بوصفها ستاراً له، حين يكون من غير السهل عليه، وغير المفيد له، ومن العسير عليه أن يضطهد الجماهير ويستثمرها بدون هذا الستار. ولا ريب أن ظهور مثل هذه الحكومات علامة على أن كل شيء "هناك" (أي في معسكر الرأسماليين)، "في ممر شيبكا(15) "، ليس هادئاً. ولكن الحكومات التي هي من هذا النوع، رغم ذلك، حكومات للرأسمال متنكرة وراء قناع. فبين حكومة من نوع حكومة مكدونالد أو شيدمان، وبين استيلاء البروليتاريا على الحكم، مثل ما بين الأرض والسماء من البعد. أن دكتاتورية البروليتاريا ليست مجرد تغيير حكومة، بل هي دولة جديدة ذات هيئات جديدة مجرد تغيير حكومة، بل هي دولة جديدة ذات هيئات جديدة للسلطة في المركز وفي الأقاليم، هي دولة البروليتاريا التي قامت على أنقاض الدولة القديمة، أنقاض دولة البرجوازية.
ولا تقوم دكتاتورية البروليتارية على أساس النظام البرجوازي، بل خلال هدم هذا النظام بعد إسقاط البرجوازية، خلال نزع ملكية كبار الملاكين العقاريين وملكية الرأسماليين، خلال جعل أدوات ووسائل الإنتاج الرئيسية ملكية اجتماعية، خلال الثورة البروليتارية العنيفة. أن دكتاتورية البروليتاريا هي سلطة ثورية مستندة إلى استخدام العنف ضد البرجوازية.
إن الدولة هي آلة في يد الطبقة السائدة، لسحق مقاومة خصومها الطبقيين. ومن هذه الناحية، لا تختلف دكتاتورية البروليتاريا في شيء، من حيث الجوهر، عن دكتاتورية أية طبقة أخرى، لأن الدولة البروليتارية هي آلة لسحق البرجوازية. ولكن يوجد هنا فرق أساسي أن جميع الدول الطبقية التي وجدت حتى الآن كانت دكتاتورية الأقلية المستثمرة على الأكثرية المستثمَرة، في حين أن دكتاتورية البروليتاريا هي دكتاتورية الأكثرية المستثمَرة على الأقلية المستثمِرة.
وبالاختصار: "إن دكتاتورية البروليتاريا هي سيادة البروليتاريا على البرجوازية، سيادة لا يحدها قانون، وهي تستند إلى العنف، وتتمتع بعطف وتأييد الجماهير الكادحة والمستثمَرة". (لينين: الدولة والثورة).
ومن هنا نستخلص استنتاجين أساسيين:
الاستنتاج الأول: أن دكتاتورية البروليتاريا لا يمكن أن تكون الديمقراطية "الكاملة"، الديمقراطية للجميع، للأغنياء والفقراء، على حد سواء. أن دكتاتورية البروليتاريا "يجب أن تكون دولة ديمقراطية بطريقة جديدة (لأجل(16) البروليتاريين وغير المالكين بصورة عامة)، ودكتاتورية بطريقة جديدة ضد(17) البرجوازية...") (الدولة والثورة). أن كلام كاوتسكي ومن لف لفه، عن المساواة الشاملة، وعن الديمقراطية "الخالصة" والديمقراطية "التامة"، الخ، ليس سوى تمويه برجوازي لهذا الواقع الذي لا يمكن نكرانه، وهو أن المساواة بين المستثمَرين والمستثمِرين مستحيلة. فنظرية الديمقراطية "الخالصة" هي نظرية ارستقراطية العمال، الذين دجّنهم القراصنة الاستعماريون وسمنَّوهم. وقد جيء بهذه الأرستقراطية إلى الوجود لكي تغطي جراح الرأسمالية، وتجعل الاستعمار اقل قبحاً، وتعطيه قوة معنوية في نضاله ضد الجماهير المستثمَرة. ففي النظام الرأسمالي لا توجد ولا يمكن أن توجد "حريّات" حقيقية للمستثمَرين، لسبب واحد على الأقل، هو أن القاعات، والمطابع، ومستودعات الورق الخ، الضرورية لاستخدام هذه "الحريات" هي امتياز للمستثمرين. وفي النظام الرأسمالي، لا يوجد ولا يمكن أن يوجد اشتراك حقيقي للجماهير المستثمَرة في أدارة البلاد، لسبب واحد على الأقل، هو أن الحكومات في ظروف الرأسمالية، حتى في ظل أكثر الأنظمة ديمقراطية، لا يقيمها الشعب، بل يقيمها روتشلد، وستينيس، وروكفلر، ومورغان، وإضرابهم. إن الديمقراطية في النظام الرأسمالي هي ديمقراطية رأسمالية، هي ديمقراطية الأقلية المستثمرة، ديمقراطية قائمة على الحد من حقوق الأكثرية المستثمرة وموجهة ضد هذه الأكثرية فالحريات الحقيقية للمستثمَرين، واشتراك البروليتاريين والفلاحين اشتراكاً حقيقياً في إدارة البلاد، ليست ممكنة إلا في ظل ديكتاتورية البروليتاريا. إن الديمقراطية، في ظل دكتاتورية البروليتاريا، هي ديمقراطية بروليتارية، هي ديمقراطية الأكثرية المستثمَرة، ديمقراطية قائمة على الحد من حقوق الأقلية المستثمِرة، وموجهة ضد هذه الأقلية.
الاستنتاج الثاني: إن دكتاتورية البروليتاريا لا يمكن أن تكون نتيجة تطور المجتمع البرجوازي والديمقراطية البرجوازية تطوراً سلمياً، - فهي لا يمكن أن تكون إلا نتيجة هدم جهاز الدولة البرجوازي، والجيش البرجوازي، وجهاز الإدارة البرجوازي، والشرطة البرجوازية.
في مقدمة بيان الحزب الشيوعي يقول ماركس وانجلس: "لا يسع الطبقة العاملة أن تكتفي فقط بالاستيلاء على الآلة الحكومية القائمة وأن تسيرها وفق غايتها". وفي رسالة وجهها ماركس في سنة 1871، إلى كوغلمان، يقول انه لا ينبغي للثورة البروليتارية "... أن تنقل الجهاز البيروقراطي والعسكري من يد إلى أخرى، كما جرى حتى الآن، بل أن تحطمه ... هذا هو الشرط الأولي لكل ثورة شعبية حقاً في القارة".
وقد أعطت عبارة ماركس هذه، باقتصارها على القارة، حجة للانتهازيين والمنشفيك في جميع الأقطار لكي يصيحوا بأعلى صوتهم قائلين أن ماركس كان يسلم بإمكان تطور الديمقراطية البرجوازية تطوراً سلمياً إلى ديمقراطية بروليتارية، وذلك، على الأقل، في ما يتعلق ببعض أقطار من غير القارة الأوروبية (انكلترا، أميركا). وقد كان ماركس يسلم فعلا بمثل هذه الإمكانية، وكان لديه ما يبرر التسليم بها فيما يتعلق بانكلترا وأميركا في أعوام 1870 – 1880، حين لم يكن هناك، بعد رأسمالية احتكارية، حين لم يكن هناك استعمار، حين لم تكن قد تطورت، بعد، العسكرية والبيروقراطية في هذين البلدين، بسبب ظروف تطورهما الخاصة. تلك كانت الحال قبل ظهور الاستعمار المتطور. ولكن بعد ذلك – بعد انقضاء ثلاثين أو أربعين سنة – حين تبدل الوضع في هذين البلدين تبدلاً جذرياً، وحين تطور الاستعمار وشمل جميع الأقطار الرأسمالية بلا استثناء، وحين ظهرت أيضاً العسكرية والبيروقراطية في انكلترا وأميركا، وزالت الظروف الخاصة لتطور هذين البلدين تطوراً سليماً، كان لا مندوحة من أن يزول الاستثناء المتعلق بهذين البلدين من تلقاء ذاته. يقول لينين:
"اليوم، في سنة 1917، في زمن الحرب الاستعمارية الكبرى الأولى، لم يبق وارداً هذا الاستثناء الذي وضعه ماركس. فإن كلاً من انكلترا وأميركا، وهما أكبر وآخر من يمثل – في العالم أجمع – "الحرية" الانكلوسكسونية (من حيث عدم وجود العسكرية والبيروقراطية)، قد انزلقتا اليوم انزلاقاً كلياً إلى المستنقع الأوروبي القذر الدامي، مستنقع النظم العسكرية والبيروقراطية التي تُخضع لنفسها كل شيء، وتسحق بكلكلها جميع الأشياء. "فالشرط الأولي لكل ثورة شعبية حقاً" في كل من انكلترا وأميركا اليوم، هو هدم وتحطيم "جهاز الدولة" "الجاهز" (الذي بلغ في هذين البلدين، بين 1914 و 1917، درجة من الإتقان "أوروبية" استعمارية). (الدولة والثورة، المؤلفات، المجلد 21، الصفحة 395).
وبكلمة أخرى، أن قانون الثورة البروليتارية العنيفة، قانون تحطيم جهاز الدولة البرجوازي، كشرط أولي لهذه الثورة، هو القانون الحتمي للحركة الثورية في بلدان العالم الاستعمارية. ومن البديهي أنه، في المستقبل البعيد، إذا انتصرت البروليتاريا في البلدان الرأسمالية الرئيسية، وإذا تبدل التطويق الرأسمالي الحالي بالتطويق الاشتراكي، يصبح طريق التطور "السلمي" ممكناً تماماً في بعض البلدان الرأسمالية، إذ سيرى الرأسماليون، عند ذاك، أمام الوضع الدولي "غير الملائم" أنه من الأصوب أن يسلموا بملء اختيارهم". بتنازلات جدية للبروليتاريا. ولكن هذه الفرضية لا تتعلق إلا بمستقبل بعيد وممكن، أما فيما يتعلق بالمستقبل القريب المباشر، فليس لهذه الفرضية أساس على الإطلاق.
ولذلك فلينين على حق حين يقول:
"إن الثورة البروليتارية غير ممكنة بدون تحطيم جهاز الدولة البرجوازي بالعنف وأبداله بجهاز جديد". (الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي. المجلد 23، الصفحة 342).

ج – سلطة السوفيات، من حيث هي شكل دولة دكتاتورية البروليتاريا
إن انتصار دكتاتورية البروليتاريا معناه سحق البرجوازية، وهدم جهاز الدولة البرجوازي، وإبدال الديمقراطية البرجوازية بالديمقراطية البروليتارية. هذا شيء واضح. ولكن ما هي المنظمات التي يمكن بواسطتها انجاز هذا العمل الضخم؟ إن الأشكال القديمة لتنظيم البروليتاريا، تلك الأشكال التي تطورت على أساس البرلمانية البرجوازية، لا يمكن أن تكون كافية لهذا العمل. هذا أمر لا ريب فيه، فما هي إذن الأشكال الجديدة لتنظيم البروليتاريا، الأشكال التي لا تصلح لأن تقوم بدور حفّار قبر جهاز الدولة البرجوازي. الأشكال التي لا تصلح فقط لتحطيم هذا الجهاز وإبدال الديمقراطية البرجوازية بالديمقراطية البروليتارية، بل التي تصلح أيضاً لأن تصبح أساس سلطة الدولة البروليتارية؟
إن مجالس السوفيات هي هذا الشكل الجديد لتنظيم البروليتاريا.
فما هو مصدر قوة مجالس السوفيات بالمقارنة مع أشكال التنظيم القديمة؟
ذلك أن مجالس السوفيات هي أوسع المنظمات الجماهيرية للبروليتاريا، لأنها هي، وهي وحدها، تشمل جميع العمال بلا استثناء.
ذلك أن مجالس السوفيات هي المنظمات الجماهيرية الوحيدة التي تجمع جميع المضطهَدين والمستثمَرين، العمال والفلاحين، الجنود والبحارة، وفيها، لهذا السبب، تستطيع طليعة هذه الجماهير، أي البروليتاريا، أن تقوم بالقيادة السياسية لنضال الجماهير، على وجه أسهل، ومدى أوسع.
ذلك أن مجالس السوفيات هي أقوى أجهزة نضال الجماهير الثوري، وعمل الجماهير السياسي، وانتفاض الجماهير المسلح، هي أجهزة قادرة على تحطيم جبروت الرأسمال المالي وذيوله السياسية.
ذلك أن مجالس السوفيات هي المنظمات المباشرة للجماهير نفسها، أي أنها أكثر المنظمات ديمقراطية، وهي، بالتالي، أكثر المنظمات نفوذاً بين الجماهير، تسهل لهذه الجماهير الاشتراك، إلى الحد الأقصى، في تنظيم الدولة الجديدة وإدارتها، وتطلق، إلى الحد الأقصى، الطاقة الثورية والمبادرة والكفاءات الخلاّقة عند الجماهير المناضلة لتحطيم النظام القديم، المناضلة لإقامة النظام الجديد، البروليتاري.
إن سلطة السوفيات هي اتحاد مجالس السوفيات المحلية وتكوّنها في منظمة دولة، منظمة عامة واحدة، منظمة دولة للبروليتاريا التي هي طليعة الجماهير المضطهدة والمستثمَرة، والتي هي الطبقة السائدة – إنها اتحاد هذه المجالس في جمهورية السوفيات.
إن جوهر سلطة السوفيات كائن في أن أوسع المنظمات الجماهيرية وأكثرها ثورية - منظمات تلك الطبقات التي كانت، على الخصوص، مضطهدة من قبل الرأسماليين وكبار الملاكين العقاريين - تشكل الآن "الأساس الدائم الوحيد(18) لكل سلطة الدولة، لكل جهاز الدولة". وأن "هذه الجماهير نفسها التي كانت محرومة، بألف طريقة وألف حيلة، من الاشتراك في الحياة السياسية ومن التمتع بالحقوق والحريات الديمقراطية، حتى في أكثر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية"، رغم كونها متساوية حسب القانون، "مدعوة اليوم إلى الاشتراك في الإدارة الديمقراطية للدولة اشتراكاً(19) دائماً محققاً وحاسماً(20) أيضاً". (لينين: مباحث وتقرير عن الديمقراطية البرجوازية ودكتاتورية البروليتاريا – المؤتمر الأول للأممية الشيوعية، المؤلفات، المجلد 24).
هذا هو السبب في أن سلطة السوفيات هي شكل جديد لتنظيم الدولة، مختلف من حيث المبدأ، عن الشكل القديم الديمقراطي البرجوازي والبرلماني، هي نوع جديد من الدولة غير منطبق على أهداف استثمار الجماهير الشغيلة واضطهادها، بل على أهداف تحريرها التام من كل اضطهاد واستثمار، أهداف دكتاتورية البروليتاريا.
إن لينين على حق في قوله إن قيام سلطة السوفيات "قد سجل نهاية عصر البرلمانية الديمقراطية البرجوازية، وبداية فصل جديد في التاريخ العالمي: عصر الديكتاتورية البروليتارية".
فما هي الميزات الخاصة التي تتصف بها سلطة السوفيات؟
إن سلطة السوفيات، مادامت الطبقات موجودة، هي، بين جميع المنظمات الممكنة للدولة، أبرزها صفة جماهيرية، وأكثرها ديمقراطية؛ ذلك لأنه، نظراً إلى كون هذه السلطة ميداناً لتعاون وتحالف العمال والفلاحين المستثمَرين في نضالهم ضد المستثمِرين، وإلى كونها تستند في نشاطها إلى هذا التحالف والتعاون، فهي، بسبب ذلك، سلطة أكثرية الأهلين على الأقلية، ودولة هذه الأكثرية، والتعبير عن دكتاتوريتها.
إن سلطة السوفيات هي، بين جميع منظمات الدولة في المجتمع الطبقي، أكثرها أممية، لأنها، إذ تقضي على كل اضطهاد قومي، وإذ تستند على تعاون الجماهير الشغيلة من القوميات المختلفة، تسهل بذلك، جمع هذه الجماهير في كيان دولة واحدة.
إن سلطات السوفيات، بتركيبها نفسه، تجعل قيادة الجماهير المضطهدة والمستثمرة سهلة على طليعة هذه الجماهير، على البروليتاريا التي تمثل اصلب وأوعى نواة في مجالس السوفيات. يقول لينين:
"إن تجربة جميع الثورات وجميع حركات الطبقات المضطهدة، إن تجربة الحركة الاشتراكية العالمية تعلمنا أن البروليتاريا فقط في وسعها أن تجمع وتقود وراءها الفئات المبعثرة والمتأخرة من السكان الكادحين والمستثمرين". (المصدر نفسه). فتركيب سلطة السوفيات يسهل تطبيق دروس هذه التجربة.
إن سلطة السوفيات، يجمعها السلطتين التشريعية والتنفيذية في منظمة واحدة للدولة، وبإبدالها الدوائر الانتخابية القائمة على أساس الإقليم بوحدات على أساس الإنتاج – المعامل والمصانع – تصل العمال والجماهير الشغيلة، بصورة عامة ـ صلة مباشرة بجهاز الدولة الإداري وتعلمهم أن يحكموا البلاد.
إن سلطة السوفيات هي السلطة الوحيدة التي تستطيع أن تحرر الجيش من الخضوع للقيادة البرجوازية، وأن تحوّله من أداة لاضطهاد الشعب، كما هي حاله في ظل النظام البرجوازي، إلى أداة لتحرير الشعب من نير برجوازيته نفسها؛ ونير البرجوازية الأجنبية.
"فقط، التنظيم السوفياتي للدولة بوسعه فعلاً أن يحطّم فوراً ويهدم نهائياً الجهاز القديم، أي الجهاز البيروقراطي والحقوقي البرجوازي". (المصدر نفسه).
إن شكل الدولة السوفياتي وحده، بإشراكه منظمات الشغيلة المستثمَرين الجماهيرية في حكم الدولة أشراكاً دائماً ومطلقاً، يستطيع أن يمهد السبيل لتلاشي الدولة، الذي هو عنصر من العناصر الأساسية لمجتمع المستقبل الذي لا دولة فيه، المجتمع الشيوعي.
فجمهورية السوفيات هي إذن الشكل السياسي المنشود الذي وجد أخيراً والذي، في نطاقه، ينبغي أن يتحقق تحرير البروليتاريا الاقتصادي وانتصار الاشتراكية التام.
وقد كانت كومونة باريس جنين هذا الشكل، وسلطة السوفيات هي تطوير له وتكميل.
لذلك يقول لينين:
"إن جمهوريات مجالس سوفيات نواب العمال والجنود والفلاحين ليست شكلاً من أشكال النظم الديمقراطية أعلى طراز وحسب، بل هي الشكل الوحيد (21) القادر على تأمين الانتقال إلى الاشتراكية بأقل ما يكون من الألم". ("مباحث حول الجمعية التأسيسية"، المؤلفات، المجلد 22. الصفحة 131).


(15) عبارة روسية يعود عهدها إلى الحرب الروسية التركية عام 1877 – 1878. فقد مني الروس بخسائر كبيرة في المعارك التي جرت في ممر شيبكا، ولكن هيئة أركان حرب الجيوش القيصرية ما كانت تذيع عن ذلك في بلاغاتها سوى عبارة: "في ممر شيبكا، كل شيء هادئ". (ملاحظة من هيئة التعريب).
(16) إشارة التأكيد مني – ج. ستالين.
(17) إشارة التأكيد مني – ج. ستالين.
(18) إشارة التأكيد مني – ج. ستالين.
(19) إشارة التأكيد مني – ج. ستالين.
(20) إشارة التأكيد مني – ج. ستالين.
(21) إشارة التأكيد مني. ج. ستالين.


- 5 -
مسألة الفلاحين

سوف آخذ من هذا الموضوع، أربع مسائل:

أ) وضع المسألة
أ) الفلاحون في أثناء الثورة البرجوازية الديمقراطية
ج) الفلاحون في أثناء الثورة البروليتارية
د) الفلاحون بعد توطيد حكم السوفيات

أ – وضع المسألة
يعتقد البعض أن الشيء الأساسي في اللينينية هو مسألة الفلاحين، وأن نقطة الابتداء في اللينينية هي مسألة الفلاحين ودورهم وأهميتهم. وهذا خطأ محض. فالمسألة الأساسية في اللينينية، ونقطة الابتداء ليست مسألة الفلاحين، بل مسألة دكتاتورية البروليتاريا، وشروط الظفر بها، وشروط توطيدها. أما مسألة الفلاحين، من حيث هي مسألة حليف البروليتاريا في نضالها في سبيل الحكم، فأنها مسألة مشتقة.
بيد أن ذلك لا يزيل شيئاً مما لها من أهمية جدية، حيوية، لا يمكن نكرانها، بالنسبة للثورة البروليتارية. ومن المعلوم أن الدراسة الجدية لمسألة الفلاحين بدأت، بين الماركسيين الروس، على أعتاب الثورة الأولى (1905) تماماً، حين كانت مسألة خلع القيصرية وتحقيق سيادة البروليتاريا أمام الحزب، بكل اتساعها، وحين أصبحت قضية حليف البروليتاريا في الثورة البرجوازية الوشيكة، قضية الساعة. ومن المعلوم كذلك، أن مسألة الفلاحين في روسيا أصبحت قضية الساعة بصورة أقوى أيضاً، في وقت الثورة البروليتارية، حينما أدت مسألة دكتاتورية البروليتاريا، مسألة الظفر بها والمحافظة عليها، إلى وضع مسألة حلفاء البروليتاريا في الثورة البروليتارية الوشيكة. وهذا مفهوم: فكل من يسير إلى الحكم ويستعد له، عليه أن يهتم حتماً بمعرفة من هم حلفاؤه الحقيقيون.
بهذا المعنى، تكون مسألة الفلاحين جزءاً من المسألة العامة لدكتاتورية البروليتاريا، هي، بهذه الصفة، تمثل مسألة من المسائل الحيوية الكبرى في اللينينية.
إن موقف اللامبالاة، بل الموقف السلبي الصريح الذي تقفه أحزاب الأممية الثانية من مسألة الفلاحين، لا يمكن تفسيره بأنه ناشئ فقط عن ظروف التطور الخاصة في الغرب. بل هو يفسر، قبل كل شيء، بإن تلك الأحزاب لا تؤمن بدكتاتورية البروليتاريا، وأنها تخشى الثورة، ولا يخطر في بالها أن تقود البروليتاريا إلى الحكم. ومن يخشى الثورة، ولا يريد أن يقود البروليتاريين إلى الحكم، لا يمكن أن يهتم بمسألة حلفاء البروليتاريا في الثورة - فمسألة الحلفاء هي، في نظره، مسألة ليست بذات بال، ولا هي موضوعة على بساط البحث بشكل ملّح. وموقف التهكم الذي يقفه أبطال الأممية الثانية من مسألة الفلاحين يعتبر لديهم، دليلاً على تهذيب رفيع ، وعلامة من علائم الماركسية الحقة . أما في الحقيقة، فليس في هذا الموقف ذرة من الماركسية، لأن عدم المبالاة بمسألة هامة كمسألة الفلاحين، وذلك على أعتاب الثورة البروليتارية، هو الوجه الآخر لإنكار دكتاتورية البروليتاريا، وعلامة أكيدة لخيانة الماركسية خيانة مباشرة.
إن المسألة موضوعة كما يلي: هل الإمكانيات الثورية الكامنة لدى جماهير الفلاحين، بفعل ظروف وجودهم الخاصة، قد استنزفت أم لا، وإذا كانت لم تستنزف، فهل من أمل، هل من أساس للاستفادة من هذه الإمكانيات في سبيل الثورة البروليتارية، ولتحويل جماهير الفلاحين، أي تحويل أكثريتهم المستثمَرة، من احتياطي للبرجوازية كما كانوا في الثورات البرجوازية في الغرب، وكما لا يزالون في الوقت الحاضر، - إلى احتياطي، إلى حليف للبروليتاريا؟
إن اللينينية تجيب على هذا السؤال بالإيجاب، أي أنها تعترف بوجود كفاءات ثورية في صفوف أكثرية الفلاحين، وبإمكان الاستفادة من هذه الكفاءات لمصلحة دكتاتورية البروليتاريا. ويؤكد تاريخ الثورات الروسية الثلاث، تأكيداً تاماً، استنتاجات اللينينية في هذا الموضوع.
ومن هنا ذاك الاستنتاج العملي عن ضرورة تأييد جماهير الفلاحين الكادحين، في نضالهم ضد الاستعباد والاستثمار، في نضالهم من أجل تحررهم من الاضطهاد والبؤس. ولا يعني ذلك، طبعاً، أنه ينبغي على البروليتاريا أن تؤيد كل حركة فلاحين. فالمقصود هنا هو تأييد حركة الفلاحين ونضال الفلاحين اللذين يسهلان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حركة تحرير البروليتاريا، ويحملان الماء إلى طاحونة الثورة البروليتارية، بهذا الشكل أو بذاك، ويساهمان في جعل الفلاحين احتياطياً وحليفاً للطبقة العاملة.

ب – الفلاحون أثناء الثورة الديمقراطية البرجوازية
تشمل هذه المرحلة فترة الزمن الممتدة منذ الثورة الروسية الأولى (1905) إلى الثورة الثانية (شباط 1917)، بما في ذلك هذه الثورة الثانية نفسها. والميزة التي تتصف بها هذه المرحلة، هي أن الفلاحين يتحررون من نفوذ البرجوازية الليبرالية، وينفصلون عن الكاديت (22) ويتجهون نحو البروليتاريا، نحو الحزب البلشفي. فتاريخ هذه المرحلة هو تاريخ النضال بين الكاديت (البرجوازية الليبرالية) وبين البلاشفة (البروليتاريين) لأجل كسب الفلاحين. وقد قررت مرحلة الدوما مصير هذا النضال، لأن مرحلة مجالس الدوما الأربعة كانت، للفلاحين، درساً عملياً بيَّن لهم بجلاء كلي أنهم لن يستلموا، من أيدي الكاديت، لا الأرض ولا الحرية، وأن القيصر هو بكليته إلى جانب كبار ملاكي الأراضي، وأن الكاديت يؤيدون القيصر، وأن القوة الوحيدة التي يمكنهم الاعتماد عليها هي عمال المدن، هي البروليتاريا. ولم تكن الحرب الاستعمارية إلا مصداقاً لدروس مرحلة الدوما، فأنجزت فصل الفلاحين عن البرجوازية وأتمت عزل البرجوازية الليبرالية، لأن سنوات الحرب بينت كم كان أمل الحصول على السلم من القيصر وحلفائه البرجوازيين، أملاً فارغاً ووهمياً. ولولا الدروس العملية لمرحلة الدوما، لكانت سيادة البروليتاريا ضرباً من المستحيل.
هكذا جرى تحالف العمال والفلاحين في الثورة الديمقراطية البرجوازية، وهكذا تحققت سيادة (قيادة) البروليتاريا في النضال المشترك لخلع القيصرية، هذه السيادة التي أدت إلى ثورة شباط 1917.
إن الثورات البرجوازية في الغرب (انكلترا، فرنسا، ألمانيا، النمسا) سلكت/ كما هو معلوم، طريقاً آخر. فهناك، لم تكن السيادة، في الثورة، للبروليتاريا التي لم تكن تمثل ولم يكن من الممكن أن تمثل، نظراً لضعفها، قوة سياسية مستقلة – بل كانت السيادة لبرجوازية الليبرالية. هناك، لم يتم إنقاذ الفلاحين من النظام الإقطاعي على يد البروليتاريا التي كانت قليلة العدد وغير منظمة، بل تمّ على يد البرجوازية. هناك مشى الفلاحون ضد النظام القديم مع البرجوازية الليبرالية. هناك كان الفلاحون احتياطياً للبرجوازية. هناك، بالتالي، أدت الثورة إلى تقوية وزن البرجوازية السياسي تقوية عظيمة.
أما في روسيا، فعلى العكس من ذلك، أعطت الثورة البرجوازية نتائج معاكسة على خط مستقيم. فالثورة في روسيا لم تقو البرجوازية، بل أضعفتها من حيث هي قوة سياسية، ولم تزد قواها الاحتياطية السياسية، بل أفقدتها احتياطها الأساسي، أفقدتها الفلاحين. أن الثورة البرجوازية في روسيا لم تضع البرجوازية الليبرالية في الصف الأول، بل وضعت في الصف الأول البروليتاريا الثورية، وجمعت حولها جماهير الفلاحين الغفيرة.
وهذا من جملة ما يفسر كون الثورة البرجوازية في روسيا تحولت، خلال فترة من الزمن قصيرة نسبياً، إلى ثورة بروليتارية، وكانت سيادة البروليتاريا هي بذرة دكتاتورية البروليتاريا، كانت هي السلّم الذي سمح بالانتقال دكتاتورية البروليتاريا.
فكيف نفسر هذه الظاهرة الفريدة في الثورة الروسية، هذه الظاهرة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الثورات البرجوازية في الغرب؟ وإلى ماذا تعود هذه الظاهرة الفريدة؟
إن هذه الظاهرة الفريدة تُفسر بكون الثورة البرجوازية قد جرت، في روسيا، في وقت كانت ظروف النضال الطبقي فيها أكثر تطوراً مما كانت في الغرب، وكانت البروليتاريا الروسية قد وجدت، ذلك العهد، متسعاً من الوقت لكي تتكون في قوة سياسية مستقلة، بينما البرجوازية الليبرالية التي أرعبتها الروح الثورية لدى البروليتاريا كانت قد فقدت كل مظهر للروح الثورية (ولاسيما بعد دروس 1905) واتجهت إلى التحالف مع القيصر وكبار ملاكي الأراضي، ضد الثورة، ضد العمال والفلاحين.
ويجدر بنا أن نأخذ، بعين الاعتبار، الظروف التالية التي أدت إلى هذه الظاهرة الفريدة في الثورة البرجوازية الروسية، وهي:
أ) تمركز الصناعة الروسية، على أعتاب الثورة، تمركزاً لم يسبق له مثيل. فمن المعلوم، مثلاً، أن 54 بالمئة من جميع العمال في روسيا كانوا يشتغلون في مشروعات تشمل أكثر من 500 عامل، في حين أن بلداً متطوراً كالولايات المتحدة لم يكن فيه سوى 33 بالمئة من العمال الذين يشتغلون في مثل تلك المشروعات. وقد لا تكون ثمة حاجة إلى التدليل على أن هذا الأمر وحده، إلى جانب وجود حزب ثوري كالحزب البلشفي، كان يجعل من الطبقة العاملة في روسيا أعظم قوة في حياة البلاد السياسية.
ب) أشكال الاستثمار البغيضة في المعامل، التي كان يضاف إليها النظام البوليسي الفظيع الذي كان يطبقه زبانية القيصر، - فهذه الحالة كانت تجعل من كل إضراب جدي للعمال عملاً سياسياً عظيم الأهمية، وتقوي مراس الطبقة العاملة، وهي القوة الثورية إلى النهاية.
ج) الانحلال السياسي لدى البرجوازية الروسية، هذا الانحلال الذي أصبح، بعد ثورة 1905، خنوعاً للقيصرية، وموقفاً معادياً للثورة بكل صراحة. ولا يمكن تفسير هذا الموقف المعادي للثورة فقط بكون الروح الثورية لدى البروليتاريا الروسية قد رمت البرجوازية الروسية في أحضان القيصرية، بل يفسر ذلك أيضاً بما كانت عليه هذه البرجوازية من حالة التبعية المباشرة حيال الدولة التي كانت تعهد إليها بتقديم ما يلزم لتجهيز وتموين قواتها.
د) أبشع بقايا النظام الإقطاعي في الريف، وأشدها ظلماً، يضاف إليها تسلط ملاك الأرض الكبير، تسلطاً مطلقاً، وهي حالة نجم عنها إلقاء الفلاحين في أحضان الثورة.
ه) القيصرية التي كانت تضغط وتضيق على كل ما هو حي، والتي كانت، بحكمها الكيفي الاستبدادي، تزيد نير الرأسمالي وملاك الأرض الكبير، ثقلاً على ثقله، وهي حالة نجم عنها اندماج نضال العمال بنضال الفلاحين وجمعها في تيار ثوري واحد جارف.
و) الحرب الاستعمارية التي صهرت جميع تناقضات الحياة السياسية الروسية هذه، في أزمة ثورية عميقة، وأعطت الثورة قدرة هجومية لا تصدق.
فماذا بقي على الفلاحين أن يفعلوا في مثل هذه الأحوال؟ وأين يبحثون عن سند لهم ضد تسلط ملاك الأراضي الكبير، وضد استبداد القيصر، وضد الحرب المشؤومة التي جرّت عليهم الخراب؟ أعند البرجوازية الليبرالية؟ ولكن البرجوازية الليبرالية كانت عدوتهم، وقد أثبتت ذلك تجربة طويلة، هي تجربة مجالس الدوما الأربعة. أعند الاشتراكيين الثوريين؟ صحيح أن الاشتراكيين الثوريين هم أفضل من الكاديت، وبرنامج الاشتراكيين الثوريين يمكن أن يمشي فهو تقريباً برنامج فلاحي، ولكن ماذا يستطيع أن يعطيه الاشتراكيون الثوريون إذا كانوا ينوون الاستناد إلى الفلاحين وحدهم، وإذا كانوا ضعفاء في المدينة حيث يستمد الخصم قوته بصورة رئيسية؟ أين هي تلك القوة الجديدة التي لن تتراجع أمام أي شيء، لا في الريف ولا في المدينة، والتي ستسير بشجاعة في الصف الأمامي للنضال ضد القيصر وضد ملاك الأراضي الكبير، والتي ستساعد الفلاحين على التحرر من الاستعباد، وعلى أخذ الأرض، والخلاص من الظلم ومن الحرب؟ وهل كان لمثل هذه القوة وجود في روسيا؟ نعم، كان في روسيا مثل هذه القوة، وهي البروليتاريا الروسية التي كانت قد أظهرت، في عام 1905، قوتها وكفاءتها على النضال إلى النهاية، وشجاعتها، وروحها الثورية.
وعلى كل حال، لم تكن هناك قوة أخرى، ولم يكن ثمة مكان للبحث فيه عن قوة أخرى.
هذا هو السبب في أن الفلاحين، بعدما غادروا شاطئ الكاديت واقتربوا من شاطئ الاشتراكيين الثوريين، توصلوا من ذلك، في الوقت نفسه، إلى ضرورة الانصياع لقيادة زعيم للثورة شجاع مقدام مثل البروليتاريا الروسية.
تلك هي العوامل التي كونت الظاهرة الفريدة التي اتصفت بها الثورة البرجوازية الروسية.

ج – الفلاحون أثناء الثورة البروليتارية
إن هذه المرحلة تشمل الفترة الممتدة من ثورة شباط (1917) إلى ثورة أكتوبر (1917). وهي مرحلة قصيرة نسبياً، لا تتجاوز ثمانية أشهر. ولكن هذه الأشهر الثمانية يمكن، بكل تأكيد، أن تعادل، من حيث تكوين الجماهير السياسي وتثقيفها الثوري، عشرات السنين من التطور في نظام دستوري عادي، ذلك لأن هذه الأشهر الثمانية كانت أشهر ثورة. أن الميزة التي تتصف بها هذه المرحلة هي تعاظم تشرّب الفلاحين بروح الثورية، وخيبة أملهم بالاشتراكيين الثوريين، وتخلّي الفلاحين عن هؤلاء وحدوث انعطاف جديد عند الفلاحين نحو الالتفاف المباشر حول البروليتاريا، من حيث هي القوة الوحيدة الثورية إلى النهاية، والقادرة على إيصال البلاد إلى السلم. إن تاريخ هذه المرحلة هو تاريخ النضال بين الاشتراكيين الثوريين (الديمقراطية البرجوازية الصغيرة) وبين البلاشفة (الديمقراطية البروليتارية) في سبيل كسب الفلاحين، في سبيل الظفر بأكثرية الفلاحين. إن مرحلة الائتلاف، ومرحلة كيرنسكي، ورفض الاشتراكيين الثوريين والمنشفيك مصادرة أراضي كبار الملاكين العقاريين، ونضال الاشتراكيين الثوريين والمنشفيك في سبيل متابعة الحرب، وهجوم حزيران على الجبهة، وعقوبة الموت للجنود، عصيان كورنيلوف، كل ذلك قرر مصير هذا النضال.
وإذا كانت مسألة القضاء على القيصر وعلى الحكم كبار ملاكي الأراضي، هي المسألة الأساسية للثورة في المرحلة السابقة، فالآن، في مرحلة ما بعد ثورة شباط، حين زال القيصر، وحين كانت الحرب التي استطالت، تمعن في ضعضعة اقتصاد البلاد، بعدما أنزلت الخراب التام بالفلاحين، - الآن أصبحت تصفية الحرب هي المسألة الأساسية للثورة. وأنتقل مركز الثقل، بصورة ظاهرة، من المسائل ذات الطابع الداخلي البحت، نحو المسألة الأساسية، وهي مسألة الحرب. إنهاء الحرب ، الخلاص من الحرب ، تلك كانت الصيحة العامة المنطلقة من البلاد المرهقة، وصيحة الفلاحين قبل غيرهم.
ولكن، لأجل التخلص من الحرب، كان من الضروري خلع الحكومة المؤقتة، كان من الضروري القضاء على حكم البرجوازية، القضاء، على حكم الاشتراكيين الثوريين والمنشفيك، لأنهم هم وحدهم كانوا ينوون أن يطيلوا أمد الحرب، حتى النصر النهائي . فللخروج من الحرب، لم يكن هناك، عملياً، سوى وسيلة واحدة هي: القضاء على البرجوازية.
فكانت ثورة جديدة، ثورة بروليتارية، لأنها أطاحت عن كراسي الحكم، بآخر كتلة من البرجوازية الاستعمارية، هي كتلة اليسار الأقصى، أي حزب الاشتراكيين الثوريين وحزب المنشفيك، لكي تخلق حكماً جديداً، حكماً بروليتارياً، هو حكم السوفيات، ولكي تحمل إلى الحكم حزب البروليتاريا الثورية، الحزب البلشفي، حزب النضال الثوري ضد الحرب الاستعمارية، وفي سبيل سلم ديمقراطي. وقد أيدت أكثرية الفلاحين نضال العمال في سبيل السلم، وفي سبيل حكم السوفيات.
لم يكن أمام الفلاحين مخرج آخر. ولم يكن من الممكن أن يكون هناك مخرج آخر.
وهكذا كانت مرحلة كيرنسكي درساً عظيماً للجماهير الكادحة من الفلاحين، لأنها بينت، بوضوح، أن الاشتراكيين الثوريين والمنشفيك ما داموا في الحكم فلن تتخلص البلاد من الحرب، ولن ينال الفلاحون لا أرضاً ولا حرية، وأن المنشفيك والاشتراكيين الثوريين لا يختلفون عن الكاديت إلا بخطبهم المعسولة ووعودهم الخداعة، وأنهم كانوا، في الواقع، يتابعون ذات السياسة الاستعمارية، أي نفس سياسة الكاديت، وأن الحكم الوحيد القادر على انتشال البلاد من المأزق الذي كانت تتخبط فيه، لا يمكن أن يكون سوى حكم السوفيات. ولم تكن الحرب التي استطالت لتؤدي إلا إلى توكيد صحة هذا الدرس، ولهذا كانت كالمهماز يستحث الثورة، وكانت تدفع الجماهير الغفيرة من الفلاحين والجنود، إلى الاحتشاد مباشرة حول الثورة البروليتارية. وهكذا أصبح انعزال الاشتراكيين الثوريين والمنشفيك أمراً لا جدال فيه. ولولا الدروس العملية لمرحلة الائتلاف، لكانت دكتاتورية البروليتاريا ضرباً من المستحيل.
تلك هي العوامل التي سهلت عملية تحول الثورة البرجوازية إلى ثورة بروليتارية.
هكذا تمت دكتاتورية البروليتاريا في روسيا.

د – الفلاحون بعد توطيد حكم السوفيات
إذا كان الأمر الرئيسي، من قبل، أي في المرحلة الأولى من الثورة، هو القضاء على القيصرية، وبعد ذلك، أي بعد ثورة شباط، الخروج، قبل كل شيء، من الحرب الاستعمارية، بخلع البرجوازية، - فالآن، بعد تصفية الحرب الأهلية، وبعد توطيد حكم السوفيات، انتقلت مشاكل البناء الاقتصادي إلى المكان الأول تقوية الصناعة المؤممة وتطويرها، ومن أجل ذلك، ربط الصناعة بالاقتصاد الفلاحي بواسطة التجارة المنظمة من قبل الدولة؛ الاستعاضة عن اخذ الفائض من الغلال الغذائية بالضريبة العينية، للوصول، فيما بعد، عن طريق التخفيض التدريجي لهذه الضريبة، إلى مبادلة السلع المصنوعة بمنتجات الاقتصاد الفلاحي؛ تنشيط التجارة وتطوير التعاون(23) بحمل ملايين الفلاحين على الاشتراك فيه: تلك هي مهمات البناء الاقتصادي المباشر، التي رسمها لينين لبناء أسس الاقتصاد الاشتراكي.
يقال أن هذه المهمة يمكن أن تبدو فوق طاقة بلد فلاحي كروسيا. ويذهب بعض المشككين إلى حد القول بأنها مهمة خيالية تماماً، وغير قابلة التحقيق، فالفلاحون هم الفلاحون، - وهم مؤلفون من منتجين صغار، ولهذا السبب، لا يستطاع استخدامهم لتنظيم أسس الإنتاج الاشتراكي.
ولكن المشككين مخطئون، لأنهم لا يأخذون بعين الاعتبار بعض العوامل ذات الأهمية الفاصلة، في هذا الصدد. ولنلق نظرة لنرى ما هي الرئيسية من هذه العوامل:
أولاً، ينبغي أن لا يكون هناك التباس بين فلاحي الاتحاد السوفياتي وفلاحي الغرب. فالفلاحون الذين تعلموا في مدرسة ثورات ثلاث، وناضلوا إلى جانب البروليتاريا وتحت قيادة البروليتاريا ضد القيصرية وضد حكم البرجوازية والفلاحون الذين تسلموا الأرض والسلم من يدي الثورة البروليتارية وأصبحوا بذلك، احتياطياً للبروليتاريا، هؤلاء الفلاحون يختلفون حتماً عن أؤلئك الذين ناضلوا أبان الثورة البرجوازية، تحت قيادة البرجوازية الليبرالية، وتسلموا الأرض من يدي هذه البرجوازية وأصبحوا، من جراء ذلك، احتياطياً للبرجوازية. فلا حاجة إذن إلى البرهان على أن الفلاحين السوفياتيين الذين تعودوا أن يقدروا الصداقة السياسية والتعاون السياسي مع البروليتاريا، وهم مدينون بحريتهم إلى هذه الصداقة وهذا التعاون، لا يمكن إلا أن يقدموا تربة ملائمة، لا مثيل لها للتعاون الاقتصادي مع البروليتاريا.
كان أنجلس يقول أن استيلاء الحزب الاشتراكي على السلطة السياسية، بات مسألة مستقبل قريب . وأنه من أجل الاستيلاء عليها، يجب أن يبدأ الحزب بالذهاب من المدينة إلى القرية،
وأن يصبح قوة في الأرياف (انجلس: من كتابه قضية الفلاحين ). لقد كتب أنجلس هذه الأسطر، في أواخر القرن الماضي، عند كلامه عن فلاحي الغرب. فهل من الضروري أن نبرهن على أن الشيوعيين الروس الذين قاموا، خلال ثلاث ثورات، بعمل عظيم في هذا الباب، قد نجحوا في إحراز نفوذ وتأييد في الأرياف، لا يجرؤ رفاقنا في الغرب حتى على التفكير بهما؟ وكيف يمكن أن ينكر احد أن هذا العامل لا يمكن إلا أن يسهل تسهيلاً أساسياً تنظيم التعاون الاقتصادي بين الطبقة العاملة والفلاحين في روسيا؟
إن المشككين، في كلامهم عن الفلاحين الصغار، لا يفتأون يعيدون ويرددون أن هؤلاء يمثلون عاملاً لا يأتلف مع عملية البناء الاشتراكي. ولكن إليكم ما يقوله أنجلس عن الفلاحين الصغار في الغرب:
نحن، بلا تردد، إلى جانب الفلاح الصغير. وسنعمل كل ما بوسعنا لنجعل الحياة أخف عبئاً عليه، ولنسهل له الانتقال إلى الجمعية التعاونية، إذا هو قرر ذلك. ولكن إذا لم يكن بعد في حالة تمكنه من اتخاذ مثل هذا القرار، فسوف نبذل جهدنا لكي نترك له أقصى ما يمكن من الوقت، لكي يفكر ملياً بالأمر وهو على قطعة أرضه. وسنتصرف هذا التصرف ليس فقط لأننا نعتبر أن من الممكن انتقال الفلاح الصغير، العامل لحساب نفسه، إلى جانبنا، بل لأن في ذلك أيضاً مصلحة الحزب المباشرة. فكلما كان كبيراً عدد الفلاحين الذين لا ندعهم ينزلون إلى مستوى البروليتاريين، والذين نكسبهم إلى جانبنا وهم لا يزالون فلاحين، كان التحول الاجتماعي أسرع وأسهل. وللقيام بهذا التحول، ليس من حاجة بنا إلى انتظار الوقت الذي يكون فيه الإنتاج الرأسمالي قد تطور في كل مكان إلى أقصى نتائجه، وحين يكون آخر حرفي صغير وآخر فلاح صغير قد سقطا ضحيتين للإنتاج الرأسمالي الكبير. أن التضحيات المادية التي ستقضي الأحوال ببذلها من الأموال العامة في سبيل مصلحة الفلاحين قد تبدو، من وجهة نظر الاقتصاد الرأسمالي، كتبذير للمال، مع أن ذلك من أفضل وجوه استخدام الرأسمال. لأن ذلك سيوفر مبالغ قد تكون أعلى بعسرة أضعاف، لأجل النفقات الضرورية لتحويل المجتمع بمجموعة. فيمكننا إذن، من هذه الناحية، أن نكون أسخياء جداً مع الفلاحين (نفس المصدر السابق).
هذا ما كان يقوله أنجلس في كلامه عن الفلاحين في الغرب. ولكن أليس من الواضح أن ما قاله أنجلس لا يمكن تحقيقه في أي مكان، بصورة أسهل وأكمل في بلاد دكتاتورية البروليتاريا؟ أليس من الواضح أنه، في روسيا السوفياتية فقط، يمكن أن يتحقق، منذ الآن، وبصورة تامة كاملة، انتقال الفلاح الصغير العامل لحساب نقسه، إلى جانبنا ، وأن تتحقق كذلك التضحيات المادية التي لا بد منها، وأن يتحقق السخاء مع الفلاحين الضروري لهذه الغاية؛ أليس من الواضح أن هذه التدابير وغيرها من التدابير الأخرى المماثلة لصالح الفلاحين، هي الآن مطبقة في روسيا؟ فكيف يمكن أن ينكر أحد أن هذه الحالة يجب أن تسهل، بدورها، بناء اقتصاد بلاد السوفيات، وأن تدفع هذا البناء إلى أمام؟
ثانيا: لا ينبغي وقوع الالتباس بين اقتصاد روسيا الزراعي وبين الاقتصاد الزراعي في الغرب. فهو هناك يتطور متبعاً طريق الرأسمالية العادي، حيث يحدث التباين العميق بين الفلاحين، فنشاهد الأملاك الكبيرة والمزارع الرأسمالية الخاصة في قطب، والفاقة والبؤس والعبودية بالأجرة في القطب الآخر. أن التفكك والانحلال هما، في النتيجة، من الظاهرات الطبيعية جداً هناك. وليس الأمر كذلك في روسيا. فتطور الاقتصاد الزراعي، عندنا، لا يمكن أن يتبع هذا الطريق، لا لسبب إلا لأن وجود حكم السوفيات وتأميم أدوات الإنتاج ووسائله الرئيسية، لا يسمحان بهذا التطور. ففي روسيا، ينبغي أن يتبع تطور الاقتصاد الزراعي طريقاً آخر، هو طريق التعاون الذي يشمل ملايين الفلاحين الصغار والمتوسطين، طريق تطور التعاون الجماهيري في الأرياف، الذي تدعمه الدولة بمنحه تسهيلات في الاعتمادات والقروض. أن لينين أشار، بحق، في المقالات التي كتبها عن التعاون، إلى أن تطور الاقتصاد الزراعي عندنا يجب أن يتبع طريقاً جديداً، هو طريق الذي يسمح باجتذاب أكثرية الفلاحين، بواسطة التعاون، إلى أعمال البناء الاشتراكي، طريق تغلغل المبادئ الجماعية تدريجياً في الاقتصاد الزراعي، وذلك في ميدان التصريف في بداية الأمر، ثم في ميدان إنتاج المنتجات الزراعية.
ومن هذه الناحية، يسمح لنا تأثير التعاون الزراعي بأن نسجل، في الأرياف، أموراً جديدة ذات أهمية عظيمة جداً. فمن المعلوم أنه قد تشكلت، في داخل اتحاد التعاونيات الزراعية، منظمات جديدة كبرى في كل فرع من فروع الزراعة: الكتان، البطاطا، الزيت، الخ... وهي منظمات ذات مستقبل عظيم. فأن تعاونية الكتان المركزية تشمل، مثلاً، شبكة كاملة من جمعيات الفلاحين منتجي الكتان. وهي تجهز الفلاحين بالبذار وبأدوات الإنتاج، ثم تشتري منهم كل إنتاجهم من الكتان، وتصرفه بالجملة في السوق، وتؤمن للفلاحين الاشتراك بالأرباح، وهكذا تربط بين الاقتصاد الفلاحي وبين صناعة الدولة، بواسطة اتحاد التعاونيات الزراعية. فكيف ندعو هذا الشكل من تنظيم الإنتاج؟ في رأيي أن هذا هو نظام العمل المنزلي للإنتاج الاشتراكي الكبير التابع للدولة، في ميدان الزراعة. وأنني أتكلم هنا عن نظام العمل المنزلي في الإنتاج الاشتراكي الكبير، التابع للدولة، من قبيل التشبيه بنظام العمل المنزلي، تحت ظل الرأسمالية، في النسيج مثلاً، حيث نرى أن الحرفيين الذين يتلقون المواد الأولية والأدوات من الرأسمالي ويسلمونه كل إنتاجهم كانوا، في الواقع، عمالاً نصف اجراء، يشتغلون في منازلهم. إن هذه هي أحدى العلائم الكثيرة التي تدل على الطريق الذي يجب أن يتبعه، عندنا، تطور الاقتصاد الزراعي. هذا، دون الكلام عن العلائم الأخرى، من النوع ذاته، في الفروع الأخرى من الزراعة.
ونكاد لا نحتاج إلى التدليل على أن أكثرية الفلاحين العظمى ستسير، بملء اختيارها، في هذا الطريق الجديد للتطور، نابذة طريق المزارع الرأسمالية الخاصة، وطريق العبودية بالأجرة، طريق البؤس والخراب واليكم ما يقوله لينين عن طريق تطور اقتصادنا الزراعي:
سلطة الدولة على جميع وسائل الإنتاج، الرئيسية، وسلطة الدولة في أيدي البروليتاريا، وتحالف هذه البروليتاريا مع الملايين والملايين من صغار الفلاحين ومع الفلاحين الصغار جداً، وتأمين قيادة الفلاحين من قبل البروليتاريا، الخ أليس ذلك كل ما ينبغي لكي نستطيع، بواسطة التعاون، وبواسطة التعاون وحده، الذي كنا ندعوه سابقاً شيئاً تجاريا،ً والذي لا يزال يحق لنا، من بعض الوجوه، أن ندعوه كذلك اليوم أيضاً، في عهد الـ نيب(24) ، - أليس ذلك كل ما هو ضروري لبناء المجتمع الاشتراكي الكامل؟ أن ذلك ليس بعد هو بناء المجتمع الاشتراكي، ولكنه كل ما هو ضروري وكاف لبنائه . ( حول التعاون ، المؤلفات الكاملة، المجلد السادس والعشرون، الصفحة 392. الطبعة الروسية).
ويتابع لينين، بعد ذلك، كلامه عن ضرورة تقديم مساعدة، مالية وغير مالية، إلى التعاون الذي هو مبدأ جديد لتنظيم السكان و نظام اجتماعي جديد في ظل دكتاتورية البروليتاريا، فيقول:
لا يظهر أي نظام اجتماعي للوجود إلا بتأييد مالي من طبقة معينة. ولا حاجة على التذكير بما كلفته ولادة الرأسمالية الحرة من مئات ومئات الملايين من الروبلات. فينبغي لنا اليوم أن نفهم ونضع موضع التطبيق هذه الحقيقة، وهي أن النظام الاجتماعي الذي يجب علينا أن ندعمه في الوقت الحاضر، أكثر من المعتاد، هو النظام التعاوني، ولكن يجب أن ندعمه بمعنى الكلمة الحقيقي، وذلك يعني أنه لا يكفي أن نفهم هذا التأييد، كتأييد لكل منهج تعاوني، بل يجب أن نفهم هذا التأييد على انه تأييد لمنهج تعاوني تشترك فيه اشتراكاً حقيقياً جماهير السكان الحقيقية . (المصدر نفسه، الصفحة 393).
فعلى ماذا تدل كل هذه الوقائع؟
انها تدل على أن المشككين مخطئون.
وأن اللينينية على حق في اعتبارها جماهير الفلاحين الشغيلة كاحتياطي للبروليتاريا.
وأن البروليتاريا في الحكم يمكنها ويجب عليها الاستفادة من هذا الاحتياطي لكي تلحم الصناعة بالزراعة، ولكي تدفع عمل البناء الاشتراكي دفعة قوية إلى الأمام، وتضمن لدكتاتورية البروليتاريا الأساس الذي لا غنى عنه، والذي بدونه يستحيل الانتقال إلى الاقتصاد الاشتراكي.

(22) الكاديت : اختصار لكلمة دستوري ديمقراطي بالروسية، وهو حزب البرجوازية الليبرالية (أي الحرة ) الملكية. الذي كان يسمى نفسه أيضاً، حزب حرية الشعب . وقد أسس حزب الكاديت في تشرين الأول 1905 - هيئة التعريب.
(23) تعاون Coopération.
(24) نيب NEP، كلمة مؤلفة من الحروف الأولى، باللغة الروسية، للكلمات التي تؤلف العبارة التالية: السياسة الاقتصادية الجديدة - هيئة التعريب.


المسألة الوطنية

سآخذ من هذا الموضوع مسألتين رئيسيتين.

أ) وضع المسألة
ب) الحركة التحررية للشعوب المضطهدة والثورة البروليتارية.

أ – وضع المسألة
منيت المسألة الوطنية، في غضون السنوات العشرين الأخيرة، بسلسلة من التغيرات البالغة الأهمية. فالمسألة الوطنية في عهد الأممية الثانية، والمسألة الوطنية في عهد اللينينية ليستا أبداً الشيء نفسه، ليستا أبداً شيئاً واحداً، بل هما تختلفان أحداهما عن الأخرى اختلافاً عميقاً، لا من حيث مداهما وحسب، بل من حيث طبيعتها الداخلية أيضاً.
كانت المسألة الوطنية قديماً محصورة، عادة، في دائرة ضيقة من القضايا المتعلقة، في الدرجة الأولى، بالقوميات "المتمدنة".
الأرلنديون والمجريون والبولونيون والفلنديون والصرب وبعض قوميات أوروبا الأخرى: تلك هي الفئة من الشعوب غير المتمتعة بكامل حقوقها، التي كان أبطال الأممية الثانية يهتمون بمصيرها. أما عشرات ومئات الملايين من أبناء الشعوب الأسيوية والأفريقية الذين كانوا يعانون الاضطهاد الوطني بأفظع أشكاله وأشدها شراسة، فكانوا يظلون عادة خارج دائرة النظر. فلم يكن بالمستطاع الأقدام على وضع البيض والسود "المتمدنين" و "غير المتمدنين" على صعيد واحد. قراران أو ثلاثة قرارات فارغة، حامضة حلوة، مسألة تحرير المستعمرات فيها مطموسة بمنتهى العناية، ذلك كل ما كان في استطاعة رجال الأممية الثانية أن يتبجحوا به، أما اليوم، فيجب أن نعتبر هذا الازدواج وهذا الغموض في المسألة الوطنية، قد قضي عليهما ولم يبق لهما أثر. فقد كشفت اللينينية القناع عن هذا التفاوت الصارخ وهدمت الجدار الذي كان قائماً بين البيض والسود، بين الأوروبيين والأسيويين، بيم أرقاء الاستعمار "المتمدنين" وبين أرقائه "غير المتمدنين"، وبهذه الصورة، ربطت المسألة الوطنية بمسألة المستعمرات. وهكذا، تحولت المسألة الوطنية من مسألة خاصة، مسألة داخلية في الدولة، إلى مسألة عامة ودولية، إلى مسألة عالمية هي مسألة تحرير الشعوب المضطهدة في البلدان التابعة وفي المستعمرات، من نير الاستعمار.
قديماً كان مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها يُفسر، عادة تفسيراً خاطئاً، وكثيراً ما كان يقتصر على حق الأمم في الحكم الذاتي(25) . بل لقد بلغ الأمر ببعض زعماء الأممية الثانية أن يجعلوا حق تقرير المصير مقتصراً على الحق في الحكم الذاتي الثقافي، أي على حق الأمم المضطهدة بأن تكون لها مؤسساتها الثقافية، مع أبقاء السلطة المطلقة بأيدي الأمة المسيطرة. ونتيجة لذلك أصبحت فكرة حرية تقرير المصير معرضة لخطر التحول من سلاح للنضال ضد الإلتحاق(26) إلى أداة لتبرير الإلحاق. أما الآن فيجب أن نعتبر أن هذا الالتباس قد تبدد. فإن اللينينية قد وسعت مفهوم حرية تقرير المصير بأن فسرتها على أنها حق الشعوب المضطهدة في الأقطار التابعة والمستعمرات في الانفصال التام، وفي أن تعيش كدول مستقلة. وبهذا، لم يبق مجال لتبرير الإلحاق، بتفسير حق تقرير المصير على انه حق الشعوب في الحكم الذاتي. أما مبدأ حرية تقرير المصير نفسه، فقد تحول، على هذه الصورة، من أداة لخداع الجماهير، كما كان، بلا مراء، في أيدي الاشتراكيين الشوفينيين(27) خلال الحرب الاستعمارية، إلى أداة لكشف القناع عن المطامع الاستعمارية والمناورات الشوفينية من كل لون ونوع، وأداة لتثقيف الجماهير السياسي بروح الأممية.
قديماً، كان ينظر عادة إلى مسألة الأمم المضطهدة، على أنها مسألة حقوقية محضة. فاعلان "المساوات القومية" بصورة طنانة، ونثر التصريحات، بلا حساب، عن "تساوي الأمم"، ذلك ما كانت تتلى به أحزاب الأممية الثانية التي كانت تطمس الواقع التالي، وهو أن الكلام عن تساوي الأمم" في ظل الاستعمار، حيث يعيش فريق من الأمم (هو الأقلية) على حساب الفريق الآخر من الأمم التي يستثمرها، معناه الهزء بالشعوب المضطهدة. أما الآن، فيجب أن نعتبر أن هذه النظرة الحقوقية البرجوازية إلى المسألة الوطنية، قد فضحت. فإن اللينينية أنزلت المسألة الوطنية من علياء التصريحات الطنانة التي كانت تموج في أجوائها وأعادتها إلى الأرض، إذ بينت أن التصريحات عن "تساوي الأمم"، إذا لم يدعمها تأييد الأحزاب البروليتارية تأييداً مباشراً لنضال الشعوب المضطهدة التحرري، ليست سوى تصريحات فارغة ومزيفة. وهكذا أصبحت مسألة الأمم المضطهدة، هي مسألة التأييد، مسألة العون الفعلي المستمر الواجب تقديمه للأمم المضطهدة في نضالها ضد الاستعمار، من أجل تساوي الأمم الفعلي، ومن أجل وجودها كدول مستقلة.
قديماً كان ينظر إلى المسألة الوطنية نظرة إصلاحية، كان ينظر إليها كمسألة مستقلة عما سواها، وقائمة بذاتها، دون أن تربط بالمسألة العامة، مسألة سلطة الرأسمال، والقضاء على الاستعمار، مسألة الثورة البروليتارية. فكان من المفروض ضمناً أن انتصار البروليتاريا في أوروبا ممكن بلا تحالف مباشر مع الحركة التحررية في المستعمرات، وأن حل المسألة الوطنية ومسألة المستعمرات يمكن أن يتم على مهل وبصورة "عفوية" وفي معزل عن الطريق الكبرى، طريق الثورة البروليتارية، وبدون نضال ثوري ضد الاستعمار. أما الآن فيجب أن نعتبر أن هذه النظرة غير الثورية أصبحت مفضوحة. فقد برهنت اللينينية وأثبتت الحرب الاستعمارية والثورة في روسيا أن المسألة الوطنية لا يمكن أن تحل إلا في نطاق الثورة البروليتارية وفي ميدانها، وأن الطريق إلى انتصار الثورة في الغرب يمر عبر التحالف الثوري مع الحركة التحررية في المستعمرات والبلدان التابعة، ضد الاستعمار. أن المسألة الوطنية هي جزء من المسألة العامة للثورة البروليتارية، إنها جزء من مسألة دكتاتورية البروليتاريا.
فالمسألة موضوعة كما يلي: هل الإمكانيات الثورية الموجودة في قلب الحركة التحررية الثورية في البلدان المضطهدة، قد استنزفت أم لا؟ وإذا كانت لم تستنزف، فهل من أمل، هل من أساس للاستفادة من هذه الإمكانيات في سبيل الثورة البروليتارية، ولتحويل البلدان التابعة والمستعمرة، من احتياطي للبرجوازية الاستعمارية، إلى احتياطي للبروليتاريا الثورية، وجعل هذه البلدان حليفة للبروليتاريا الثورية؟
إن اللينينية تجيب على هذا السؤال بالإيجاب، أي أنها تعترف بوجود كفاءات ثورية في حركة التحرر الوطني للبلدان المضطهدة، وترى أن في الإمكان الاستفادة من هذه الكفاءات في سبيل القضاء على العدو المشترك، في سبيل القضاء على الاستعمار. ويؤكد سير تطور الاستعمار، وتؤكد الحرب الاستعمارية والثورة في روسيا، تأكيداً تاماً، استنتاجات اللينينية في هذا الموضوع.
من هنا تترتب على البروليتاريا في الأمم "المسيطرة" ضرورة بذل تأييدها الفعلي الحازم، لحركة التحرر الوطني للشعوب المضطهدة والتابعة.
غير أن ذلك لا يعني، بالطبع، أن على البروليتاريا تأييد كل حركة وطنية، دائماً، في كل مكان، وفي جميع الحالات المعينة الملموسة. إنما المقصود هو تأييد تلك الحركات الوطنية المتجهة إلى أضعاف الاستعمار، إلى القضاء عليه، لا إلى تقوية دعائمه وإلى المحافظة عليه. فقد تحدث حالات تدخل فيها الحركات الوطنية في بعض البلدان المضطهدة في نزاع مع مصالح تطور الحركة البروليتارية. ومن المسلم به، في مثل هذه الحالات، أن لا مجال للكلام عن أي تأييد من جانب البروليتاريا. فإن مسألة حقوق الأمم ليست مسألة منعزلة وتكفي نفسها بنفسها وقائمة بذاتها، بل هي جزء من المسألة العامة للثورة البروليتارية، جزء خاضع للمجموع، ويقتضي بحثه من وجهة نظر المجموع. لقد كان ماركس في أعوام 1840 – 1850، مع حركة البولونيين والمجريين الوطنية للتشيكيين والسلاف الجنوبيين، ولماذا؟ لأن التشيكيين والسلاف الجنوبيين كانوا، في تلك الأيام، "شعوباً رجعية"، لأنهم كانوا "مراكز أمامية روسية" في أوروبا، مراكز أمامية للحكم المطلق، في حين كان البولونيون والمجريون "شعوباً ثورية" تناضل ضد الحكم المطلق، ولأن تأييد حركة التشيكيين والسلاف الجنوبيين الوطنية كان يعني، يومئذ، تأييداً غير مباشر للقيصرية التي كانت أخطر عدو للحركة الثورية في أوروبا.
يقول لينين:
"أن مطالب الديمقراطية المختلفة، بما فيها حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها، ليست شيئاً مطلقاً، بل هي جزء من مجموع الحركة الديمقراطية (اليوم: الحركة الاشتراكية) العالمية. ومن الممكن، في بعض الحالات المعينة الملموسة، أن يناقض الجزء الكل، وفي هذه الحال يجب نبذ الجزء". (لينين، المؤلفات الكاملة: "خلاصة المناقشة حول حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها" المجلد التاسع عشر، صفحة 257 – 258، الطبعة الروسية).
تلك هي الوضعية فيما يتعلق بالحركات الوطنية المختلفة، فيما يتعلق بالصفة الرجعية الممكن أن تتصف بها هذه الحركات، هذا، طبعاً، إذا نظرنا إليها ليس من الناحية الشكلية، من ناحية الحقوق المجردة، بل إذا نظرنا إليها بصورة ملموسة، من وجهة نظر مصالح الحركة الثورية.
والشيء نفسه ينبغي أن يقال عن الصفة الثورية للحركات الوطنية بوجه عام. فالصفة الثورية، التي لا جدال فيها، للأكثرية العظمى من الحركات الوطنية، هي نسبية وخاصة الشكل، مثلها مثل الصفة الرجعية المحتملة في بعض الحركات الوطنية الأخرى.
إن الصفة الثورية للحركات الوطنية، في ظروف الاضطهاد الاستعماري، لا تستلزم بالضرورة وجود عناصر بروليتارية في الحركة، لا تستلزم أن يكون للحركة برنامج ثوري أو جمهوري، لا تستلزم أن يكون لها أساس ديمقراطي. فنضال الأمير الأفغاني في سبيل استقلال أفغانستان هو، من الناحية الموضوعية نضال ثوري، رغم الطابع الملكي لمفاهيم الأمير وأنصاره، لأن هذا النضال يضعف الاستعمار ويفكك أركانه ويقوضها. في حين أن نضال الديمقراطيين "الأشاوس" و "الاشتراكيين" و "الثوريين" والجمهوريين أمثال كيرنسكي وتسيريتللي، رينوديل وشيدمان، تشيرونوف ودان، هندرسون وكلاينس(28) أثناء الحرب الاستعمارية، كان نضالاً رجعياً لأن نتيجته كانت تزين وجه الاستعمار، وتثبيت أقدامه وتحقيق انتصاره. إن نضال التجار والمثقفين البرجوازيين المصريين، في سبيل استقلال مصر، هو لهذه الأسباب نفسها، نضال ثوري، من الناحية الموضوعية، رغم الأصل البرجوازي لزعماء الحركة الوطنية المصرية، رغم صفتهم البرجوازية، ورغم كونهم ضد الاشتراكية. في حين أن نضال حكومة "العمال" الانكليزية لأجل أبقاء مصر في حالة التبعية، هو للأسباب نفسها رجعي رغم الأصل البروليتاري والصفة البروليتارية لأعضاء هذه الحكومة، ورغم كونهم "مؤيدين" للاشتراكية. ولا أتكلم هنا حتى عن الحركة الوطنية في بلدان أخرى مستعمرة وتابعة أعظم اتساعاً، كالهند والصين اللتين تعد كل خطوة من خطاهما في طريق تحررهما، ولو خالفت متطلبات الديمقراطية الشكلية، كضربة من مطرقة جبارة مسددة إلى الاستعمار، أي أنها خطوة ثورية بلا جدال.
إن لينين على حق في قوله أن الحركة الوطنية في البلدان المضطهدة، لا يجب تقديرها من ناحية الديمقراطية الشكلية، بل من ناحية نتائجها الفعلية في الميزان العام للنضال ضد الاستعمار، أي لا يجب تقديرها "بصورة منعزلة بل في المقياس العالمي". (لينين، المرجع السابق نفسه، صفحة 257).

ب – الحركة التحررية للشعوب المضطهدة والثورة البروليتارية
تأخذ اللينينية، في حل المسألة الوطنية، بالقضايا الآتية:
أ) العالم منقسم إلى معسكرين: معسكر حفنة صغيرة من الأمم المتمدنة التي تقبض بيدها على الرأسمال المالي وتستثمر الأكثرية العظمى من سكان الكرة الأرضية، ومعسكرات الشعوب المضطهَدة والمستثمرة في المستعمرات والبلدان التابعة، وهي تؤلف هذه الأكثرية.
ب) إن المستعمرات والبلدان التابعة التي يضطهدها الرأسمال المالي ويستثمرها، تشكل احتياطياً هائلاً للاستعمار ومورد قوي له، بالغ الأهمية.
ج) إن النضال الثوري للشعوب المضطهدة في البلدان المستعمرة والتابعة، ضد الاستعمار، هو الطريق الوحيد لتحررها من الاضطهاد والاستثمار.
د) إن أهم البلدان المستعمرة والتابعة، قد بدأت السير في طريق الحركة الوطنية التحررية التي لا يمكن إلا أن تؤدي إلى أزمة الرأسمالية العالمية.
هـ) إن مصالح الحركة البروليتارية في البلدان المتطورة والحركة الوطنية التحررية في المستعمرات، تتطلب أن يتحد هذان المظهران للحركة الثورية في جبهة مشتركة ضد العدو المشترك، ضد الاستعمار.
و) إن انتصار الطبقة العاملة في البلدان المتطورة، وتحرير الشعوب المضطهدة من نير الاستعمار، أمران مستحيلان، بدون تأليف وتوطيد جبهة ثورية مشتركة.
ز) إن تكوين جبهة ثورية مشتركة غير ممكن بدون أن تؤيد البروليتاريا في الأمم المضطهدة الظالمة، تأييداً مباشراً وحازماً، الحركة التحررية للشعوب المضطهدة المظلومة ضد الاستعمار المتروبولي(29) ، لأن "شعباً يضطهد شعوباً أخرى لا يمكن أن يكون حراً" (أنجلس).
ح) إن هذا التأييد يعني المطالبة بشعار حق الأمم في الانفصال وفي العيش كدولة مستقلة، والدفاع عن الشعار، وتطبيقه.
ط) بدون تطبيق هذا الشعار، يستحيل تحقيق الاتحاد والتعاون بين الأمم في نظام اقتصادي عالمي موحد، هو الأساس المادي لانتصار الاشتراكية العالمية.
ي) لا يمكن أن يكون هذا الاتحاد إلا اختيارياً، وقائماً على الثقة المتبادلة والعلاقات الأخوية بين الشعوب.
من هنا، كان ظهور وجهين، ظهور اتجاهين في المسألة الوطنية: اتجاه إلى الإنعتاق السياسي من روابط الاستعمار وإلى إنشاء دول وطنية مستقلة، وهو اتجاه نشأ على أساس الاضطهاد الاستعماري واستثمار المستعمرات، واتجاه آخر إلى التقارب الاقتصادي بين الأمم، وهو اتجاه نشأ مع تشكيل سوق عالمية واقتصاد عالمي.
يقول لينين:
"تعرف الرأسمالية في تطورها اتجاهين تاريخيين في المسألة الوطنية: الأول هو يقظة الحياة الوطنية والحركات الوطنية، والنضال ضد كل اضطهاد وطني، وإنشاء دول وطنية. والثاني هو تطور شتى العلاقات بين الأمم وتكاثرها المتزايد، وهدم الحواجز الوطنية وإنشاء وحدة الرأسمال الدولية، ووحدة الحياة الاقتصادية بصورة عامة، ووحدة السياسة والعلوم، الخ. إن كلا الاتجاهين هما قانون عام للرأسمالية. فالأول يغلب عليها في بدء تطورها، والثاني يميز الرأسمالية الناضجة السائرة نحو تحولها إلى مجتمع اشتراكي". ("ملاحظات إنتقادية حول المسألة الوطنية"، المجلد 17، الصفحة 139 – 140، الطبعة الروسية).
أن هذين الاتجاهين هما بالنسبة للاستعمار، متناقضان لا يمكن التوفيق بينهما وذلك لأن الاستعمار لا يستطيع العيش بدون استثمار المستعمرات وبدون الاحتفاظ بها بالقوة داخل نطاق "كل موحد"، ولأن الاستعمار لا يستطيع التقريب بين الأمم إلا عن طريق الإلحاق والفتوحات الاستعمارية التي لا يمكن، بصورة عامة، أن نتصور الاستعمار بدونها.
أما بالنسبة للشيوعية فالأمر على عكس ذلك. فليس الاتجاهان، بالنسبة إليها، سوى مظهرين لقضية واحدة، هي قضية تحرر الشعوب المضطهدة من نير الاستعمار، ذلك لأن الشيوعية تعلم أن اتحاد الشعوب في اقتصاد عالمي موحد لا يمكن أن يتم إلا على أسس الثقة المتبادلة والاتفاق الاختياري الحر وأن الطريق إلى إقامة اتحاد الشعوب الاختياري الحر، هو طريق يمر عبر انفصال المستعمرات عن "الكل" الاستعماري "الموحد"، عبر تحولها إلى دولة مستقلة.
من هنا ضرورة القيام بنضال عنيد، مستمر حازم، ضد الشوفينية المتروبولية عند "الاشتراكيين" في الأمم المسيطرة (انكلترا، فرنسا، أميركا، ايطاليا، اليابان، الخ..)، أولئك "الاشتراكيين" الذين لا يرغبون في محاربة حكوماتهم الاستعمارية، ولا يريدون تأييد شعوب "مستعمراتهم" المضطهدة في نضالها للتحرر من النير، لتشكيل دول منفصلة.
بدون نضال كهذا، من المستحيل حتى التفكير في تثقيف الطبقة العاملة في الأمم المسيطرة بروح الأممية الحقيقية، وبروح التقارب مع الجماهير الكادحة في البلدان التابعة والمستعمرات، وبروح التهيئة الفعلية للثورة البروليتارية. إن الثورة في روسيا ما كانت لتنتصر، وكولتشاك ودنيكين(30) ما كانا ليقهرا، لو لم تكن البروليتاريا الروسية متمتعة بالعطف والتأييد من جانب الشعوب المضطهدة في الإمبراطورية الروسية القديمة. ولكن لكي تكسب البروليتاريا الروسية عطف هذه الشعوب وتأييدها كان واجباً عليها، قبل كل شيء، أن تحطم سلاسل الاستعمار الروسي، وتحرر هذه الشعوب من الاضطهاد الوطني.
ولولا ذلك، لما أمكن توطيد الحكم السوفياتي، وغرس الأممية الحقة، وخلق هذه المنظمة الرائعة لتعاون الشعوب التي تدعى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، والتي تمثل النموذج الحي لما سيكون عليه اتحاد الشعوب في المستقبل، في نظام اقتصادي عالمي موحد.
من هنا ضرورة محاربة الميل على الانحصار في النطاق القومي الصرف، محاربة ضيق الأفق ودعوى التمسك بالأوضاع الخاصة لدى الاشتراكيين في البلدان المظلومة المضطهدة، الذين يأبون أن يمدوا بصرهم إلى أبعد من حدود أفقهم القومي، ولا يدركون الروابط بين الحركة التحررية في بلادهم والحركة البروليتارية في البلدان المسيطرة.
بدون نضال كهذا يستحيل التفكير في الدفاع عن السياسة المستقلة التي ينبغي أن تسلكها البروليتاريا في الأمم المظلومة المضطهدة، وعن تضامنها الطبقي مع البروليتاريا في البلدان المسيطرة، للنضال في سبيل القضاء على العدو المشترك، للنضال في سبيل القضاء على الاستعمار.
بدون نضال كهذا تغدو الأممية ضرباً من المستحيل.
تلك هي الطريق التي ينبغي سلوكها لتثقيف الجماهير الكادحة في الأمم المسيطرة والأمم المظلومة المضطهدة، على السواء، بروح الأممية الثورية.
وإليكم ما يقوله لينين عن هذه المهمة المزدوجة، الملقاة على عاتق الشيوعية، لأجل تثقيف العمال بروح الأممية:
"هل يمكن أن يكون هذا التثقيف، من الناحية الملموسة، متشابهاً في الأمم الكبيرة المضطهدة، وفي الأمم الصغيرة المضطهدة؟ في الأمم الغاصبة والأمم المغصوبة؟
كلا!... بكل تأكيد. فأن السير نحو هدف واحد – وهو التساوي التام بين جميع الأمم، وتحقيق أوثق التقارب بينها، ثم اندماجها، فيما بعد – يتبع هنا، بشكل واضح، سبلاً ملموسة متنوعة، ومثل ذلك أن تبدأ من الجانب الأيمن أو الأيسر من الصفحة، لكي تصل إلى نقطة واقعة في منتصف هذه الصفحة. فالاشتراكي الديمقراطي المنتمي إلى أمة كبيرة غاصبة، مضطهدة، إذا نسي، ولو لحظة، عند دعوته لاندماج الأمم، بصورة عامة، أن نيقولا "ه" الثاني وغليوم "ه"، وبوانكاريه(31) وغيرهم، هم أيضاً مؤيدون للاندماج مع الأمم الصغيرة (عن طريق الإلحاق)، فنيقولا الثاني يؤيد "الاندماج" مع غاليسا، وغليوم الثاني يؤيد "الاندماج" مع بلجيكا، الخ. – أن اشتراكياً ديمقراطياً مثل هذا، لن يكون سوى دعي سخيف من الوجهة النظرية، وعون للاستعمار من الوجهة العملية.
إن مركز الثقل في التثقيف الأممي للعمال في البلدان الظالمة المضطهدة، يجب أن يقوم حتماً على الدعاية لحرية البلدان المظلومة المضطهدة في الانفصال، وعلى الدفاع عن هذه الحرية. بدون هذا لا تكون هناك أممية. وكل اشتراكي ديمقراطي من أمة ظالمة، لا يقوم بهذه الدعاية، يحق لنا ويجب علينا أن ندعوه استعمارياً ومداجياً. إن حرية الانفصال هي مطلب مطلق، حتى ولو كان هذا الانفصال غير ممكن، وغير "قابل التحقيق" قبل انتصار الاشتراكية، إلا في حالة واحدة من ألف حالة...
أما الاشتراكي الديمقراطي في أمة صغيرة، فمن واجبه، على العكس من ذلك، أن ينقل مركز الثقل لدعايته التحريضية، إلى القسم الأول من كلامنا، وهو "الاتحاد الاختياري الحر" بين الأمم. وفي وسعه، دون أن يخل بواجبه من حيث هو أممي، أن يكون مؤيداً لاستقلال أمته السياسي، وفي الوقت نفسه، مؤيداً لدمجها مع دولة مجاورة هي أ أو ب أو ج، الخ... أنما يجب عليه، في كل الأحوال، أن يناضل ضد ضيق الأفق القومي. وضد الميل إلى الانحصار والانعزال. وإلى التمسك بالأوضاع الخاصة. وأن يكون من أنصار النظر إلى الحركة بمجموعها وشمولها. أن يكون من أنصار إخضاع المصلحة الخاصة للمصلحة العامة.
إن الذين لم يتعمقوا في المسألة، قد يجدون من الأمور "المتناقضة أن يصر الاشتراكيون في الأمم الظالمة على "حرية الانفصال"، وأن يصر الاشتراكيون الديمقراطيون في الأمم المضطهدة على "حرية الاتحاد" غير أن قليلاً من التفكير يكفي لكي يرى الإنسان أن الوضع الذي نحن بصدده، ليس فيه ولا يمكن أن يكون فيه طريق آخر نحو الأممية واندماج الأمم". (المؤلفات الكاملة: "خلاصة المناقشة حول حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها"، المجلد التاسع عشر، الصفحة 261 – 262، الطبعة الروسية).

(25) الحكم الذاتي: Autonomie - هيئة التعريب.
(26) إلحاق: Annexion أي ضم شعب مستضعف إلى دولة استعمارية، بالعنف – هيئة التعريب.
(27) نسبة إلى الشوفينية: (Chauvinisme) وهي التعصب القومي الأعمى وكره الشعوب الأخرى واحتقارها، الشوفينيون الذين يتكلم عنهم ستالين هنا هم هؤلاء الاشتراكيون المزعومون الذين وقفوا أثناء الحرب العالمية الأولى، إلى جانب البرجوازية الاستعمارية في بلادهم وأيدوا مصالحها ضد مصالح طبقة العمال الأممية – هيئة التعريب.
(28) كل هؤلاء من زعماء الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في مختلف البلدان الأوروبية – هيئة التعريب.
(29) راجع الشرح في الهامش رقم 11.
(30) كولتشاك ودنيكين: قائدان قيصريان حاربا السلطة السوفياتية أول نشوئها، إلى جانب الدول الاستعمارية (وعلى رأسها أميركا وانكلترا وفرنسا واليابان...) التي تدخلت عسكرياً للقضاء على الثورة الروسية بين 1918 و1921 – هيئة التعريب.
(31) نيقولا الثاني: آخر قياصرة روسيا، غليوم الثاني: إمبراطور ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، جورج الخامس: ملك انكلترا من 1910 إلى 1936، بوانكاريه: رئيس جمهورية فرنسا من 1913 إلى 1920 – هيئة التعريب.

- 7 -
الستراتيجية والتكتيك

سوف آخذ من هذا الموضوع ست مسائل:

أ) الستراتيجية والتكتيك من حيث هما علم قيادة النضال الطبقي للبروليتاريا.
ب) مراحل الثورة، والستراتيجية.
ج) المد والجزر في الحركة، والتكتيك.
د) القيادة الستراتيجية.
ه) القيادة التكتيكية.
و) الإصلاحية والثورية.


أ – الستراتيجية والتكتيك من حيث هما علم قيادة النضال الطبقي للبروليتاريا
إن المرحلة التي سادت فيها الأممية الثانية، كانت بصورة رئيسية، مرحلة تكوين الجيوش البروليتارية السياسية وتثقيفها في ظروف تطور سلمي إلى حد ما. تلك مرحلة كانت الأساليب البرلمانية فيها هي الشكل السائد للنضال الطبقي. أما المسائل المتعلقة بالنزاعات الكبرى بين الطبقات، وبتهيئة البروليتاريا للمعارك الثورية، وبطرق الوصول إلى ديكتاتورية البروليتاريا، فلم تكن، كما كان يبدو إذ ذاك، موضوعة على بساط البحث. كانت المهمة مقتصرة على استخدام جميع طرق التطور المشروع لتكوين الجيوش البروليتارية وتثقيفها، كانت المهمة مقتصرة على استخدام الأساليب البرلمانية، على أن تؤخذ بعين الاعتبار الظروف التي تكون فيها البروليتاريا، ويجب أن تبقى، كما كان يبدو إذ ذاك، في موقف المعارضة. فهل من حاجة إلى البرهان بأنه لم يكن من الممكن في مثل هذه المرحلة، ومع مثل هذا الفهم لمهمات البروليتاريا، أن تكون هناك لا إستراتيجية كاملة منسجمة، ولا تاكتيك مدروس؟. كانت هناك أقسام مجزأة، أفكار متفرقة عن التكتيك والستراتيجية، أما التكتيك والستراتيجية فلم يكن لهما وجود.
إن خطيئة الأممية الثانية، خطيئتها المميتة، ليست في أنها انتهجت في عهدها، خطة استخدام أشكال النضال البرلمانية، بل في أنها قدرت أهمية هذه الأشكال بأكثر مما هي، وكادت تعتبرها الأشكال الوحيدة، فلما جاءت مرحلة المعارك الثورية المباشرة واحتلت مسألة أشكال النضال غير البرلمانية المكان الأول، أدارت أحزاب الأممية الثانية ظهرها للمهمات الجديدة، ورفضتها.
ولم يكن صوغ استراتيجية منسجمة وتاكتيك مدروسة لنضال البروليتاريا، إلا في المرحلة التالية، مرحلة النضالات المفتوحة للبروليتاريا، مرحلة الثورة البروليتارية، حين صارت قضية القضاء على البرجوازية قضية عملية مباشرة، حين أصبحت مسألة القوى الاحتياطية للبروليتاريا (أي مسألة الستراتيجية) مسألة من أخطر المسائل الحيوية، وحين برزت، بوضوح تام، جميع أشكال النضال والتنظيم – البرلمانية وغير البرلمانية (التكتيك). وفي هذه المرحلة بالذات، أخرج لينين إلى وضح النهار، أفكار ماركس وانجلس العبقرية عن التكتيك والستراتيجية، هذه الأفكار التي كان إنتهازيو الأممية الثانية قد طمسوها ووضعوها على الرف. غير أن لينين لم يقتصر على بعث هذه أو تلك من مبادىء ماركس وانجلس التكتيكية، بل طورها إلى أمام وأكملها بأفكار ومبادىء جديدة، ووحّد كل ذلك في مجموعة من القواعد والمبادئ التوجيهية لقيادة نضال البروليتاريا الطبقي. إن مؤلفات لينين، مثل: ما العمل؟ و خطتان و الاستعمار و الدولة والثورة ، و الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي ، و المرض الطفولي ، تدخل، دون ريب، في كنز الماركسية المشترك، في ترسانتها الثورية كمساهمة من أثمن المساهمات. إن الستراتيجية والتكتيك في اللينينية، هما علم قيادة نضال البروليتاريا الثوري.

ب – مراحل الثورة، والستراتيجية
الستراتيجية هي تحديد اتجاه الضربة الرئيسية للبروليتاريا على أساس مرحلة معينة من الثورة، ووضع برنامج مناسب لترتيب القوى الثورية (الاحتياطات الرئيسية والثانوية)، والنضال في سبيل تحقيق هذا البرنامج طوال تلك المرحلة المعينة من الثورة.
لقد اجتازت ثورتنا مرحلتين ودخلت بعد ثورة أكتوبر في المرحلة الثالثة. وقد تغيرت الستراتيجية تبعاً لذلك.
المرحلة الأولى – من 1903 إلى شباط 1917 – الهدف: القضاء على القيصرية، وتصفية بقايا القرون الوسطى تصفية تامة. القوة الأساسية للثورة: البروليتاريا. الاحتياطي المباشر: جماهير الفلاحين. اتجاه الضربة الأساسية: عزل البرجوازية الملكية الليبرالية، التي تسعى لكسب الفلاحين ولتصفية الثورة عن طريق اتفاق مع القيصرية. برنامج ترتيب القوى: تحالف الطبقة العاملة مع جماهير الفلاحين. يجب على البروليتاريا أن تحقق الثورة الديمقراطية إلى النهاية، بضم جماهير الفلاحين إليها، من أجل سحق مقاومة الأوتوقراطية بالقوة، وشل تذبذب البرجوازية (لينين: خطتان للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية ، المؤلفات الكاملة، المجلد 8، ص 96 الطبعة الروسية).
المرحلة الثانية – من آذار 1917 إلى أكتوبر 1917 ـ الهدف: القضاء على الاستعمار في روسيا والخروج من الحرب الاستع