حزب العمل الوطنيّ الديمقراطيّ

حريّة   عدالة    تقدّم    مساواة

الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية

 

فلاديمير لينين

المحتويات
مقدمة
مقدمة للطبعتين الفرنسية والألمانية

الفصل الأول: الاحتكارات وتمركز الإنتاج
الفصل الثاني: البنوك ودورها الجديد
الفصل الثالث: الرأسمال المالي والطغمة المالية
الفصل الرابع: تصدير الرأسمال
الفصل الخامس: اقتسام العالم بين اتحادات الرأسماليين
الفصل السادس: اقتسام العالم بين الدول الكبرى
الفصل السابع: الإمبريالية مرحلة خاصة في الرأسمالية
الفصل الثامن: طفيلية الرأسمال وتعفنها
الفصل التاسع: انتقاد الإمبريالية
الفصل العاشر: مكان الإمبريالية في التاريخ


مقدمة

هذا الكتاب الذي أعرضه على أنظار القراء وضعته بمدينة زوريخ في ربيع سنة 1916. وفي ظروف عملي هناك عانيت، بطبيعة الحال، من بعض النقص في الكتب الفرنسية والإنجليزية ومن نقص كبير جدا في الكتب الروسية. ولكني قد استفدت، على كل حال، من المؤلف الإنجليزي الرئيسي بصدد الإمبريالية – كتاب ج. ا. هوبسون – بكل الانتباه الذي يستحقه هذا المؤلف حسب اعتقادي.

وقد وضعت الكتاب آخذا بعين الاعتبار الرقابة القيصرية. ولذا كنت مضطرا إلى الاقتصار بدقة على التحليل النظري وحده – ولاسيما الاقتصادي – وكذلك إلى منتهى الحذر في صياغة الملاحظات الضرورية غير الكثيرة بصدد السياسة، أي بالتلميح، بلغة لقمان، تلك اللغة الرمزية اللعينة التي كانت القيصرية تضطر جميع الثوريين إلى اللجوء إليها كلما أخذوا القلم لوضع كتاب «علني».

ومن المؤلم الآن، في أيام الحرية، أن أعيد قراءة مقاطع الكتاب التي شوهها التفكير في الرقابة القيصرية، المقاطع المكبوكة، المضغوطة كأنما في ملزمة من حديد. فلكيما أبين أن الامبريالية هي عشية الثورة الاشتراكية، وأن الاشتراكية-الشوفينية (الاشتراكية قولا والشوفينية فعلاً) هي خيانة تامة للاشتراكية وانتقال تام إلى جانب البرجوازية، وأن انقسام حركة العمال هذا منوط بظروف الامبريالية الموضوعية وغير ذلك، اضطرت إلى أن أتحدث بلغة «العبد»، ولذا أراني مضطرا إلى إحالة القارئ الذي تهمه المسألة إلى مجموعة مقالاتي التي كتبتها في الخارج سنوات 1914-1917 والتي سيعاد نشرها قريبا. ولابد من الإشارة الخاصة إلى مقطع من مقاطع الكتاب في الصفحتين 119-120*: لكيما أبين للقارئ بشكل تقبله الرقابة كيف يكذب دون خجل الرأسماليون وكذلك الاشتراكيون-الشوفينيون الذين انتقلوا إلى جانبهم (والذين لا يناضل كوتسكي ضدهم بالاستقامة اللازمة) في مسألة الإلحاق، وكيف يسترون دون خجل على الحاقات رأسمالييـهم، كنت مضطرا لأن أضرب مثلا… اليابان! ومن اليسير على القارئ الفطن أن يستعيض عن اليابان بروسيا وعن كوريا بفنلنده وبولونيا وكرولانده وأكرانيا وخيوه وبخارى وأستلنده وغيرها من المقاطعات التي يقطنها غير الروس.

وأود أن آمل بأن يساعد كتابي على تفهم المسألة الاقتصادية الأساسية التي لا يمكن بدون دراستها فهم شيء في تقدير الحرب المعاصرة والسياسة المعاصرة، نعني مسألة كنه الامبريالية الاقتصادي.

المؤلف
بتروغراد 26 أبريل 1917


--------------------------------------------------------------------------------

(*) راجع هذا الكتاب، ص 565. الناشر


مقدمة للطبعتين الفرنسية والألمانية


1

وضعت الكتاب الحالي، كما أشرت في مقدمة الطبعة الروسية، سنة 1916، آخذا الرقابة القيصرية بعين الاعتبار. وليس بإمكاني أن أعدل النص بأكمله في الوقت الحاضر؛ وأحسب أن ذلك أمر عديم الجدوى، لأن مهمة الكتاب الأساسية كانت ولا تزال: أن يبين، بموجب مجمل أرقام الإحصاءات البرجوازية التي لا تقبل الجدل وبموجب اعترافات العلماء البرجوازيين في جميع البلدان، كيف كانت، في بدء القرن العشرين، قبيل الحرب الإمبريالية العالمية الأولى، الصورة الإجمالية للاقتصاد الرأسمالي العالمي ضمن علاقاته العالمية.

ومن ناحية أخرى سيكون من المفيد للكثيرين من الشيوعيين في البلدان الرأسمالية المتقدمة أن يتأكدوا، على مثال هذا الكتاب العلني من وجهة نظر الرقابة القيصرية، من إمكانية – بله ضرورة – الاستفادة حتى من القدر الطفيف من بقايا العلنية التي ما تزال باقية للشيوعيين، لنقل مثلا في أمريكا أو في فرنسا المعاصرتين بعد اعتقال الشيوعيين بمجموعهم تقريبا من عهد قريب؛ وذلك لتبيان كل بطلان نظرات الاشتراكيين المسالمين وعقدهم الآمال على «ديموقراطية عالمية». وسأحاول، في هذه المقدمة، إعطاء ما لا بد منه من إضافات على هذا الكتاب الخاضع للرقابة.



2

لقد برهن في هذا الكتاب على أن حرب سنوات 1914-1918 كانت من جانب الطرفين حريا امبريالية (أي حرب غزو ونهب واغتصاب)، حربا من أجل تقاسم العالم، من أجل اقتسام وإعادة اقتسام المستعمرات و«مناطق نفوذ» الرأسمال المالي والخ.

إذ أن الدليل على طابع الحرب الاجتماعي الحقيقي، أو بالأصح: على طابعها الطبقي الحقيقي، لا يكمن طبعا في تاريخ الحرب الديبلوماسي، بل في تحليل الحالة الموضوعية للطبقات المسيطرة في جميع الدول المتحاربة. ولتصوير هذه الحالة الموضوعية لا ينبغي أخذ أمثلة أو أدلة منعزلة (فرغم كون ظواهر الحياة الاجتماعية في منتهى التعقيد يمكن على الدوام إيجاد أي قدر من الأمثلة أو الأدلة المنعزلة لتعليل أي فكرة)، بل ينبغي حتما أخذ مجمل الأدلة عن أسس الحياة الاقتصادية في جميع الدول المتحاربة وفي العالم كله.

وهذه الأدلة الاجتماعية التي لا تدحض، هي بالضبط، ما ذكرته في لوحة تقاسم العالم في سنتي 1876 و1914 (الفقرة السادسة) وفي لوحة توزيع السكك الحديدية في العالم أجمع في سنتي 1890 و1913 (الفقرة السابعة). فالسكك الحديدية هي حاصل جميع الفروع الرئيسية في الصناعة الرأسمالية، صناعة الفحم الحجري والتعدين؛ هي حاصل وأكثر مقاييس تطور التجارة العالمية والحضارة البرجوازية الديموقراطية جلاء. وقد بينت فصول الكتاب السابقة كيف تتصل السكك الحديدية بالإنتاج الكبير، بالاحتكارات وبالسنديكات وبالتروستات وبالبنوك وبالطغمة المالية. إن توزيع خطوط السكك الحديدية وتفاوته وتفاوت تطورها هو حاصل الرأسمالية الاحتكارية الحديثة على النطاق العالمي. وهذا الحاصل يظهر في الحروب الإمبريالية هي أمر محتوم تماما على هذا الأساس الاقتصادي، طالما بقيت وسائل الإنتاج ملكا خاصا.

يبدو مد السكك الحديدية أمرا بسيطا وطبيعيا وديموقراطيا وثقافيا وتمدنيا، وهو يبدو كذلك في عيون الأساتذة البرجوازيين الذين تدفع لهم الأجور لكيما يجملوا وجه العبودية الرأسمالية، وفي عيون البرجوازيين الصغار التافهين الضيقيي الأفق. أما في الواقع فإن الخيوط الرأسمالية التي تربط بألوف الشباك هذه المشاريع بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج بوجه عام قد جعلت من مد السكك الحديدية أداة لاضطهاد مليار من الناس (أشباه المستعمرات إضافة إلى المستعمرات)، أي لاضطهاد أكثر من نصف سكان الأرض في البلدان التابعة، وعبيد الرأسمال الأجراء في البلدان «المتمدنة».

إن الملكية الخاصة القائمة على عمل صغار أصحاب الأعمال، والمزاحمة الحرة، والديموقراطية – إن جميع هذه الشعارات التي يخدع بها الرأسماليون وصحافتهم العمال والفلاحين قد اندرجت بعيدا في طيات الماضي. لقد آلت الرأسمالية إلى نظام عالمي لاضطهاد الأكثرية الكبرى من سكان الأرض استعماريا وخنقها ماليا من قبل حفنة من البلدان «المتقدمة». ويجري اقتسام هذه «الغنيمة» بين ضاريين أو ثلاث ضوار أقوياء في النطاق العالمي، مسلحين من الرأس حتى أخمص القدمين (أمريكا وانجلترا واليابان) يجرون الأرض كلها إلى حربـهم من أجل اقتسام غنيمتـهم.



3

إن صلح بريست-ليتوفسك الذي أملت شروطه ألمانيا الملكية، ومن بعده صلح فرساي الأكثر وحشية وحطة والذي أملت شروطه الجمهوريتان «الديموقراطيتان»، أمريكا وفرنسا، وكذلك إنجلترا «الحرة» قد قدما للبشرية خدمة نافعة جدا إذ فضحا الكتبة الخدم المأجورين للإمبريالية وكذلك البرجوازيين الصغار الرجعيين الذين، وإن كانوا يخلعون على أنفسهم ألقاب المسالمين والاشتراكيين، فإنهم يمتدحون «الولسونية» ويبرهنون على إمكان السلام والإصلاحات في ظل الإمبريالية.

إن عشرات الملايين من الجثث والمشوهين الذين تركتهم الحرب التي أضرمت نيرانها لتعيين ما إذا كانت الزمرة الإنجليزية أو الألمانية من قطاع الطرق الماليين ينبغي أن تنال حصة الأسد من الغنيمة، ثم «معاهدتي الصلح» هاتين، تفتح بسرعة لم تعهد من قبل عيون الملايين وعشرات الملايين من الناس الذين ظلمتهم البرجوازية وسحقتهم وخدعتهم وضللتهم. وعلى صعيد الخراب العالمي التي لا يمكنها أن تنتهي إلى غير الثورة البروليتارية وظفرها، مهما كانت طويل وقاسية تقلبات الأحوال التي لا بد لهذه الأزمة أن يجتازها.

إن بيان بال الصادر عن الأممية الثانية والذي أعطى، في سنة 1912، تقديرا لتلك الحرب التي اندلعت في سنة 1914 بالضبط، لا تقديرا للحرب بوجه عام (فالحروب تختلف ومنها ما تكون ثورية)، أن هذا البيان قد بقي أثرا للذكرى يعزي بصورة تامة إفلاس أبطال الأممية الثانية المشين وارتدادهم.

ولذلك أعيد نشر هذا البيان في ملحق لهذه الطبعة وألفت نظر القارئ مرة أخرى إلى أن أبطال الأممية الثانية يتجنبون بحذر مقاطع البيان التي تتحدث بصورة دقيقة ,واضحة ,وصريحة بالضبط عن صلة الحرب المقبلة بالثورة البروليتارية، يتجنبونها بنفس حذر اللص في تجنب المكان الذي ارتكب فيه السرقة.



4

في هذا الكتاب وجه انتباه خاص لانتقاد «الكاوتسكية»، وهي تيار فكري عالمي يمثله في جميع بلدان العالم «كبار النظريين»، زعماء الأممية الثانية (في النمسا أوتو باور وشركاه وفي إنجلترا رمسي ماكدونالد وغيره وفي فرنسا البير توما وهلم جرا والخ.) وجمهور من الاشتراكيين والإصلاحيين والمسالمين والديموقراطيين البرجوازيين والكهنة.

وهذا التيار الفكري هو، من ناحية، نتاج فساد وتقيح الأممية الثانية وهو، من الناحية الأخرى، نتاج محتوم لإيديولوجية صغار البرجوازيين الذين يبقيهم وضع حياتهم بأكمله في أسر الأوهام البرجوازية والديموقراطية.

إن أمثال هذه النظرات عند كاوتسكي ومن على شاكلته هي ارتداد تام بالضبط عن الأسس الماركسية الثورية التي دافع عنها هذا الكتاب عشرات من السنين، ولاسيما – ونقول ذلك بالمناسبة – في النضال ضد الانتهازية الاشتراكية (لبرينشتين وميليران وهايندمان وغومبرس وهلم جراً). ولذلك ليس من باب الصدفة أن اتحد «الكاوتسكيون» الآن مع الانتهازيين المتطرفين في العالم أجمع عمليا وسياسيا (عن طريق الأممية الثانية أو الصفراء) ومع الحكومات البرجوازية (عن طريق الحكومات البرجوازية الائتلافية التي يساهم فيها الاشتراكيون).

إن الحركة البروليتارية الثورية بوجه عام والشيوعية بوجه خاص، هذه الحركة المتنامية في جميع أنحاء العالم، لا غنى لها عن تحليل وفضح الأخطاء النظرية التي تقترفها «الكاوتسكية». وهذا لا ندحة عنه لاسيما وأن النزعة المسالمة و«الديموقراطية» بوجه عام اللتين لا تدعيان بالماركسية إطلاقا، ولكنهما، شأن كاوتسكي وشركاه سواء بسواء، تطمسان عمق تناقضات الامبريالية وحتمية الأزمة الثورية التي تنشأ عنها، هما تياران ما زالا منتشرين لأقصى حد في العالم كله. والنضال ضد هذين التيارين هو أمر إلزامي لحزب البروليتاريا الذي يتوجب عليه أن ينتزع من البرجوازية صغار أصحاب الأعمال والملايين من الشغيلة المخدوعين بها والذين تحيط بهم لهذا الحد أو ذاك ظروف حياة البرجوازية الصغيرة.



5

ولابد من بعض كلمات عن الفصل الثامن: «طفيلية الرأسمالية وتعفنها». إن هيلفردينغ، «الماركسي» سابقا وزميل كاوتسكي اليوم وأحد الممثلين الرئيسيين للسياسة البرجوازية الإصلاحية في «الحزب الاشتراكي-الديموقراطي الألماني المستقل»، قد خطا، كما سبق وأشرنا في متن هذا الكتاب، خطوة إلى الوراء في هذه المسألة بالمقارنة مع المسالم والإصلاحي الإنجليزي المكشوف هوبسون. فالانقسام العالمي لحركة العمال بأكملها قد تكشف الآن على أتمه (الأمميتان الثانية والثالثة). وقد تكشف كذلك واقع النضال المسلح والحرب الأهلية بين الاتجاهين: المناشفة و«الاشتراكيون-الثوريون» في روسيا يؤيدون كولتشاك ودينيكين ضد البلاشفة؛ وأنصار شيدمان ونوسكه وشركاه في ألمانيا هم مع البرجوازية ضد السبارتاكيين، والشيء نفسه في فنلندة وبولونيا والمجر الخ.. فما هو، إذن، الأساس الاقتصادي لهذه الظاهرة التاريخية العالمية؟

إنه يتلخص بالضبط في الطفيلية والتعفن الملازمين للرأسمالية في أعلى مراحلها التاريخية، أي في مرحلة الإمبريالية. فالرأسمالية، كما برهن في الكتاب الحالي، قد أبرزت الآن حفنة (أقل من عشر سكان الأرض، وفي أبعد حالة «للتسامح» والمغالات في التقدير، أقل من الخمس) من الدول في منتهى الغنى والقوى تنهب العالم كله بمجرد (قص الكوبونات). إن تصدير الرأسمال يعطي دخلا يتراوح بين 8 و10 مليارات فرنك في السنة حسب أسعار ما قبل الحرب وحسب إحصاءات البرجوازية لما قبل الحرب. والآن أكثر جدا بطبيعة الحال.

وواضح أن هذا الربح الإضافي الهائل (إذ أنه يبتز إضافة إلى الربح الذي يعتصره الرأسماليون من عمال بلاد«ـهم») يمكن من رشوة زعماء العمال والفئة العليا التي تكون أريستوقراطية العمال. والرأسماليون في البلدان «المتقدمة» يرشون هذه الفئة، بآلاف الطرق، المباشرة وغير المباشرة العلنية والمستورة. إن هذه الفئة من العمال المتبرجزين أو «اريستوقراطية العمال»، الذين هم برجوازيون صغار تماما بنمط حياتهم ومقاييس أجورهم وبكامل نظرتهم للعالم، هي سند الأممية الثانية الرئيسي، وفي أيامنا سند البرجوازية الاجتماعي (لا العسكري) الرئيسي. لأن هؤلاء عملاء حقيقيون للبرجوازية في حركة العمال، متعهدون عمال في خدمة طبقة الرأسماليين (Labor lieutenants of the capitlistes class) وسائط حقيقية لنقل الإصلاحية والشوفينية. وأثناء الحرب الأهلية بين البروليتاريا والبرجوازية يقف هؤلاء حتما بعدد كبير إلى جانب البورجوازية، إلى جانب «الفورسالين» ضد «الكومونيين».

وإذا لم يدرك المرء الجذور الاقتصادية لهذه الظاهرة. إذا لم يقدر أهميتها السياسية والاجتماعية حق قدرها لا يستطيع أن يخطو خطوة في ميدان حل المهام العملية التي تواجه الحركة الشيوعية والثورة الاجتماعية المقبلة.

الإمبريالية عشية الثورة الاجتماعية البروليتارية. وقد ثبت ذلك منذ سنة 1917 في النطاق العالمي.

6 يوليو 1920
ن. لينين






الفصل الاول
الاحتكارات وتمركز الإنتاج

أثناء السنوات الخمس عشر أو العشرين الأخيرة، ولاسيما بعد الحرب الاسبانية-الأمريكية 1898 والحرب الانجليزية-البويرية (1899-1902) أخذ الآداب الاقتصادية وكذلك السياسية في العالمين القديم والجديد يتطرق أكثر فأكثر إلى مفهوم «الإمبريالية» لوصف العصر الذي نجتازه. ففي سنة 1902 صدر في لندن ونيويورك مؤلف اقتصادي إنجليزي هوبسون عنوانه: «الإمبريالية». والمؤلف، المتمسك بوجهة نظر النزعة البرجوازية للاشتراكية الإصلاحية والمسالمة، وهي وجهة نظر لا تختلف، في الجوهر، عن الموقف الذي يقفه حاليا الماركسي السابق كاوتسكي، قد أعطى وصفا ممتازا مفصلا لخواص الإمبريالية الاقتصادية والسياسية الأساسية. وفي سنة 1910 صدر في فيينا مؤلف الماركسي النمساوي رودولف هيلفردينغ عنوانه: «الرأسمال المالي» (الترجمة الروسية: موسكو، سنة 1912). إن هذا الكتاب، رغم غلطة المؤلف في مسألة نظرية النقود وميله بعض الشيء إلى التوفيق بين الماركسية والانتهازية، عبارة عن تحليل نظري قيم للغاية «لأحدث المراحل في تطور الرأسمالية» كما ينص العنوان الثانوي لمؤلف هيلفردينغ. إن ما قيل في السنوات الأخيرة عن الامبريالية، ولاسيما في العدد الكبير من مقالات المجلات والجرائد في هذا الموضوع وكذلك في القرارات، مثلا، مؤتمري خيمنيتز وبال المعقودين في خريف سنة 1912، لم يتعد، في الجوهر، دائرة الأفكار التي عرضها أو، بالأصح، التي لخصها المؤلفان المذكوران…

وسنسعى فيما يأتي لنعرض، بإيجاز وبأبسط شكل ممكن، صلة وتفاعل خواص الإمبريالية الأساسية. ولن نتطرق إلى الناحية غير الاقتصادية في المسألة مهما كانت جديرة بذلك. أمّا أسماء الكتب التي استشهدنا بها والملاحظات الأخرى التي قد لا تهم جميع القراء فنحيلها إلى آخر الكتاب.




--------------------------------------------------------------------------------



إن نمو الصناعة الهائل والسرعة الكبرى في سير تمركز الإنتاج في مشاريع تتضخم باستمرار هما خاصة من أخص خصائص الرأسمالية. وتعطي الإحصاءات الصناعية الحديثة عن هذا السير أكمل المعلومات وأضبطها.

ففي ألمانيا، مثلا، كان يوجد بين كل ألف مشروع صناعي في سنة 1882 - 3 وفي سنة 1895 - 6 وفي سنة 1907 - 9 من المشاريع الكبرى، أي التي يعمل فيها أكثر من 50 من العمال الأجراء. وكانت حصتها في كل مئة عامل 22 ، 30 و37. ولكن تمركز الإنتاج أقوى جدا من تمركز العمال، لأن العمل في المشاريع الكبرى ذو إنتاجية أكبر جدا. وهذا ما تبنته الأرقام الخاصة بالماكينات البخارية والمحركات الكهربائية. فإذا أخذنا ما يسمى في ألمانيا الصناعة بمعنى الكلمة الواسع أي بما في ذلك التجارة وطرق المواصلات الخ.، حصلنا على الصورة التالية: المشاريع الكبرى 30588 من 3265623، أي 0.9% فقط. ولديها من العمال.5 ملايين و 700 ألف من 14 مليونا و400ألف أي 39.4%؛ ولديها 6ملايين و 600ألف حصان بخاري من 8 ملايين و 800ألف ، أي 75.3%؛ و1.2 مليون كيلواط من الطاقة الكهربائية من 1.5 مليون أي 77.2%.

في حوزة أقل من 1% من المشاريع أكثر من 75% من مجموع كمية الطاقة البخارية والكهربائية! وثمة 297 ألف من المشاريع الصناعية الصغيرة (حتى 5 من العمال الأجراء) تؤلف 91% من مجموع المشاريع لا تزيد حصتها عن 7% من مجموع الطاقة البخارية والكهربائية! عشرات الألوف من المشاريع الكبرى – كل شيء؛ والملايين من المشاريع الصغرى – لاشيء.

في سنة 1907 كان في ألمانيا 576 من المشاريع يشتغل في كل منها ألف عامل وما فوق. وكان لديها نحو عُشر مجموع عدد العمال (1370000) ونحو ثلث (32%) من مجموع الطاقة البخارية والكهربائية(1). وسنرى أن الرأسمال النقدي والبنوك تجعل تفوق هذه الحفنة من المشاريع الكبرى ساحقا لدرجة أكبر، ساحقا بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أن الملايين من «أصحاب الأعمال» الصغار والمتوسطين وحتى قسما من الكبار يجدون أنفسهم في الواقع مستعبدين بصورة تامة لبضع مئات من الماليين أصحاب الملايين.

ونمو تمركز الإنتاج أشد في بلد متقدم آخر من بلدان الرأسمالية الحديثة، في الولايات المتحدة بأمريكا الشمالية. في هذه البلاد تتعمد الإحصاءات إبراز الصناعة بمعنى الكلمة الضيق وتصنيف المشاريع حسب مقادير قيمة الإنتاج السنوي. ففي سنة 1904 وجد من المشاريع الضخمة التي يبلغ إنتاج كل منها مليون دولار وما فوق 1900 (من 216180، أي 0.9%) لدينا 1.4 مليون من العمال (من 5.5 مليون، أي 25.6%) وقيمة إنتاجها 5.6 مليارات (من 14.8 مليار، أي 38%). وبعد مضي خمس سنوات، في سنة 1909، كانت الأرقام على النحو التالي: 3060 مشروعا (من 278491، أي 1.1%) لديها من العمال مليونان (من 6.6 مليون، أي 30.5%) وقيمة إنتاجها 9 مليارات (من 20.7 مليار، أي 43.8%)(2).

إن نحو نصف مجموع ما تنتجه جميع المشاريع في البلاد في أيدي جزء من مئة جزء من مجموع عدد المشاريع! وهذه المشاريع العملاقة الثلاثة آلاف تشمل 258 من فروع الصناعة. ويتضح من ذلك أن التمركز، عند درجة معينة من تطوره، يوصل بحد ذاته إلى الاحتكار، ويمكن القول، إلى الاحتكار عن كثب. لأن من السهل على بضع عشرات من المشاريع العملاقة أن تتفق فيما بينها: ومن الجهة الأخرى، أن إعاقة المزاحمة والميل إلى الاحتكار ينشآن بالضبط عن ضخامة حجم المشاريع. وصيرورة المزاحمة والميل إلى الاحتكار هي ظاهرة من أهم الظواهر – إن لم تكن الأهم – في اقتصاد الرأسمالية الحديثة، وينبغي علينا أن نتناولها بمزيد من التفصيل. ولكن ينبغي علينا في بادئ الأمر أن نزيل ما قد يمكن من سوء الفهم.

تقول الإحصاءات الأمريكية: 3000 من المشاريع العملاقة في 250 من الفروع الصناعية. وقد يتبادر إلى الذهن كأن هناك 12 من المشاريع العملاقة فقطفي كل فرع.

ولكن الأمر ليس كذلك، فالمشاريع الكبيرة لا توجد في كل فرع من فروع الصناعة؛ ومن الجهة الأخرى، أن من أهم خواص الرأسمالية التي بلغت أعلى مراحل تطورها ما يسمى بالتركيب، أي تجمع في مشروع واحد لفروع صناعية مختلفة تؤلف إمّا درجات متوالية من تلييف الخدمات (مثلا: صهر معدن الحديد وتحويل الزهر إلى فولاذ أو ربما كذلك إنتاج هذه أو تلك من المصنوعات الجاهزة من الفولاذ)، وأمّا أن يقوم احدها بدور مساعد للآخر (مثلا: الاستفادة من الفضلات أو من المنتوجات الثانوية؛ إنتاج مواد التعبئة، الخ.).

وقد كتب هيلفردينغ: «التركيب يسوي اختلافات الأحوال في الأسواق، لذلك يضمن للمشاريع المركبة معدلا من الربح أكثر ثباتا، والتركيب يفضي، ثانيا، إلى إزاحة التجارة. وهو، ثالثا، يجعل من الامكان الرقي التكنيكي، وبالتالي الحصول على ربح إضافي بالمقارنة مع المشاريع «الساده» (أي غير المركبة). وهو، رابعا، يعزز موقف المشروع المركب بالمقارنة مع «الساده»، إذ يقويه في صراع المزاحمة في حالة انحطاط قوي (ركود في الأعمال، أزمة)، عندما يكون انخفاض أسعار الخدمات أقل من انخفاض أسعار المنتوجات الجاهزة»(3).

إن الاقتصاد البرجوازي الألماني هيمان الذي كرس مؤلفا خاصا لوصف المشاريع «المختلطة» أي المركبة – في صناعة التعدين الألمانية يقول: «تهلك المشاريع الساده مسحوقة بين ارتفاع أسعار الخدمات وانخفاض أسعار المنتوجات الجاهزة». ويكون الحاصل الصورة التالية:

«لقد بقيت، من جهة، كبريات شركات الفحم الحجري التي تستخرج من الفحم عدة ملايين من الأطنان والمتراصة التنظيم في سينديكات الفحم الحجري؛ ثم معامل صهر الفولاذ الضخمة المرتبطة بها ارتباطا وثيقا والتي تنظم في سنديكات الفولاذ. إن هذه المشاريع الهائلة التي تنتج 400 ألف طن من الفولاذ في العام والتي تستخرج كميات هائلة من المعادن والفحم الحجري وتنتج المصنوعات الجاهزة من الفولاذ وتستخدم 10 ألف عامل يعيشون في ثكنات بلدات المعامل والتي تملك في بعض الأحيان سككها الحديدية وموانئها هي الممثل النموذجي لصناعة التعدين الألمانية. ويسير التمركز أبدا إلى الأمام. يتضخم بعض المشاريع: يتراص عدد متزايد من المشاريع فرع صناعي بعينه أو فروع صناعية مختلفة ضمن مشاريع ضخمة تجد سندا لها ومرشدا في نصف دزينة من البنود البرلينية الكبرى. وفيما يخص صناعة الاستخراج الألمانية أقيم البرهان بصورة دقيقة على صحة تعاليم كارل ماركس بصدد التمركز؛ صحيح أن هذا يتعلق ببلاد تحمي صناعتها الرسوم الجمركية الوقائية وتعريفات النقل. إن صناعة الاستخراج الألمانية قد نضجت للمصادرة»(4).

هذا هو الاستنتاج الذي كان لا بد من أن يخلص إليه اقتصادي برجوازي، سليم النية كأمر استثنائي. تجدر الإشارة إلى أنه كأنما يبرز كحالة خاصة، نظرا لأن التعريفات الجمركية المرتفعة تحمي صناعتها. بيد أن كل ما تستطيعه هذا الظرف هو تعجيل التمركز وتشكيل اتحادات أصحاب العمل الاحتكارية، الكارتيلات والسنديكات والخ.. وما هو في منتهى الأهمية واقع أن التمركز في بلاد التجارة الحرة، انجلترا، يفضي كذلك إلى الاحتكار، وإن يكن بصورة أبطأ وربما بشكل آخر. وإليكم ما يقوله البروفيسور هرمن ليفي في مبحث خاص تناول فيه «الاحتكارات والكارتيلات والتروستات» على أساس معلومات عن التطور الاقتصادي في بريطانيا العظمى:

«إن الميل إلى الاحتكار في بريطانيا العظمى، بالضبط، في ضخامة حجم المشاريع وعلو مستواها التكنيكي. فالتمركز قد أفضى، من جهة، إلى أن المشاريع غدت تقتضي إنفاق الرساميل بمبالغ طائلة، ولذا تجد المشاريع الجديدة نفسها إزاء طلبات متزايدة فيما يخص مقدار الرأسمال الضروري، وهذا ما يعيق ظهورها. ومن الجهة الأخرى (ونعتبر هذا الأمر أكبر أهمية) ينبغي على كل مشروع جديد يريد أن يضارع المشاريع الهائلة التي أنشأها التمركز أن ينتج كمية هائلة من المنتوجات الفائضة بحيث لا يمكن بيعها بصورة مفيدة إلاّ في حالة ازدياد الطلب وازديادا خارقا، وفي الحالة المعاكسة يخفض من المنتوجات الأسعار إلى مستوى ليس في مصلحة المعمل الجديد ولا في مصلحة الاتحادات الاحتكارية». وخلافا للبلدان الأخرى التي تسهل فيها التعريفات الجمركية الوقائية تشكل الكارتيلات، لا تنشأ في انجلترا، في أكثرية الحالات، اتحادات أصحاب الأعمال الاحتكارية، الكارتيلات والتروستات، الا عندما ينحصر عدد المشاريع الرئيسية المتنافسة «في دزينتين فقط». «إن تأثير التمركز على نشوء الاحتكارات في الصناعة الضخمة يظهر هنا بصفاء البلور»(5).

لنصف قرن مضى، عندما كتب ماركس مؤلفه «رأس المال» كانت المزاحمة الحرة تبدو «قانونا طبيعيا» في نظر الأكثرية الكبرى من الاقتصاديين. وقد حاول العلم الرسمي أن يقتل عن طريق مؤامرة الصمت مؤلف ماركس الذي برهن بتحليله النظري والتاريخي للرأسمالية على أن المزاحمة الحرة تولد تمركز الإنتاج وعلى أن هذا التمركز يفضي، عند درجة معينة من تطوره، إلى الاحتكار. وقد غدا الاحتكار الآن أمرا واقعا. والاقتصاديون يكتبون أكواما من الكتب واصفين فيها هذه الظاهرة أو تلك من مظاهر الاحتكار ومواصلين الصراخ بنغم واحد: «لقد دحضت الماركسية». ولكن الوقائع أشياء عنيدة كما يقول المثل الانجليزي ولابد للمرء من أن يحسب لها الحساب شاء أم أبى. والوقائع تظهر أن التباين بين مختلف البلدان الرأسمالية من حيث الحماية أو التجارة الحرة مثلا لا ينشأ عنه إلاّ تباين لا شأن له في شكل الاحتكارات أو في زمن نشوئها، في حين أن نشوء الاحتكارات عن تمركز الإنتاج هو القانون العام والأساسي في المرحلة الحديثة من تطور الرأسمالية.

ومن الممكن، بالنسبة لأوروبا، أن يحدد بدقة كبيرة زمن حلول الرأسمالية الحديثة نهائيا محل القديمة. إنه، بالضبط، أوائل القرن العشرين. ونقرأ في مؤلف من أحدث المؤلفات التلخيصية في تاريخ «تشكل الاحتكارات»:

«إن المرحلة السابقة لسنة 1860 تعطي بعض الأمثلة عن الاحتكارات الرأسمالية؛ ومن الممكن أن تكتشف فيها الصور الجنينية للأشكال التي غدت الآن مألوفة تماما، ولكن لا ريب في أن كل ذلك هو بالنسبة للكارتيلات عهد ما قبل التاريخ. إن البداية الحقيقية للإحتكارات الحديثة تقع على أبعد حد في سنوات العقد السابع من القرن التاسع عشر. فالمرحلة الهامة الأولى لتطور الاحتكارات تبتدئ من الانحطاط الصناعي العالمي في العقد الثامن من القرن الماضي وتمتد إلى بداية العقد العاشر». «وإذا بحثنا الأمر على النطاق الأوروبي، وجدنا تطور المزاحمة الحرة قد بلغ أوجه في سنوات العقدين السابع والثامن. ففي ذلك الحين أنجزت انجلترا تنظيمها الرأسمالي على النمط القديم. وفي ألمانيا دخل هذا التنظيم في صراع فاصل مع الصناعتين الحرفية والمنزلية وبدأ ينشئ لنفسه أشكال وجوده».

«لقد بدأ انقلاب كبير منذ أزمة سنة 1873، أو بالأصح، منذ الركود الذي تبعها والذي يملأ 22 سنة من التاريخ الاقتصادي الأوروبي باستثناء انقطاع لا يكاد يلاحظ في مستهل العقد التاسع ونهوض خارق القوة إلاّ أنه قصير وقع سنة 1889». «وفي أثناء مرحلة النهوض القصيرة في سنتي 1889-1890 استخدمت الكارتلات بصورة واسعة للاستفادة من أحوال السوق. إن سياسة غير بصيرة جعلت الأسعار تقفز أسرع وأعلى مما كان حدث في حالة عدم وجود الكارتيلات، وقد هلك معظم هذه الكارتيلات بصورة مزرية في «قبر الانهيار». لقد تلت ذلك خمس سنوات أخرى من الأحوال السيئة والأسعار المنخفضة، بيد أن الحالة النفسية لم تعد ذاتها في الصناعة. فالركود لم يعد ليعتبر أمرا بديهيا، إذ لم يعودوا يرون فيه إلاّ وقفة قبل أحوال جديدة ملائمة.

وها قد دخلت حركة تشكيل الكارتيلات عهدها الثاني. فبعد أن كانت الكارتيلات ظاهرة عرضية، أخذت تصبح أساسا من أسس الحياة الاقتصادية بأكملها. وهي تكتسب فرعا من فروع الصناعة بعد آخر وفي الدرجة الأولى فرع تكييف المواد الخام. وفي مستهل سنوات العقد العاشر وضعت الكارتيلات، بتنظيمها لسينديكا الكوك التي نظمت على طرازها فيما بعد سينديكا الفحم، آلية لتنظيم الكارتيلات لم تمض أبعد منها في الجوهر. أن النهضة الكبيرة في نهاية القرن التاسع عشر وأزمة سنوات 1900-1903 قد جرتا لأول مرة وبصورة تامة تحت شارة الكارتيلات، على الأقل في صناعتي الاستخراج والتعدين. وإذا كان قد غدا الآن في نظر الرأي العام الواسع أمرا بديهيا أن رفعت أهم أقسام الحياة الاقتصادية، كقاعدة عامة، من المزاحمة الحرة فإن ذلك قد بدا آنئذ كشيء جديد»(6).

إن النتائج الأساسية لتاريخ الاحتكارات هي، إذن، الآتية: 1) سنوات العقد السابع والثامن من القرن الماضي هي قمة، ذروة تطور المزاحمة الحرة. لم تكن الاحتكارات غير أجنة بالكاد تلاحظ. 2) بعد أزمة سنة 1873 جاءت مرحلة نادرة ولم تكن وطيدة بعد. إنها ما تزال ظاهرة عرضية. 3) نهضة أواخر القرن التاسع عشر وأزمة سنوات 1900-1903: تصبح الكارتيلات أساسا من أسس الحياة الاقتصادية بأكلها. تحولت الرأسمالية إلى إمبريالية.

تتفق الكارتيلات فيما بينها على شروط المبيع وآجال الدفع وغير ذلك. وهي تقتسم مناطق التصريف، وهي تحدد كمية المنتوجات وهي تعين الأسعار، وهي توزع الأرباح بين مختلف المشاريع وهلم جرا.

لقد بلغ عدد الكارتيلات في ألمانيا على وجه التقريب 250 في سنة 1896 و385 في سنة 1905 تضم حوالي 12 ألف مؤسسة(7). ولكن الجميع يعترفون بأن حتى الـ12 ألف من المشاريع الضخمة تملك وحدها، على ما يبدو، أكثر من نصف مجموع كمية الطاقة البخارية والكهربائية. وقدّر عدد التروستات في الولايات المتحدة بأمريكا الشمالية بـ175 في سنة 1900 وبـ250 في سنة 1907. وتقسم الإحصاءات الأمريكية جميع المشاريع الصناعية إلى ملك لأفراد أو لشركات أو لاتحادات. وكانت هذه الأخيرة تملك في سنة 1904 70.6% وفي سنة 1909 25.9%، أي أكثر من ربع مجموع عدد المشاريع. وكانت تستخدم من العمال في سنة 1904 70.6% وفي سنة 1909 75.6%، أي ثلاثة أرباع المجموع؛ وكانت قيمة إنتاجها في السنتين المذكورتين 10.9 مليار دولار و16.3 مليار دولار، أي 73.7 % و79.0% من المبلغ الإجمالي.

وغالبا ما تتركز في أيدي الكارتيلات والتروستات سبعة أو ثمانية أعشار مجموع الإنتاج في فرع من فروع الصناعة. فسينديكا فحم إقليم الرين-فيستفاليا كانت، عندما تشكلت في سنة 1893، تركز في يدها 86.7% من مجموع إنتاج الفحم في الإقليم، أما في سنة 1910 فقد غدت تركز 95.4%(8). والاحتكار الذي يتكون على هذه الصورة يؤمن المداخيل الطائلة ويؤدي إلى تشكيل وحدات إنتاجية تكنيكية هائلة الحجم. إن تروست النفط الشهير (Standad Oil Company) في الولايات المتحدة قد تأسس في سنة 1900. «وقد بلغ رأسماله 150 مليون دولار. وأصدرت الأسهم العادية بمبلغ 100 مليون والأسهم الممتازة بمبلغ 106 مليون. ودفع لهذه الأخيرة من العائدات في سنوات 1900-1907: 48%، 48%، 45%، 44%، 36%، 40%، 40%، 40%، أي ما مجموعه 367 مليون دولار. ومن سنة 1882 إلى سنة 1907 بلغ الربح الصافي 889 مليون دولار وزع منها على حملة الأسهم 7.7 ملايين وسجل الباقي رأسمالا احتياطيا»(9). «وفي سنة 1907 كان في جميع معامل تروست الفولاذ (United Stats Steel Corporation) ما لا يقل عن 210180 من العمال والمستخدمين. وفي سنة 1908 كان أكبر مشروع في صناعة الاستخراج الألمانية، شركة مناجم غيلسنكيرخين يستخدم 46048 من العمال والمستخدمين»(10). وفي سنة 1902، كان تروست الفولاذ ينتج 9 ملايين طن من الفولاذ(11). وبلغ ما أنتجه من الفولاذ 66.3% في سنة 1901 و56.1% في سنة 1908 من مجموع إنتاج الفولاذ في الولايات المتحدة(12)، وما استخرجه من المعادن في السنتين المذكورتين 43.9% و46.3%.

لقد جاء في تقرير اللجنة الحكومية الأمريكية عن التروستات: «إن تفوقها على المزاحمين يستند إلى ضخامة حجم مشاريعها وإلى تجهيزها التكنيكي الممتاز. فتروست التبغ قد بذل كل جهوده منذ تأسيسه ليحل العمل الآلي محل العمل اليدوي في نطاق واسع وفي جميع الميادين. وقد اشترى لهذا الغرض جميع براءات اختراع التي لها أية علاقة بتحضير التبغ وأنفق على ذلك مبالغ طائلة. وتبين أن الكثير من هذه الاختراعات كان في بادئ الأمر غير صالح وتأتى على المهندسين المستخدمين في التروست ضبطها. وفي أواخر سنة 1906 أنشئت شركتان فرعيتان هدفهما الوحيد شراء براءات الاختراع. وللعرض ذاته أنشأ التروست مصانع الصهر ومصانع الماكينات وورشات التصليح. وإحدى هذه المؤسسات، في بروكلين، تستخدم 300 عامل بالمتوسط، وفيها تجري تجربة الاختراعات وتحسينها لصنع السجائر والنوع الصغير من السيكار والنشوق وأوراق القصدير للف والعلب وغير ذلك(13)». «والتروستات الأخرى تستخدم كذلك ما يسمى (المهندس لتطوير التكنيك)؛ ومهمتهم إيجاد أساليب جديدة للإنتاج وتجربة التحسينات التكنيكية. ويدفع تروست الفولاذ لمهندسيه وعماله جوائز عالية لقاء كل اختراع يحسن التكنيك أو يخفض التكاليف»(14).

وعلى النمط نفسه نظمت قضية التحسينات التكنيكية في الصناعة الألمانية الكبيرة، مثلا في الصناعة الكيميائية التي تطورت بصورة هائلة خلال عشرات السنين الأخيرة. فإن تمركز الإنتاج قد أنشأ في هذه الصناعة نحو سنة 1908 «فريقين» رئيسيين جنحا كذلك، على طريقتهما، إلى الاحتكار. ففي بادئ الأمر، كان هذان الفريقان «تحالفين مزدوجين» بين زوجين من أضخم المعامل رأسمال كل منهما من 20-21 مليون مارك: من جهة معامل مايستر السابق في هوخست وكاسيله في فرانكفورت على الماين؛ ومن الجهة الأخرى معمل الأنيلين والصودا في لودفيغسهافن ومعمل باير السابق في إيلبيرفيلد. ثم، في سنة 1905، عقد أحد الفريقين وفي سنة 1908 عقد الفريق الآخر، كل على انفراد، اتفاقا مع معمل كبير آخر. فكانت النتيجة ظهور «تحالفين ثلاثيين» رأسمال كل منهما من 40-50 مليون مارك فبدأ بين هذين «التحالفين» «التقارب» و«التفاهم» حول الأسعار وغير ذلك(15).

المزاحمة تتحول إلى احتكار. وينتج عن ذلك تقدم هائل في اتخاذ الإنتاج صبغة اجتماعية، بما في ذلك أيضا ميدان الاختراعات والتحسينات التكنيكية.

إنه حال يختلف كل الاختلاف عن المزاحمة الحرة القديمة بين أصحاب أعمال مبعثرين لا يعلم أحدهم شيئا عن أحوال الآخر وينتجون للتصريف في سوق مجهولة. لقد بلغ التمركز حدا غدا معه في الإمكان إجراء جرد تقريبي لجميع مصادر الخامات (مثلا مصادر معدن الحديد) في بلاد معينة أو حتى، كما سنرى، في جملة من البلدان وفي العالم بأسره. ولا يقتصر الأمر على إجراء هذا الجرد، بل وتضع اتحادات احتكارية هائلة أيديها على هذه المصادر وتستولي عليها. ويجري حساب تقريبي لاستيعاب الأسواق التي «تقسمها» هذه الاتحادات فيما بينها على أساس العقود. تحتكر الأيدي العاملة المدربة وتستأجر نخبة المهندسين ويستولي على طرق ووسائط المواصلات – السكك الحديدية في أمريكا، شركات البواخر في أوروبا وأمريكا. فالرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية توصل رأسا إلى إعطاء الإنتاج صبغة اجتماعية شاملة، وهي تجر الرأسماليين، إن أمكن القول، رغم إرادتهم وإدراكهم، إلى نظام اجتماعي جديد، انتقالي من حرية المزاحمة التامة إلى الاصطباغ التام بالصبغة الاجتماعية.

يغدو الإنتاج اجتماعيا، ولكن التملك يبقى خاصا. تظل وسائل الإنتاج الاجتماعية ملكا خاصا لعدد ضئيل من الأفراد. يبقى الإطار العام للمزاحمة الحرة المعترف بها شكليا، ويغدو ظلم حفنة الاحتكاريين لبقية السكان أثقل وأشد بمائة مرة.

لقد كرس الاقتصاد الألماني كستنر مؤلفا خاصا لموضوع «الصراع بين الكارتيلات والدخلاء»، أي أصحاب الأعمال غير المنتظمين للكارتلات. وقد أسمى هذا الكتاب «الإجبار على التنظيم»، في حين كان ينبغي الحديث عن الإجبار على الخضوع لاتحادات الإحتكاريين، وذلك طبعا لكيلا تطلى الرأسمالية بالمساحيق. ومن المفيد أن نلقي نظرة ولو على قائمة الوسائل التي تلجأ إليها اتحادات الاحتكاريين في الصراع الراهن، الحديث، المتمدن، من أجل «التنظيم»: 1) الحرمان من المواد الخام («…طريقة من أهم طرق الإجبار على الانضمام إلى الكارتيل»)؛ 2) الحرمان من الأيدي العاملة عن طريق «الائتلافات» (أي العقود بين الرأسماليين ونقابات العمال بشأن عدم قبول هذه الأخيرة العمل إلاّ في المشاريع المنظمة إلى الكارتيلات)؛ 3) الحرمان من وسائط النقل؛ 4) الحرمان من أسواق التصريف؛ 5) عقود مع الشارين بشأن عدم إقامة العلاقات التجارية إلاّ مع الكارتيلات وحدها؛ 6) تخفيض الأسعار بصورة منظمة (ليفلس «الدخلاء»، أي المشاريع غير الخاضعة للاحتكاريين؛ تنفق الملايين للبيع بأقل من التكاليف خلال زمن معين: فقد حدثت فترات خفضت فيها الأسعار في صناعة البنزين من 40 إلى 22 ماركا، أي نحو النصف! 7) الحرمان من التسليف؛ 8) إعلان المقاطعة.

إن ما نراه ليس بصراع بالمزاحمة بين مشاريع صغيرة وكبيرة، متأخرة التكنيك وراقية التكنيك. إن ما نراه هو خنق الاحتكاريين للذين لا يخضعون للاحتكارات ولظلمها وعسفها. وإليكم صورة انعكاس هذه العملية في ذهن اقتصادي برجوازي:

كتب كستنر: «وحتى في ميدان النشاط الاقتصادي الصرف يجري بعض التحول من النشاط التجاري بمعنى الكلمة السابق إلى نشاط المضاربة التنظيمي. ومن يحرز النجاح الأكبر ليس التاجر الذي تتيح له خبرته الفنية والتجارية أن يحرز على خير وجه حاجات المشترين، أن يجد وأن «يكتشف»، إن أمكن القول، الطلب الموجود في حالة خفية، بل العبقري في المضاربة (؟!) القادر على أن يحسب مقدما أو، على الأقل، أن يحس تطور التنظيم والصلات المحتملة بين هذه أو تلك من المشاريع أو البنوك…».

ومعنى ذلك إذا ترجم إلى لغة الناس أن تطور الرأسمالية قد بلغ حدا تقوض فيه الإنتاج البضاعي فعلا وإن كان ما زال «سائدا» كالسابق وما زال يعتبر أساسا للاقتصاد كله، وتصبح فيه الأرباح الرئيسية من نصيب «عباقرة» الملاعيب المالية. وتقوم هذه الملاعيب والاحتيالات على أساس اكتساب الإنتاج للصفة الاجتماعية، ولكن تقدم البشرية الهائل التي توصلت بعملها إلى حد اكتساب الإنتاج للصفة الاجتماعية يصبح مفيدا… للمضاربين. وسنرى فيما يأتي كيف أن نقاد الإمبريالية الرأسمالية من صغار البرجوازيين الرجعيين يحملون «على هذا الأساس» بالعودة إلى الوراء، إلى المزاحمة «الحرة»، «السلمية»، «الشريفة».

يقول كستنر: «إن ارتفاع الأسعار مدة طويلة كنتيجة لتشكل الكارتيلات لم يلاحظ حتى الآن إلاّ فيما يخص أهم وسائل الإنتاج، ولاسيما الفحم الحجري والحديد والقلى، وبالعكس، لم يلاحظ أبدا فيما يخص المنتوجات الجاهزة. والارتفاع في العائدات الناشئ عن ذلك قد اقتصر أيضا على صناعة وسائل الإنتاج. وينبغي أن نضيف إلى هذه الملاحظة أن صناعة تكييف المواد الخام (لا المصنوعات نصف الجاهزة)، عدا أنها تجني – بفضل تشكل الكارتيلات – الفوائد بشكل أرباح مرتفعة لما فيه خسارة الصناعة المشغولة بإكمال المصنوعات نصف الجاهزة، قد اكتسب حيال هذه الصناعة نوعا من السيطرة لم يكن لها وجود في زمن المزاحمة الحرة»(16).

إن الكلمات التي أشرنا إليها تبين كنه القضية الذي لا يعترف به الاقتصاديون البرجوازيون إلاّ نادرا وبغير رغبة والذي يسعى إلى تجنبه وإهماله جهد طاقتهم المدافعون الحاليون عن الانتهازية وعلى رأسهم كارل كاوتسكي. فعلاقات السيطرة والقسر الناجم عنها هو ما يميز «المرحلة الحديثة في تطور الرأسمالية»، هو ما كان لا بد أن ينتج وما نتج فعلا عن تشكل الاحتكارات الاقتصادية الكلية القدرة.

لنذكر مثلا آخر عن سيطرة الكارتيلات. إن نشوء الكارتيلات وتشكل الاحتكارات هو أمر في غاية السهولة حيث يمكن الاستيلاء على جميع مصادر الخامات أو على القسم الرئيسي من هذه المصادر. ولكن من الخطأ الظن أن الاحتكارات لا تنشأ كذلك في الفروع الصناعية الأخرى التي لا يمكن فيها الاستيلاء على مصادر الخامات. فصناعة الأسمنت تجد الخامات في كل مكان. بيد أن الكارتيلات قد اتحدت المعامل في سينديكات اقليمية: سينديكات جنوب ألمانيا وسينديكات إقليمي الرين-فيستفاليا والخ.. والأسعار هي أسعار الاحتكارات: 230-280 ماركا قيمة عربة القطار في حين أن تكاليفها 180 ماركا! وتعطي المشاريع 12-16% لحملة الأسهم؛ ولكن لا ينبغي أن ننسى أن «عباقرة» المضاربة العصرية يحسنون توجيه مبالغ من الأرباح إلى جيوبهم فضلا عما يوزع على حملة الأسهم. وبغية إزاحة المزاحمة من صناعة تدر مثل هذه الأرباح لا يحجم الاحتكاريون حتى عن الأحابيل: ينشرون إشاعات كاذبة عن سوء الحال في الصناعة، ينشرون في الصحف إعلانات مغفلة: «أيها الرأسماليون! حذار أن توظفوا رؤوس أموالكم في صناعة الأسمنت»، وأخيرا يشترون معامل «الدخلاء» (أي غير المنضمين إلى السينديكات)، ويدفعون لهم «خلوّا» 60-70-150 ألف مارك(17). يشق الاحتكار طريقه في كل مكان وبكل الوسائل، ابتداء من دفع الخلوّ «المتواضع» وانتهاء «بتطبيق» الطريقة الأمريكية لنسف المزاحم بالديناميت.

أمّا قضاء الكارتيلات على الأزمات فهو قصة اختلقها الاقتصاديون البرجوازيون الذين يسعون وراء طلي الرأسمالية بالمساحيق مهما كلف الأمر. بالعكس، إن الاحتكار، عندما ينشأ في بعض الفروع الصناعية، يشدد ويزيد الفوضى التي تلازم الإنتاج الرأسمالي بأكمله. فعدم التناسب بين تطور الزراعة والصناعة، الأمر المميز للرأسمالية بوجه عام، يزداد لدرجة أكبر. إذ أن الوضع الممتاز الذي تجد فيه نفسها الصناعة الأكثر تنظيما في الكارتيلات، ما يسمى بالصناعة الثقيلة، ولاسيما صناعة الفحم والحديد، يفضي، في الفروع الصناعية الأخرى، إلى «انعدام المنهاجية لدرجة أشد» كما يعترف ييدلس الذي وضع كتابا من أحسن الكتب عن «العلاقات بين البنوك الألمانية الكبرى والصناعة»(18).

وقد كتب ليفمن، المدافع عن الرأسمالية دون حياء: «كلما كان الاقتصاد الوطني أكثر تطورا، كلما اتجه نحو المشاريع التي تنطوي على المجازفة أو الموجودة في الخارج، نحو المشاريع التي تحتاج لتطورها زمنا طويلا أو، أخيرا، نحو تلك التي لا يتعدى أهميتها النطاق المحلي»(19). إن ازدياد المجازفة ينشأ في نهاية الأمر عن ازدياد الرأسمال ازديادا هائلا فيفيض، إن أمكن القول، ويتدفق إلى الخارج والخ.. ثم إن تنامي التكنيك بسرعة متزايدة يسفر عن مزيد ومزيد من عناصر عدم التناسب بين مختلف نواحي الاقتصاد الوطني، ومن الفوضى والأزمات. وقد اضطر ليفمن ذاته إلى الاعتراف قائلا: «ربما كان على البشرية أن تواجه مرة أخرى في المستقبل القريب انقلابات كبيرة في حقل التكنيك سيكون لها تأثيرها كذلك على التنظيم الاقتصادي الوطني»… الكهرباء، الطيران…«وفي المعتاد وكقاعدة عامة تشتد المضاربة بقوة في أزمنة التغيرات الاقتصادية الجذرية…»(20).

والأزمات بأنواعها – الاقتصادية في الأغلب، ولكن ليست اقتصادية وحدها – تشدد بدورها، في نطاق واسع، الميل إلى التمركز وإلى الاحتكار. وهاكم أراء ييدلس بليغة الدلالة عن أهمية أزمة سنة 1900، الأزمة التي كانت، كما نعلم، نقطة تحول في تاريخ الاحتكارات الحديثة:

«وحين تفجرت أزمة 1900 كان هناك، إلى جانب المشاريع الهائلة في الفروع الصناعية الرئيسية، عدد كبير من المشاريع ذات التنظيم المتأخر حسب المفهوم الحالي، مشاريع «ساده»» (أي غير المركبة) «رفعتها إلى أعلى موجة النهضة الصناعية. فهبوط الأسعار وانخفاض الطلب قد ساقا هذه المشاريع «الساده» إلى حال من الشدة لم تمس المشاريع الهائلة المركبة بتاتا أو مستها لفترة قصيرة جدا. وبنتيجة ذلك أدت أزمة سنة1900 إلى التمركز الصناعي بمقاييس أكبر جدا من أجمة سنة 1873: فهذه الأخيرة قامت أيضا بنوع من الاصطفاء لأحسن المشاريع، ولكن هذا الاصطفاء لم يمكنه، مع مستوى التكنيك في ذلك العهد، ان يسفر عن احتكار تلك المشاريع التي خرجت من الأزمة ظافرة، وهذا الاحتكار المديد والمتطور جدا هو بالضبط ما تملكه – بفضل تكنيكها المعقد منتهى التعقيد وتنظيمها الدقيق للغاية وقوة رأسمالها – المشاريع الهائلة في صناعتي الحديد والكهرباء الراهنتين ثم، لدرجة أقل، مشاريع صناعة بناء الماكينات وبعض فروع صناعة التعدين وطرق المواصلات وغير ذلك»(21).

الاحتكار هو آخر كلمة لـ«أحدث المراحل في تطور الرأسمالية». ولكن تصورنا لمدى قوة وأهمية الاحتكارات الحديثة يكون غير واف أبدا وغير تام، ومنقوصا إن لم نأخذ بعين الاعتبار دور البنوك..




--------------------------------------------------------------------------------

(1) الأرقام منAnnalen des deutschen Reichs, 1911 Zahn (المجلة السنوية للدولة الألمانية، سنة 1911، تسان. الناشر


(2) Statistical Abstract Of the United States 1912, p202(مجموعة إحصاءات الولايات المتحدة لسنة 1912، ص 202. الناشر)


(3) «الرأسمال المالي»، الترجمة الروسية، ص ص 286-287.


(4) Hans Gideon Heymann. «Die gemischten Werke im deutschen Grobeisengewerbe». Stuttgart, 1904 (SS. 256, 278-279)(هانس غيديون هيمان. «المشاريع المختلطة في صناعة التعدين الألمانية الضخمة». شتوتغارت، سنة 1904 (ص ص 256، 278-279). الناشر


(5) Hermann Levy «Monopole, Kartelle und Trusts». Jena 1909, » SS. 286, 290, 298.. (هرمن ليفي. «الاحتكارات والكارتيلات والتروستات». يينا، سنة 1909، ص ص 286، 297. الناشر)


(6) Te Vogelstein. «Die finanzielle Organisation der Kapitalistischen Industrie und die Monopolbildungen» «Grundrib der Sozialökonomik» في VI Abt., 1914 (ت. فوغلشتين. «التنظيم المالي للصناعة الرأسمالية وتشكل الاحتكارات» في «أسس الاقتصاد الاجتماعي». الفصل السادس، توبتغين، 1914. الناشر.) قارنوا الكتاب للمؤلف نفسه: «Organisationsformen der Eienindustrie und Textilindustrie in England und Amerika» Bd. I, Lpz, 1910الأشكال التنظيمية لصناعتي التعدين والنسيج في انجلترا وأمريكا. المجلد الأول، ليبزيغ، 1910. الناشر).


(7) Dr. Riesser «Die deutschen Grobbanken und ihre Konzentrtion im Zusammenhange mit der Entwicklung der Gesamtwirtschaft in Deutschland». 4 Aufl., 1912, S. 149. R. Liefmann/ «Kartelle und Trusts und die Weiterbildung der volkswirtechaftlichen Organisation». 2. Aufl. 1910, S. 25الدكتور ريسر. «البنوك الألمانية الكبيرة وتمركزها بالاتصال مع التطور الاقتصادي العام في ألمانيا». الطبعة الرابعة، سنة 1912، ص 149. – ر. ليفمن. «الكارتيلات والتروستات واطراد تطور تنظيم الاقتصاد الوطني». الطبعة الثانية، سنة 1910، ص 25. الناشر)


(8) Dr Fritz Kestner. «Der Organisatonszwang. Eine Untersuchung über die Kämpfe zwischen Kartellen und Aubenseitern». Brl., 1912 ص 11 (الدكتور فريتس كستنر. «القسر على التنظيم. دراسة عن الصراع بين الكارتيلات والدخلاء» برلين. الناشر)


(9) R. Liefmann/ «Beteiligungs-und Finanzierungsgesellschaften. Eine Studie über den modernen Kapitalismus und das Effektenwesen». I. Aufl. , Jena, 1909 ص 212 (ر. ليفمن. «شركات الاشتراك والتمويل. دراسة عن الرأسمالية الحديثة وعن دور الأوراق المالية». الطبعة الأولى، يينا. الناشر)


(10) المصدر نفسه، ص 218.


(11) Dr. S/ Tschierschky. «Kartell und Trust». Gött., 1903 ص 13 (الدكتور س. تشيرشكي. «الكارتيل والتروست». غوتينغين. الناشر.).


(12) Th. Vogelstein. «Organisatiosformen، ص 275 (ت. فوغيلشتاين «الاشكال التنظيمية»، ص 275 الناشر).


(13) Report of the Commissioner of Corporation on the Tobacco Industry. Washington, 1909ص 226 (تقرير عضو اللجنة حول الاتحادات في صناعة التبغ. 1909 واشنطن. الناشر). وقد اقتبست الفقرة عن كتاب Dr. Paul Tafel/ «Die nordamerikanschen Trusts und ihre Wirkungen auf den Fortschritt der Technik». Stuttgart, 1913 ص 48 (الدكتور بول تافيلا. «التروستات في أمريكا الشمالية وتأثيرها على تطور التكنيك». شتوتغارت. الناشر).


(14) المصدر نفسه ص ص 48-49.


(15) Rieser ، الكتاب المذكور، ص 547 وما يليها، الطبعة الثالثة. وتفيد الصحف (يونيو 1916) عن إنشاء تروست جديد هائل الضخامة يوحد الصناعة الكيماوية الألمانية.


(16) كستنر. الكتاب المذكور. ص 254


(17) «Zement» von L. Eschwege. «Die Bank», 1909,1 ص 115 وما يليها («الأسمنت» ل. ايشفيغه. مجلة «البنك». الناشر).


(18) Jeidels/ «Das verhältnis der deutschen Grobanken zur Industrie mit besonderer Berücksichtigung der Eisenindustrie». Lpz. , 1905، ص 271 (ييدلس. «العلاقات بين البنوك الألمانية الكبرى والصناعة ولاسيما صناعة التعدين» ليبزغ. الناشر).


(19) ليفمن… ص 434.


(20) ليفمن… ص ص 465-466


(21) Jeidels ، ص 108



الفصل الثاني
البنوك ودورها الجديد

إن وظيفة البنوك الأساسية وأولى هي الوساطة في الدفع. وأثناء ذلك تحول البنوك الرأسمال النقدي غير العامل إلى رأسمال عامل، أي إلى رأسمال يدر الأرباح، وتجمع العائدات النقدية بشتى أنواعها وتضعها تحت تصرف طبقة الرأسماليين.

ومع تطور الشؤون البنكية وتمركزها في مؤسسات قليلة العدد، تتحول البنوك من وسطاء متواضعين إلى احتكارات شديدة الحول والطول تتصرف بمعظم الرأسمال النقدي العائد لمجموع الرأسماليين وصغار أصحاب الأعمال وكذلك بالقسم الأكبر من وسائل الإنتاج ومصادر الخامات في بلاد معينة أو في جملة من البلدان. وتحول الوسطاء الكثيرين المتواضعين إلى حفنة من الاحتكاريين هو وجه أساسي من وجوه صيرورة الرأسمالية إلى امبريالية رأسمالية، ولذا ينبغي لنا أن نتناول في المقام الأول تمركز البنوك.

وفي سنة 1907-1908 كانت الودائع في جميع البنوك الألمانية المساهمة التي يزيد رأسمال كل منها من 1 مليون مارك تبلغ 7 مليارات مارك؛ وفي سنة 1912-1913 بلغت الودائع 9.8 مليار مارك. لقد بلغت الزيادة خلال خمس سنوات 2.8 مليار، أي 40%؛ منها 2.75 مليار مودعة في 57 بنكا رأسمال كل منها 10 ملايين مارك. وكان توزيع الودائع بين البنوك الكبيرة والصغيرة على الصورة الآتية(1):

الودائع بالنسبة المئوية

في البنوك البرلينية التسعة الكبرى في البنوك الـ 48 الأخرى التي يزيد رأسمال كل منها على 10 ملايين مارك في 115 بنكا يبلغ رأسمال كل منها من 1 مليون و10 ملايين مارك في البنوك الصغيرة (رأسمال كل منها أقل من 1 مليون مارك)
سنة 1907-1908
47 32.5 16.5 4
سنة 1912-1913
39 36 12 3

البنوك الصغيرة أزيحت من قبل البنوك الكبرى التي تركز تسعة منها فقط نحو نصف مجموع الودائع. ولكن أشياء كثيرة لم تؤخذ هنا بعين الاعتبار، منها مثلا تحول حملة من البنوك الصغيرة في الواقع إلى فروع للبنوك الكبرى وغير ذلك، الأمر الذي سنتحدث عنه فيما يأتي:

في أواخر سنة 1913 قدر شولتزه-غيفيرنيتز الودائع في البنوك البرلينية التسعة الكبرى بـ 5.1 مليار مارك من مجموع مبلغ من 10 مليارات. وقد كتب المؤلف نفسه آخذا بعين الاعتبار مجموع الرأسمال البنكي، لا الودائع وحدها: «في أواخر سنة 1909، كانت البنوك البرلينية التسعة الكبرى، مع البنوك المرتبطة بها، تدير 11.3 مليار مارك، أي نحو 83% من مجموع ملاغ الرأسمال البنكي في ألمانيا. «فالبنك الألماني» («Deutche Bank») الذي يدير مع البنوك المرتبطة به مبلغا يقرب من 3 مليارات مارك هو، إلى جانب الإدارة البروسية لسكك حديد الدولة، عبارة عن التراكم الأكبر والأقل مركزية للرأسمال في العالم القديم(2).

لقد أشرنا إلى كلمة البنوك «المرتبطة»، لان ذلك يتعلق بخاصة من أهم الخواص المميزة للتمركز الرأسمالي الحديث. فالمشاريع الكبرى، ولاسيما البنوك، لا تبتلع الصغيرة بصورة مباشرة وحسب، بل «تربط»ـها بنفسها وتخضعها وتضمها إلى «مجموعتـ»ـها، إلى «كونسرنـ»ـها حسب التعبير الفني، وذلك عن طريق «الاشتراك» في رأسمالها، عن طريق شراء أو تبادل الأسهم، عن طريق نظام القروض وهلم جرا وغير ذلك. لقد كرس البروفيسور ليفمن «مؤلفا» ضخما بلغ خمسمائة صفحة لوصف «شركات الاشتراك والتمويل» الحديثة(3)، ولكنه، للأسف، يضيف محاججات «نظرية» هزيلة إلى مواد لم يحسن تدبيرها في الأغلب. ومؤلف «البنكير» ريسر عن البنوك الألمانية الكبرى يبين أحسن من أي مؤلف آخر النتيجة التي تسفر عنها طريقة «الإشتراك» هذه من وجهة نظر التمركز. ولكن قبل أن ننتقل لبحث معطياته نذكر مثلا عمليا عن طريقة «الاشتراك».

«مجموعة» « البنك الألماني» هي من أكبر مجموعات البنوك الكبرى إن لم تكن أكبرها. ولكيما نتبين الخيوط الرئيسية التي تربط جميع بنوك هذه المجموعة ينبغي أن نميز «اشتراك» الدرجات الأولى والثانية والثالثة أو، وهو الأمر نفسه، التبعية (البنوك الأصغر «للبنك الألماني») من الدرجات الأولى والثانية والثالثة. ونحصل على الصورة التالية(4):

تبعية الدرجة الأولى تبعية الدرجة الثانية تبعية الدرجة الثالثة
«البنك الألماني» يشترك بصورة دائمة في 17 بنكا منها 9 تشترك في 34 بنكا آخر منها 4 تشترك في 8 بنوك أخرى
بصورة مؤقتة في 5 بنوك - -
من وقت لآخر في 8 بنوك منها 5 تشترك في 14 بنكا آخر منها 2 تشترك في 2 بنكا آخر
المجموع في 30 بنكا منها 14 تشترك في 48 بنكا آخر منها 6 تشترك في 9 بنكا آخر



في العدد الـ8 بنوك «من تبعية الدرجة الأولى» التي تخضع «للبنك الألماني» «من وقت لآخر» ثلاثة بنوك أجنبية: إحدها نمساوي («الاتحاد البنكي» في فيينا «Bankverein») وإثنان روسيان (البنك التجاري السيبيري والبنك الروسي للتجارة الخارجية). ومجموعة «البنك الألماني» تضم مباشرة وغير مباشرة، كليا وجزئيا 17 بنكا؛ ومجمل الرأسمال الذي تتصرف به مجموعة «البنك الألماني» – رأسمالها الخاص والودائع – يقدر بـ 2-3 مليارات مارك.

ومن الواضح أن بنكا يرأس مجموعة كهذه ويعقد اتفاقات مع نصف دزينة من البنوك الأخرى، لا تقل عنه في قوتها إلاّ قليلا، من أجل العمليات المالية الكبيرة جدا والمفيدة للغاية كمنح القروض للدولة، قد شب عن دور «الوسيط» وغدا اتحادا لحفنة من الاحتكاريين.
إن الأرقام التالية التي ننقلها باختصار عن ريسر تظهر بأية سرعة جرى تمركز البنوك في ألمانيا بالضبط في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20:

لدى ستة من البنوك البرلينية الكبرى

سنوات فروع في ألمانيا صناديق ودائع ومكاتب صرفية اشتراك دائم في البنوك المساهمة الألمانية مجموع المستندات
1895 16 14 1 42
1900 21 40 8 80
1911 104 276 63 450

وهكذا نرى كيف تتسع بسرعة شبكة القنوات الكثيفة شاملة البلاد من أقصاها إلى أقصاها ومركزة جميع الرساميل والمداخيل النقدية وجاعلة من الألوف المؤلفة من المشاريع المبعثرة اقتصادا رأسماليا وطنيا موحدا ثم اقتصادا رأسماليا عالميا. أمّا «عدم التمركز» الذي تحدث عنه باسم الاقتصاد السياسي البرجوازي في أيامنا شولتزه-غيفيرنيتز في الفقرة المثبتة أعلاه فهو يتلخص في الواقع بأنه يخضع لمركز واحد عدد متزايد من الوحدات الاقتصادية التي كانت فيما مضى «مستقلة» نسبيا أو، بالأصح، ذات طابع محلي بحت. ومعنى ذلك في الواقع أن هنالك تمركزا وارتفاعا لشأن الاحتكارات العملاقة ولأهميتها وبأسها.

و«شبكة البنوك» هذه هي أكثر كثافة أيضا في البلدان الرأسمالية الأقدم. ففي إنجلترا مع ارلنده بلغت فروع جميع البنوك في سنة 1910- 7151. وكان لدى كل بنك من البنوك الأربعة الكبرى أكثر من 400 فرع (من 447 إلى 689)، وكانت هناك 4 بنوك أخرى لدى كل منها أكثر من 300، و 11 بنكا لدى كل منها أكثر من 100 فرع.

وفي فرنسا طورت البنوك الكبرى الثلاثة، «Crédit Lyonnais» («كريدي ليونيه»)، «Comptoir National» («كونتوار ناسيونال») و«Société Générale» («سوسييتي جينرال»)(5) عملياتها وشبكة فروعها على الشكل التالي(6):

أعوام عدد الفروع والصناديق الرأسمال
في المقاطعات في باريس المجموع الخاص الودائع
(بملايين الفرنكات)
1870 48 17 64 200 427
1890 192 66 258 200 427
1909 1033 196 1229 260 1245

ولوصف «روابط» البنك الكبير الحديث يذكر ريسر أرقاما عن عدد الرسائل التي وجهتها وتلقتها «شركة الخصم» («Disconto-gesellschaft») وهي بنك من أكبر البنوك في ألمانيا وفي العالم كله (لقد بلغ رأسمالها في سنة 1914- 300 مليون مارك):

عدد الرسائل

أعوام الواردة الصادرة
1852 6130 6292
1870 85800 87513
1900 533102 626043

وفي البنك الباريسي الكبير «كريدي ليونيه» ارتفع عدد الحسابات الجارية من 28535 في سنة 1875 إلى 633539 في سنة 1912 (7).

نحسب أن هذه الأرقام البسيطة تظهر بصورة أوضح من الشروح المسهبة كيف تتبدل أهمية البنوك بشكل جذري مع تمركز الرأسمال وتزايد عملياتها. فمن الرأسماليين المبعثرين يتكون رأسمالي واحد مشترك. وإذ يقوم البنك بالحسابات الجارية لعدد من الرأسماليين يبدو وكأنه يقوم بعملية تكنيكية بحتة، بعملية مساعدة لا غير. ولكن عندما تبلغ هذه العملية مقاييس هائلة تكون النتيجة أن حفنة من الاحتكاريين تخضع لنفسها العمليات التجارية والصناعية في المجتمع الرأسمالي كله، إذ تتوفر لها – بفضل الصلات بين البنوك وعن طريق الحسابات الجارية والعمليات المالية الأخرى – الإمكانية لتعرف في أي بادئ الأمر على وجه الدقة حالة الأعمال لدى كل رأسمالي على حدة ثم للإشراف عليهم والتأثير عليهم عن طريق توسيع أو تضييق، تسهيل أو تصعيب التسليف، وأخيرا لتقرر بصورة تامة مصائرهم، لتحدد مداخليهم، لتحرمهم من الرأسمال أو لتمكنهم من تضخيم رساميلهم بسرعة وبمقادير هائلة، الخ.

ذكرنا الآن أن رأسمال «شركة الخصم» في برلين يبلغ 300 مليون مارك. وهذا الإزدياد لرأسمال «شركة الخصم» كان حادثا من حوادث الصراع من أجل السيطرة بين بنكين من أكبر البنوك البرلينية هما «البنك الألماني» و«شركة الخصم». ففي سنة 1870 كان الأول مبتدئا لم يزد رأسماله عن 15 مليونا وبلغ رأسمال الثاني 30 مليونا. وفي سنة 1908 بلغ رأسمال الأول 200 مليون ورأسمال الثاني 170 مليونا. وفي سنة 1914 رفع الأول رأسماله إلى 250 مليونا ورفع الثاني رأسماله عن طريق الإندماج ببنك كبير آخر من الدرجة الأولى «بنك شافهاوزن الاتحادي» إلى 300 مليون. وغني عن البيان أن هذا الصراع من أجل السيطرة يجري بمحاداة «الاتفاقات» المتوافرة المتوطدة بين البنكين. وهاكم الاستنتاجات التي يوحيها مجرى هذا التطور للاختصاصيين في الشؤون البنكية الذين يعالجون الأمور الاقتصادية من وجهة نظر لا تتعدى بحال حدود الإصلاحية البرجوازية الأكثر اعتدالا والأكثر كياسة:

كتبت المجلة الألمانية «البنك» بشأن ازدياد رأسمال «شركة الخصم» إلى 300 مليون قائلة: «ستنخرط البنوك الأخرى في الطريق نفسه، ومن الـ300 شخص الذين يديرون ألمانيا اقتصاديا في الوقت الحاضر لن يبقى مع مر الزمن إلاّ 50 أو 25 أو أقل من ذلك. ولا يصح أن ننتظر أن تقتصر حركة التمركز الجديدة على ميدان البنوك وحده. فالروابط الوثيقة القائمة بين بعض البنوك تؤدي بطبيعة الحال إلى التقارب بين سينديكات الصناعيين التي تتمتع بحماية هذه البنوك… سنستيقظ في صباح ما فيدهشنا أن لا نرى أمام عيوننا إلاّ التروستات وحدها؛ وسنرى أنفسنا أمام ضرورة الاستعاضة عن الاحتكارات الخاصة باحتكار حكومة. ومع ذلك فليس هنالك في الجوهر ما نلون أنفسنا عليه، اللهم إلاّ تركنا الحبل على الغارب أمام مجريات الأمور، التي زادت الأسهم قليلا من سرعتها»(8).

إنه مثل على عجز الصحافة البرجوازية التي لا يمتاز عنها العلم البرجوازي إلاّ بكونه أقل إخلاصا وبنوعيه إلى طمس جوهر الأمر وإلى تغطية الغابة ببعض شجرات. «استغراب» نتائج التمركز؛ «لوم» حكومة ألمانيا الرأسمالية أو «المجتمع» الرأسمالي («نحن»)؛ الخوف من أن «يعجل» إدخال الأسهم التمركز، كما يخاف أحد الألمان الاختصاصيين بـ«الكارتيلات»، تشيرشكي، من التروستات الأمريكية و«يفضل» الكارتيلات الألمانية لأنها لا تستطيع على ما يزعم، «أن تعجل لهذا الحد الخارق، كالتروستات، سير التقدم التكنيكي والاقتصادي»(9)، – أفليس هذا هو العجز؟

بيد أن الأمر الواقع هو الأمر الواقع. ليس في ألمانيا تروستات، ففيها الكارتيلات «فقط»؛ ولكن ألمانيا يديرها ما لا يزيد عن 300 من طواغيت الرأسمال. ويتضاءل عدد هؤلاء باستمرار. أمّا البنوك فهي، في جميع الحالات وفي جميع البلدان الرأسمالية ومهما تنوع التشريع البنكي الذي تخضع له، تقوي وتعجل لحد كبير سير تمركز الرأسمال وتشكل الاحتكارات.

لقد كتب ماركس منذ نصف قرن في مؤلفه «رأس المال» أن «البنوك تنشئ على النطاق الاجتماعي شكلا، وشكلا فقط، لا غير، للمحاسبة العامة والتوزيع العام لوسائل الإنتاج» (الترجمة الروسية، المجلد 3، الجزء2، ص 144). إن ما ذكرناه من معطيات عن تزايد الرأسمال البنكي وعن تزايد عدد مكاتب وفروع البنوك الكبرى وعدد حساباتها الجارية وغير ذلك يبين لنا بصورة جلية هذه «المحاسبة العامة» لطبقة الرأسماليين جميعها، وحتى غير الرأسماليين لأن البنوك تجمع، ولو لوقت ما، مختلف أنواع المداخيل النقدية العائدة لصغار أصحاب الأعمال والموظفين والمرتبة العليا الضئيلة من العمال. «التوزيع العام لوسائل الإنتاج» هو ما ينجم، من ناحية الأمر الشكلية، عن البنوك الحديثة التي تتصرف، في شخص ثلاثة أو ستة بنوك ضخمة في فرنسا وستة أو ثمانية في ألمانيا، بالمليارات العديدة. ولكن هذا التوزيع لوسائل الانتاج ليس/ من حيث مضمونه، «بعام» فقط، بل هو خاص، أي أنه يتم وفق مصالح الرأسمال الضخم، وفي الدرجة الأولى الرأسمال الأضخم، الإحتكاري، الذي يعمل في ظروف يقاسي فيها جمهور السكان شظف العيش ويتأخر فيها تطور الزراعة برمته تأخرا يدعو للقنوط عن تطور الصناعة، بينما يتقاضى فرع واحد منها، «الصناعة الثقيلة»، الجزية من سائر فروعها الأخرى.

وفي أمر صبغ الاقتصاد الرأسمالي بالصبغة الاجتماعية بدات تنافس البنوك صناديق التوفير ودوائر البريد، وهو «أبعد عن المركزية»، أي أنها تشمل في دائرة نفوذها عددا أكبر من المناطق، عددا أكبر من الزوايا النائية، وفئات أوسع من السكان. إن لجنة أمريكية قد جمعت الأرقام التالية التي تظهر بالمقارنة مجرى تزايد الودائع في البنوك وفي صناديق التوفير(10):

الودائع (بمليارات الماركات)

إنجلترا فرنسا ألمانيا
في البنوك في صناديق التوفير في البنوك في صناديق التوفير في البنوك في شركات التسليف في صناديق التوفير
1880 8.4 1.6 ؟ 0.9 0.5 0.4 2.6
1888 12.4 2.0 1.5 2.1 1.1 0.4 4.5
1908 23.2 4.2 3.7 4.2 8.1 2.2 13.9

إن صناديق التوفير التي تدفع للودائع 4% أو 4.25% مضطرة للبحث عن فرص لتوظيف رأسمالها بصورة «رابحة» وللاندفاع إلى عمليات شراء وبيع الكمبيلات والرهون وغير ذلك. «تمحى شيئا فشيئا» الحدود بين البنوك وصناديق التوفير. وتطلب الغرف التجارية في بوخوم وارفورت مثلا «منع» صناديق التوفير من مزاولة العمليات البنكية «الصرف» كخصم الكمبيلات، وتطلب تقييد النشاط «البنكي» لدوائر البريد(11). ويبدو أن ملوك البنوك يخشون من أن يترصد لهم احتكار الدولة حيث لا ينظرونه. ولكن من البديهي أن هذا الخوف لا يتعدى، إن أمكن القول، حدود المنافسة بين مديري قسمين من أقسام مؤسسة بعينها. ذلك لأن طواغيت الرأسمال البنكي هم في الواقع الذين يتصرفون في نهاية الأمر بالمليارات من الرساميل المودعة في صناديق التوفير، هذا من جهة؛ ولأن احتكار الدولة في المجتمع الرأسمالي ليس، من الجهة الأخرى، إلاّ وسيلة لزيادة وتوطيد مداخيل أصحاب الملايين الموشكين على الإفلاس في هذا أو ذاك من الفروع الصناعية.

إن حلول الرأسمالية الجديدة التي يسيطر فيها الاحتكار محل القديمة التي تسيطر فيها المزاحمة الحرة يتجلى فيما يتجلى في انحطاط أهمية البورصة. فقد كتبت مجلة «البنك»: «إن البورصة قد كفت من أمد بعيد عن أن تكون الوسيط الذي لا يستغني عنه في التداول كما كانت فيما مضى، قبل أن يصبح بإمكان البنوك أن توزع بين زبائنها القسم الأكبر من الأوراق المالية الصادرة»(12).

««كل بنك - بورصة». إن هذه العبارة التي جرت مجرى الأمثال في الزمن الحديث تتضمن من الحقيقة قدرا يغدو أكبر بمقدار تضخم البنك وبمقدار ما يحوز التمركز نجاحات أكبر في ميدان النشاط البنكي»(13). «وإذا كانت البورصة فيما مضى، في السبعينات، مع ما كانت تتصف به من نزق الشباب» (تلميح «ناعم» إلى إفلاس البورصة في سنة 1873 وإلى فضائح غروندير وغير ذلك) «قد فتحت عهد تصنيع ألمانيا، فقد إذا بإمكان البنوك والصناعة في الوقت الحاضر أن «تنهض بالأمر وحدها». فسيطرة بنوكنا الكبرى على البورصة… ليس إلاّ تعبيرا عن الدولة الصناعية الألمانية المنظمة أكمل تنظيم. وإذا كان نطاق تأثير القوانين الاقتصادية النافذة أوتوماتيكيا يتقلص بهذا الشكل ويتسع، لحد خارق، نطاق الضبط الواعي من خلال البنوك، فبنتيجة ذلك تزداد لدرجة كبرى مسؤولية العدد القليل من القواد على الإقتصاد الوطني» – هذا ما كتبه البروفيسور الألماني شولتزه –غيفيرنيتز(14) المدافع عن الإمبريالية الألمانية والذي يعتبر شخصا نافذ الكلمة عند الامبرياليين في جميع البلدان ويسعى إلى طمس «أمر تافه» هو أن هذا «الضبط الواعي» من خلال البنوك يتلخص في نهب الجمهور من قبل حفنة من الاحتكاريين «المنظمين أكمل تنظيم». فإن مهمة البروفيسور البرجوازي ليست في كشف أحابيل الاحتكاريين أصحاب البنوك ولا فضح احتيالاتهم، بل في تجميلها.

وكذلك ريسر، الاقتصادي و«البنكير» الأبعد صيتا، يكتفي بعبارات فارغة بصدد وقائع يستحيل انكارها: «تفقد البورصة أكثر فأكثر خاصيتها التي لا غنى عنها مطلقا للاقتصاد كله ولتداول الأوراق المالية، وهي كونها المقياس الأكثر دقة، وكذلك ضابطا للحركات الاقتصادية المتجهة نحوها، يعمل بصورة أوتوماتيكية تقريبا»(15).

وبعبارة أخرى: إن الرأسمالية القديمة، رأسمالية المزاحمة الحرة مع ضابطها الذي لا يمكنها الاستغناء عنه، البورصة، تغيب في طيات الماضي. تحل محلها رأسمالية جديدة تتسم بسمات انتقالية بينة، بسمات مزيج من المزاحمة الحرة والاحتكار. وهنا يخطر عفوا على البال السؤال التالي: ألامَ «تنتقل» هذه الرأسمالية الحديثة؟ ولكن العلماء البرجوازيين يخافون من طرح هذا السؤال.

«منذ ثلاثين سنة كان أصحاب الأعمال المتزاحمون بحرية يقومون بتسعة أعشار الجهد الاقتصادي الخارج عن نطاق عمل «العمال» الجسدي. وفي الوقت الحاضر يقوم الموظفون بتسعة أعشار هذا الجهد الفكري في الاقتصاد. والنشاط البنكي يتقدم هذا التطور»(16) إن هذا الإعتراف من شولتزه-غيفيرنيتز يسوقنا مرة أخرى إلى السؤال عمَّا تنتقل إليه الرأسمالية الحديثة، الرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية.

بين العدد الضئيل من البنوك التي تبقى في رأس الاقتصاد الرأسمالي بأكمله بحكم سير التمركز يظهر بصورة طبيعية ويشتد أكثر فأكثر الميل إلى الاتفاق الاحتكاري، إلى تروست بين البنوك. ليس في أمريكا تسعة بنوك، بل بنكان من أكبر البنوك عائدان لصاحبي المليارات روكفلر ومورغان، يسيطرون على رأسمال مقداره 11 مليار مارك(17). لقد أشرنا فيما تقدم إلى ابتلاع «شركة الخصم» «لبنك شافهاوزن الإتحادي» في ألمانيا. وقد أعطت جريدة «فرانكفورت زايتونغ» المعبرة عن مصالح البورصة لهذا الأمر التقدير التالي:

«مع اشتداد تمركز البنوك تتقلص دائرة المؤسسات التي يمكن بوجه عام أن تطلب منها القروض، وبحكم ذلك تشتد تبعية الصناعة الكبيرة لعدد ضئيل من المجموعات البنوك. وفي ظل الصلة الوثقى القائمة بين الصناعة وعالم رجال المال تقيد حرية حركة الشركات الصناعية المحتاجة لرأسمال البنوك. ولهذا تنظر الصناعة الكبيرة إلى اشتداد تكتل البنوك في التروستات (انضمام أو تحول إلى تروستات) بمشاعر مختلطة؛ الواقع أنه قد لوحظت مرارا بوادر إتفاقات معينة بين هذه أو تلك من اتحادات البنوك الكبرى، اتفاقات هدفها تقييد المزاحمة»(18).

وها نحن نرى مرة أخرى أن الكلمة الأخيرة في تطور النشاط البنكي هي الاحتكار.

أمّا بخصوص الصلة الوثقى القائمة بين البنوك والصناعة، ففي هذا الميدان بالضبط يبدو دور البنوك الجديدة ربما بأجلى شكل. فإذا كان البنك يقوم بخصم كمبيلات هذا الصناعي أو ذاك ويفتح له حسابا جاريا الخ.، فإن هذه العمليات مأخوذة على حدة لا تحد من استقلال هذا الصناعي قيد أنملة ولا يتعدى البنك دوره كوسيط متواضع. ولكن عندما تكثر هذه العمليات وتتوطد، وعندما «يجمع» البنك بين يديه مقادير هائلة من الرساميل وعندما يكون القيام بعمليات الحساب الجاري لهذا المشروع يمكن البنك من أن يعرف – وهذا ما يحدث في المعتاد – بصورة أدق وأكمل حالة الزبون الاقتصادية، تكون النتيجة خضوع الرأسمالي الصناعي للبنك خضوعا أكثر فأكثر.

وإلى جانب ذلك يتطور، إن أمكن القول، الاتحاد الشخصي بين البنوك والمشاريع الصناعية والتجارية الكبرى واندماج هذه وتلك عن طريق تملك الأسهم، عن طريق دخول مدراء البنوك في عضوية مجالس مراقبة (أو مجالس إدارة) المشاريع الصناعية والتجارية، وبالعكس. لقد جمع الاقتصادي الألماني ييدلس معلومات مفصلة عن هذا الشكل من تمركز المشاريع. فثمة ستة بنوك برلينين كبرى كانت ممثلة بواسطة مدرائها في 344 شركة صناعية وبواسطة أعضاء مجالس إدارتها في 407 شركات أخرى، أي في 751 شركة بالمجموع. وكان لها في 289 من هذه الشركات إمّا عضوان في مجالس المراقبة أو منصب الرئاسة في هذه المجالس. وبين هذه الشركات الصناعية التجارية نصادف مختلف فروع الصناعة والتأمين وطرق المواصلات والمطاعم والمسارح وصناعة المنتوجات الفنية وغير ذلك. ومن الجهة الأخرى وجد (في سنة 1910) في مجلس مراقبة هذه البنوك الستة نفسها 51 من كبار الصناعيين منهم مدير شركة كروب، ومدير شركة البواخر الهائلة «Hapag» (Hamburg-Amerika) (19) وهلم جرا والخ.. ومن سنة 1895 إلى سنة 1910 اشترك كل من هذه البنوك الستة في اصدار الأسهم والسندات لمئات عديدة من الشركات الصناعية، أي من 281 إلى 419 شركة(20).

«الإتحاد الشخصي» بين البنوك والصناعة يكتمل بـ«الاتحاد الشخصي» بين هذه وتلك والحكومة. فقد كتب ييدلس: «يقدمون المقاعد في مجالس المراقبة عن طيبة خاطر للشخصيات ذات الأسماء الطنانة وكذلك للموظفين سابقا في جهاز الدولة الذين يمكنهم أن يسهلوا (!!) لدرجة كبيرة العلاقات مع السلطات»… «ففي مجلس مراقبة بنك كبير نجد في المعتاد أحد النواب أو أحد أعضاء مجلس بلدية برلين».

إن رسم وتكوين الاحتكارات الكبيرة الرساميل، إذا أمكن القول، يجريان اذن على قدم وساق وبكل الطرق «الطبيعية» و«الخارقة». ويتم بصروة منتظمة نوع من تقسيم للعمل بين عدة مئات من ملوك المال في المجتمع الرأسمالي الحديث:

«إلى جانب هذا الاتساع لميدان نشاط البعض من كبار الصناعيين» (الذين يدخلون في مجالس إدارة البنوك وغير ذلك) «ووضع منطقة صناعية معينة واحدة فقط تحت إشراف مدراء فروع البنوك في المناطق يحدث شيئا فشيئا التخصص بين مدراء البنوك الكبرى. وهذا التخصص أمر غير ممكن إلاّ في حالة ضخامة المؤسسة البنكية على العموم وسعة نطاق علاقاتها بالصناعة على الخصوص. ويجري تقسيم العمل هذا في اتجاهين: من جهة تعهد جميع العلاقات بالصناعة لأحد المدراء لتكون ميدانه الخاص، ومن الجهة الأخرى يأخذ كل مدير على نفسه مراقبة هذا المشروع أو ذاك أم مجموعة من المشاريع المتشابهة من حيث المهنة أو المصلحة»… (لقد بلغت الرأسمالية درجة المراقبة المنظمة على مختلف المشاريع)… «اختصاص هذا المدير هو الصناعة الألمانية وأحيانا صناعة ألمانيا الغربية وحدها» (ألمانيا الغربية هي من وجهة نظر الصناعة القسم الأكثر تطورا في ألمانيا)، «ويتخصص الآخرون بالعلاقات مع الدول الصناعية الأجنبية وبجمع المعلومات عن شخصيات الصناعيين والخ.، وبقضايا البورصة وهلم جرا. وفضلا عن ذلك غالبا ما يكلف كل مدير من مدراء البنك بشؤون منطقة معينة أو فرع صناعي معين؛ فيعمل أحدهم بصورة رئيسية في مجالس مراقبة شركات الكهرباء وآخر في المعامل الكيميائية، أو في معامل الجعة أو معامل السكر، ويعمل ثالث في المشاريع القليلة المنعزلة وإلى جانب ذلك في مجالس مراقبة شركات التأمين… وباختصار، لا ريب في أنه بمقدار اتساع العمليات وتنوعها يتسع في البنوك الكبرى تقسيم العمل بين المدراء بقصد (وعلى أن تكون النتيجة) رفعهم قليلا ما، إن أمكن القول، إلى ما فوق مستوى الشؤون البنكية الصرف، بقصد جعلهم أهلا لتفهم مجريات الأمور وأكثر تضلعا في المسائل الصناعية العامة وفي المسائل الخاصة بكل فرع من فروع الصناعة ولأعدادهم للعمل في منطقة نفوذ البنك الصناعية. نظام البنوك هذا يكتمل بميلها إلى أن ينتخب لمجلس مراقبتها أناس ذوو خبرة واسعة في الشؤون الصناعية وصناعيون وموظفون سابقون ولاسيما أولئك الذين خدموا في إدارات السكك الحديدية والمناجم» وهلم جرا(21).

ونجد في الميدان البنكي في فرنسا مؤسسات من ذات النوع مع اختلاف جد يسير. «فالكريدي ليونيه»، مثلا، أحد البنوك الفرنسية الثلاثة الكبرى، قد نظم لديه «إدارة خاصة لجمع المعلومات المالية» (service des études financières) ويعمل في هذه الإدارة بصورة دائمة أكثر من خمسين شخصا من المهندسين والخبراء في الاحصاء والاقتصاديين والحقوقيين الخ.. وتكلف هذه الإدارة من 600 إلى 700 ألف فرنك في السنة. وتنقسم هذه الإدارة بدورها إلى ثمانية أقسام: قسم مختص بجمع المعلومات عن المشاريع الصناعية ويدرس القسم الآخر الاحصاءات العامة ويدرس القسم الثالث شركات السكك الحديدية والبواخر والرابع الأرصدة والخامس التقارير المالية والخ(22).

وتكون النتيجة، من جهة، اندماج متزايد، أو كما أحسن التعبير بوخارين، اقتران الرأسمال البنكي والصناعي؛ ومن الجهة الأخرى، صيرورة البنوك إلى مؤسسات ذات «طابع شامل» حقا. ونرى من الضروري أن نورد بالنص عبارات ييدلس حول هذه المسألة، وهو الكاتب الذي درس المسألة أحسن من الآخرين:

«بنتيجة دراسة العلاقات الصناعية بمجموعها نقرر أن المؤسسات المالية التي تعمل للصناعة هي ذات طابع شامل. فعلى نقيض الأشكال الأخرى للبنوك، على نقيض المطالب التي تصاغ أحيانا في المطبوعات والقائلة بأنه ينبغي على البنوك أن تتخصص في ميدان معين أو فرع صناعي معين لكيلا تفقد الأرض تحت قدميها، – تسعى البنوك الكبرى وراء جعل علاقاتها مع المشاريع الصناعية متنوعة إلى أقصى حد ممكن من حيث الأماكن والإنتاج، تسعى وراء إزالة عدم التناسب في توزيع الرساميل بين مختلف المناطق أو الفروع الصناعية، عدم التناسب الذي يجد تفسيره في تاريخ مختلف المشاريع». «هناك اتجاه يتلخص في جعل هذه العلاقات بالصناعة ظاهرة عامة؛ واتجاه آخر يتلخص في جعل هذه العلاقات وطيدة وفعالة؛ وقد طبق الاتجاهان في البنوك الستة الكبرى، إن لم يكن بصورة كاملة، ففي نطاق واسع وبدرجة واحدة».

غالبا ما تشكو الأوساط الصناعية والتجارية من «إرهاب» البنوك. وهل من مجال لاستغراب هذه الشكاوى إذا كانت البنوك الكبرى «تتحكم» كما يظهر المثال التالي: في 19 نوفمبر سنة 1901 وجه أحد البنوك البرلينية المسمات «د» (أسماء البنوك الأربعة الكبرى تبدأ بحرف د) إلى مجلس إدارة سينديكا الأسمنت في وسط وشمال غرب ألمانيا الرسالة التالية: «يتضح من النبأ الذي نشر تموه في الثامن عشر من الشهر الجاري في الجريدة الفلانية أن علينا أن نأخذ بالحسبان أنه يحتمل أنكم ستتخذون في الجمعية العمومية التي ستعقدها سينديكاتكم في الثلاثين من الشهر الجاري قرارات يمكنها أن تحدث في مشروعكم تغييرات لا يسعنا قبولها. ولذلك فنحن، مع مزيد أسفنا، مضطرون إلى قطع الاعتماد الذي فتحناه لكم… ولكن إذا لم تتخذ في هذه الجمعية العمومية قرارات لا يسعنا قبولهل وإذا قدمت لنا الضمانات المناسبة حول هذا الشأن فيما يخص المستقبل فنحن نعرب عن استعدادنا للشروع في مداولات بقصد فتح اعتماد جديد لكم»(23).

إنها في جوهر الأمر عين شكاوى الرأسمال الصغير من ظلم الرأسمال الكبير، ولكن في هذه الحالة وقع في فئة «الصغار» سينديكا برمته! إن الصراع القديم بين الرأسمال الصغير والرأسمال الكبير يستأنف في درجة من التطور جديدة، أعلى جدا. ومن المفهوم أن مؤسسات البنوك الكبرى التي تتصرف بالمليارات يمكنها كذلك أن تدفع إلى الأمام تقدم التكنيك بوسائل لا يمكن أن تقارن بوجه مع الوسائل السابقة. فالبنوك تؤسس، مثلا، جمعيات خاصة للأبحاث التكنيكية لا تنتفع بنتائج دراساتها إلاّ المشاريع الصناعية «الصديقة» طبعا. ومن هذه الجمعيات «جمعية دراسة مسألة السكك الحديدية الكهربائية» و«المكتب المركزي للأبحاث العلمية والتكنيكية» وهلم جرا.

ولا ريب في أن المشرفين على البنوك الكبرى أنفسهم يرون أن ظروفا جديدة للاقتصاد الوطني آخذة في التكوين؛ ولكنهم عاجزون إزاءها.

يقول ييدلس: «إن من تتبع أثناء السنوات الأخيرة تبدل الأشخاص في مناصب المدراء وأعضاء مجالس المراقبة في البنوك الكبرى لا يمكنه ألاّ يرى انتقال السلطة بالتدريج إلى أيدي أشخاص يعتبرون التدخل النشيط في التطور الصناعي العام مهمة الزامية من مهام البنوك الكبرى تغدو ملحة أكثر فأكثر، علما بأن ذلك هو مبعث التباعد بين هؤلاء الأشخاص ومدراء البنوك القدماء على الصعيد العملي وغالبا على الصعيد الشخصي أيضا. والقضية هي، في الجوهر، قضية ما إذا كانت البنوك، بوصفها مؤسسات تسليف، لا تتضرر من تدخل البنوك هذا في مجرى الإنتاج الصناعي، وما إذا كانت لا تضحي بالمبادئ الوطيدةوالأرباح الأكيدة من أجل نشاط لا يجمعه جامع بدورها كوسيط في التسليف ويدفع البنوك إلى صعيد تكون فيه أكثر من السابق خاضعة لتقلبات الأحوال الصناعية العمياء. هذا ما يقوله الكثيرون من مدراء البنوك القدماء؛ أمّا أكثر المدراء الشباب فيعتبرون التدخل النشيط في المسائل الصناعية لا يختلف عن الضرورة التي نشأت عنها البنوك الكبرى والمشاريع الصناعية البنكية الحديثة في وقت واحد مع الصناعة الضخمة الحديثة. ويتحقق الجانبان حول نقطة واحدة هي عدم وجود أية مبادئ وطيدة أو هدف معين لنشاط البنوك الكبرى الجديد»(24).

انقضى عهد الرأسمالية القديمة. والجديدة هي انتقال إلى جديد ما. أمّا البحث عن «مبادئ وطيدة وهدف معين» «للتوفيق» بين الاحتكارات والمزاحمة الحرة فهو باطل طبعا. فاعترافات أصحاب الخبرة لا تشبه بوجه المديح الذي يكيله لفضائل الرأسمالية «المنظمة» المدافعون الرسميون عنها من أمثال شولتزه-غيفيرنيتز وليفمن ومن لف لفهم من «النظريين».

في أي زمن بالضبط توطد بصورة نهائية «النشاط الجديد» للبنوك الكبرى؟ نجد لدى ييدلس الجواب الدقيق لحد ما على هذا السؤال الهام:

«العلاقات بين المشاريع الصناعية بمضمونها الجديد وأشكالها الجديدة وهيئاتها الجديدة أي البنوك الكبرى المنظمة في وقت معاً على الطريقة المركزية واللامركزية، لم تتكون قطعا كظاهرة مميزة للاقتصاد الوطني قبل سنوات العقد العاشر من القرن الماضي، وبالإمكان بمعنى معين تأخير نقطة البدء هذه إلى سنة 1897 لما حدث فيها من «اندماجات» كبرى بين المشاريع ادخلت لأول مرة الشكل الجديد للتنظيم اللامركزي لأسباب تتعلق بالسياسة الصناعية التي تمارسها البنوك. ولعل الانضباط أن ندفع نقطة البدء هذه إلى تاريخ أقرب، لأن أزمة سنة 1900 قد زادت بصورة هائلة من سير التمركز ووطدت هذا السير سواء في الصناعة أو في البنوك محولة لأول مرة الصلات بالصناعة إلى احتكار حقيقي للبنوك الكبرى وجاعلة هذه الصلات أوثق وأقوى جدا»(25).

إذن، إن القرن العشرين هو نقطة التحول من الرأسمالية القديمة إلى الحديثة، من سيطرة الرأسمال بوجه عام إلى سيطرة الرأسمال المالي.

--------------------------------------------------------------------------------

(1) (الفريد لانسبورغ. «نشاط البنوك الألمانية في خمس سنوات»، مجاة «البنك» ر8 سنة 1913 ص 728. الناشر


(2) Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk» في «Grudrib der Sozialökonomik». Tüb. , 1905 ص ص 12،137 (شولتزه غيفيرنيتز. «بنك التسليف الألماني» في «أسس الاقتصاد الاجتماعي». تيوبينغين. الناشر).


(3) R. Liefmann/ «Beteiligungs-und Finanzierungsgesellschaften. Eine Studie über den modernen Kapitalismus und das Effektenwesen». I. Aufl., 1909. - ، ص 212.


(4) Alfred Lansburgh. «Beteiligungssystem im deutschen Bankwesen», «die Bank», 1910, 1 ، ص 500 (الفرد لانسبورغ. «طريقة الاشتراك في أعمال البنوك الألمانية»، مجلة «البنك». الناشر).


(5) «شركة التسليف الليونية»، «دائرة الخصم الوطنية» و«الشركة العامة». الناشر.


(6) Eugen Kaufmann. «Das französische Bankwesen», Tüb. 1911 ص ص 356 و362 (أوجين كوفمان. «حالة البنوك في فرنسا». تيوبينغين. الناشر).


(7) Jean Lescure. «L’épargne en France». P. 1914 ص 52 (جان ليسكور. «الإدخار في فرنسا». باريس. الناشر).


(8) A. Lansburgh. «Die Bank mit den 300 Million», «Die Bank» 1914, 1 ص 426 (أ. لانسبورغ. «بنك ذو 300 مليون»، مجلة «البنك» 1914. الناشر).


(9) S . Tschierschky ، المؤلف المذكور، ص 128.


(10) أرقام لجنة النقد الأمريكية National Monetary Commision(مأخوذة عن مجلة «البنك». الناشر)، سنة 1910، المجلد الثاني، ص1200.


(11) أرقام لجنة النقد الأمريكية National Monetary Commision (مأخوذة عن مجلة «البنك». الناشر)، سنة 1913، ص ص 811،1022، سنة 1914، ص713..


(12) «Die Bank» , 1914,1 ص 316.


(13) Dr. Oscar Stillich. «Geld-und Bankwesen», Berlin 1907 ، ص 169. (دكتور أوسكاد شتيليخ. «النقود والنشاط البنكي». برلين. الناشر).


(14) Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk» في «Grudrib der Sozialökonomik». Tüb. , 1905 ص101


(15) ريسر، المؤلف المذكور، ص 629، الطبعة الرابعة.


(16) Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk» في «Grudrib der Sozialökonomik». Tüb. , 1905 ص 151.


(17) «Die Bank», 1912, 1 ص 435


(18) نقلا عن شولتزه-غيفيرنيتز في «Grdr. d. S-Oek»، ص 155


(19) «هاباغ» (هامبورغ-أميركا). الناشر


(20) ييدلس وريسر، المؤلفان المذكوران.


(21) ييدلس، المؤلف المذكور، ص ص 156-157.


(22) مقال لـ Eug. Kaufmann عن البنوك الفرنسية في مجلة «Die Bank» 1909، 2


(23) Dr. Oscar Stillich, «Geld-und Bankwesen» ص147


(24) ييدلس، المؤلف المذكور، ص ص 183-184.


(25) ييدلس، المؤلف المذكور، ص 181.




الفصل الثالث
الرأسمال المالي والطغمة المالية

كتب هيلفردينغ: «إن قسما متزايدا من الرأسمال الصناعي لا يعود إلى الصناعيين الذين يستخدمونه. وهم لا يستطيعون الحصول على امكانية التصرف به إلاّ عن طريق البنك الذي يمثل ازاءهم مالك الرأسمال. ومن الجهة الأخرى يتأتى على البنك أن يوظف في الصناعة قسما متزايدا من رأسماله. وبسبب ذلك يصبح أكثر فأكثر رأسماليا صناعيا. وهذا الرأسمال البنكي – أي الرأسمال النقدي – الذي تم تحويله بهذه الطريقة إلى رأسمال صناعي في الواقع، أسميه «الرأسمال المالي». «فالرأسمال المالي هو إذن الرأسمال الموجود تحت تصرف البنوك والذي يستخدمه الصناعيون»(1).

وهذا التعريف غير كامل لأنه لا يشير إلى ظروف في منتهى الأهميةـ نعني به نمو تمركز الإنتاج والرأسمالي إلى درجة يفضي معها التمركز وقد أفضى إلى الاحتكار. بيد أن مبحث هيلفردينغ بوجه عام ولا سيما الفصلين السابقين للفصل الذي اقتبسنا منه هذا التعريف يؤكد دور الاحتكارات الرأسمالية.

تمركز الإنتاج؛ الاحتكارات الناشئة عن هذا التمركز؛ اندماج أو اقتران البنوك والصناعة – هذا هو تاريخ نشوء الرأسمال المالي وفحوى هذا المفهوم.

ينبغي علينا أن نبين الآن أن «تحكم» الاحتكارات الرأسمالية في الوضع العام للإنتاج البضاعي وللملكية الخاصة يصير بصورة محتومة إلى سيطرة الطغمة المالية. ولنلاحظ أن ممثلي العلم البرجوازي الألماني – وغير الألماني – أمثال ريسر و شولتزه-غيفيرنيتز وليفمن وأضرابهم هم جميعا من مداحي الإمبريالية والرأسمال المالي. فهم لا يكشفون، بل يطمسون ويطلون بالأصباغ «آلية» نشوء الطغمة المالية وأحابيلها ومقادير مداخيلها «الحلال والحرام» وصلاتها بالبرلمانات وغير ذلك والخ.. وهم يتخلصون من «المسائل اللعينة» بالعبارات الطنانة الرنانة المبهمة وبنداءات لإيقاظ «شعور المسؤولية» لدى مدراء البنوك وبكيل المديح لـ«شعور الواجب» لدى الموظفين البروسيين وبتحليل جدي لتفاصيل مشروعات قوانين لا قيمة لها على الإطلاق بصدد «المراقبة» و«التحديد» وبلغو نظري من نوع، مثلاً، التعريف «العملي» المزعوم الذي سجله البروفسور ليفمن: «… التجارة هي نشاط عملي هدفه جمع الخيرات وحفظها ووضعها تحت التصرف»(2). (حرف التأكيد في المؤلف للبروفيسور نفسه… يستنتج إذن أن التجارة كان يمارسها الإنسان البدائي أيضا الذي كان يجهل التبادل وأنها ستبقى كذلك في المجتمع الاشتراكي!

بيد أن الوقائع الفظيعة التي تتعلق بسيطرة الطغمة المالية الفظيعة تفقأ العين، ولذا نشأ في جميع البلدان الرأسمالية، في أمريكا وفي فرنسا وفي ألمانيا، أدب يتمسك بوجهة النظر البرجوازية ولكنه يعطي مع ذلك عن الطغمة المالية صورة صادقة تقريبا وينتقدها، وإن انتقادا مبتذلا طبعاً.

ينبغي أن نجعل حجر الزاوية «نظام الاشتراك» الذي سبق لنا أن تناولناه ببضع كلمات. وهاكم كيف يصف كنه القضية الاقتصادي الألماني هيمان الذي كان بين الأولين الذين أعاروه اهتمامهم إن لم يكن الأول:

«المدير يشرف على الشركة الأساسية («الشركة الأم») بالحرف)، وهي بدورها تسيطر على الشركات التابعة لها («الشركات البنات») التي تسيطر بدورها على «الشركات الحفيدات» وهلم جرا. وهكذا يغدو بإمكان المرء، دون أن يملك رأسمالا كبيرا جدا، أن يسيطر على ميادين هائلة من ميادين الانتاج. وفي الواقع، إذا كانت حيازة 50% من الرأسمال كافية على الدوام للإشراف على الشركة المساهمة، فحسب القائد أن يملك مليونا واحدا ليحصل على امكانية الإشراف على ثمانية ملايين من الرأسمال لدى «الشركات الحفيدات». وإذا اتسع هذا «التشابك» يصبح بإمكان صاحب المليون أن يشرف على ستة عشر مليونا، إثنين وثلاثون مليونا والخ.»(3).

وفي الواقع تبين الخبرة أن تملك 40% من الأسهم كاف للتحكم بشؤون الشركة المساهمة(4)، لأن قسما معينا من المساهمين الصغار المبعثرين لا يمكنهم في الواقع الاشتراك في الجمعيات العمومية، الخ.. إن صبغ تملك الأسهم بالصبغة «الديموقراطية»، إن هذه العملية التي ينتظر منها السفسطائيون البرجوازيون والانتهازيون «الإشتراكيون-الديموقراطيون هم أيضا» (أو يؤكدون أنهم ينتظرون منها) «اصطباغ الرأسمال بالصبغة الديموقراطية» وتعاظم دور وأهمية الانتاج الصغير وغير ذلك ليست في الواقع إلاّ وسيلة من وسائل زيادة بأس الطغمة المالية. ولهذا السبب، مع أسباب أخرى، يسمح التشريع في البلدان الرأسمالية الأرقى أو الأقدم و«الأكثر خبرة» بإصدار أسهم أصغر. في ألمانيا لا يسمح التشريع بإصدار أسهم بمبلغ أقل من ألف مارك؛ ولذا ينظر طواغيت المال الألمان بعين الحسد إلى إنجلترا التي يسمح فيها القانون بإصدار أسهم بقيمة جنيه سترليني واحد (يعادل عشرون ماركا أو نحو عشرة روبلات). في السابع من يونيو سنة 1900 صرح سيمنس، أحد كبار الصناعيين و«ملوك المال» الألمان قائلا في الريستاخ أن «السهم من فئة الجنيه الستيرليني الواحد هو أساس الإمبريالية البريطانية»(5) لدى هذا التاجر مفهوم عن كنه الإمبريالية أعمق جدا وأكثر «ماركسية» من مفهوم كاتب ماجن يعتبر مؤسس الماركسية الروسية ويحسب الإمبريالية خصلة غير حميدة فطر عليها شعب من الشعوب…

ولكن «نظام الاشتراك» لا يقتصر على رفع سلطان الاحتكاريين لدرجة هائلة؛ فهو، عدا ذلك، يمكن من ارتكاب شر الموبيقات والمنكرات ومن تشليح الجمهور دون عقاب: لأن المشرفين على «الشركة الأم» هم رسميا، بموجب القانون، غير مسؤولين عن «الشركة البنت» التي تعتبر «مستقلة» والتي يمكن عن طريق «تمشيه» كل شيء. وهاكم مثلا اقتبسناه عن عدد ماي سنة 1914 من المجلة الألمانية «البنك»:

««الشركة المساهمة لفولاذ اللوالب» في كاسل كانت لعدة سنوات مضت تعتبر مشروعا من المشاريع الألمانية التي تعود بأكبر المداخيل. وسوء الإدارة قد بلغ بالأمور حدا هبطت معه الأرباح التي توزع على حملة الأسهم من 15% إلى 0%. وقد اتضح أن مجلس الادارة قد قدم، بدون علم المساهمين، لاحدى «شركات البنات» «هاسيا» التي لا يتجاوز رأسمالها الاسمي عدة مئات من ألوف الماركات سلفة بمبلغ 6 ملايين مارك. وفي حسابات «الشركة الأم» لم يرد ذكر لهذه السلفة التي تبلغ نحو ثلاثة أضعاف الرأسمال المساهم «للشركة الأم». وقد كان هذا الاغفال مشروعا تماما من الناحية الحقوقية وكان بإمكانه أن يستمر سنتين كاملتين، لأن ذلك لا يخرق أي مادة من مواد التشريع التجاري. ورئيس مجلس المراقبة الذي وقع، بوصفه الشخص المسؤول، على الميزانيات المزورة قد كان ولا يزال رئيسا للغرفة التجارية في كاسل. ولم يعرف المساهمون بهذه السلفة المقدمة لشركة «هاسيا» إلاّ بعد مرور وقت طويل عندما اتضح أنها غلطة…» (لقد كان على الكاتب أن يضع هذه الكلمة بين قوسين)…«وعندما هبطت قيمة أسهم «فولاذ اللولب» 100% تقريبا بسبب عرضها للبيع من قبل المطلعين على خفايا الأمور…

إن هذا المثال النموذجي لتلفيق الميزانيات والمألوف تماما في الشركات المساهمة بين لنا السبب الذي يجعل مجالس إدارتها تجازف في القضايا الخطرة بجرأة أكبر من جرأة أصحاب الأعمال الفرديين. فالطريقة الحديثة لوضع الميزانيات، عدا أنها تسهل اخفاء المجازفات عن المساهم المتوسط، تمكن أصحاب المصلحة الرئيسيين من النجاة بجلودهم عن طريق بيع الأسهم في الوقت المناسب في حالة عدم نجاح التجربة، في حين أن صاحب العمل المنفرد يدفع من جيبه مسؤولية كل ما يفعل…

إن ميزانيات الكثير من الشركات المساهمة تشبه اطراس القرون الوسطى التي ينبغي على المرء أن يمحو في بادئ الأمر النص المكتوب ليكشف تحته الرموز التي تعطي معنى المخطوطة الصحيح» (الأطراس هي رقوق غطيت نصوصها الأولى لتكتب في مكانها نصوص جديدة).

«إن أسهل وسيلة لجعل الميزانيات غير مفهومة وبالتالي الوسيلة الأكثر انتشارا هي تقسيم المشروع الموحد إلى عدة أقسام عن طريق تأسيس «الشركات البنات» أو عن طريق ضمها. وفائدة هذه الطريقة، من وجهة نظر مختلف الأهداف – من مشروعة وغير مشروعة – هي بينة لحد غدت معه من النوادر اليوم الشركات الكبرى التي لم تتبع هذه الطريقة»(6).

وكمثل على تطبيق هذه الطريقة بأوسع شكل يذكر الكاتب الشركة الاحتكارية الكبرى الذائعة الصيت «الشركة العامة للكهرباء» (AEG، وسنتحدث عنها فيما بعد). لقد اعتقد في سنة 1912 أن هذه الشركة تشترك في 175-200 شركة/ مسيطرة عليها طبعا وشاملة بالمجموع رأسمالا يقدر بـ 1.5 مليار مارك(7).

إن كل قواعد المراقبة والتفتيش ونشر الميزانيات ووضع تصاميم معينة لها وإقامة المراقبة وغير ذلك من الأمور التي يلهي بها انتباه الجمهور الأساتذة والموظفون ذوو النية الحسنة، أي الذين ينوون عن حسن قصد الدفاع عن الرأسمالية وتجميل وجهها، هي أشياء لا قيمة لها في هذا الأمر، لأن الملكية الخاصة مقدسة فلا يمكن منع أحد من شراء الأسهم وبيعها وتبديلها ورهنها والخ..

ونستطيع أن نتبين النطاق الذي بلغه «نظام الاشتراك» في البنوك الروسية الكبرى من الأرقام التي ذكرها ي. آغاد الذي خدم 15 سنة موظفا في البنك الروسي الصيني ونشر في ماي سنة 1914 مؤلفا عنوانه غير دقيق بعض الشيء : «البنوك الكبرى والسوق العالمية»(8). يقسم المؤلف البنوك الروسية الكبرى إلى فريقين أساسيين: أ) التي تعمل على أساس «نظام الاشتراك» وب) «المستقلة» معطيا مع ذلك بصورة كيفية لمفهوم «الاستقلال» معنى الاستقلال عن البنوك الأجنبية؛ والمؤلف يقسم الفريق الأول إلى ثلاث فرق ثانوية: 1) الاشتراك الألماني؛ 2) الاشتراك الإنجليزي؛ 3) الإشتراك الفرنسي، قاصدا هنا «اشتراك» وسيطرة البنوك الأجنبية الكبرى العائدة للأمم المذكورة. ويقسم المؤلف رساميل البنوك إلى «رساميل» موظفة «بصورة منتجة» (في التجارة والصناعة) و«بصورة مضاربة» (في البورصة والعمليات المالية) حاسبا بما فطر عليه هو البرجوازي الصغير من تفكير اصلاحي برجوازي صغير أن بالإمكان، مع بقاء الرأسمالية، فصل نوع التوظيف الأول عن الثاني وإزالة الثاني.

وها هي أرقام المؤلف:

موجودات البنوك (حسب حسابات أكتوبر – توفمبر 1913) بملايين الروبلات

فرق البنوك الروسية الرساميل الموظفة
بصورة منتجة بصورة مضاربة المجموع
أ 1) أربعة بنوك: السيبيري التجاري، الروسي، الدولي، بنك الخصم 413.7 859.1 1282.8
أ 2) بنكان: التجاري الصناعي والروسي الإنجليزي 239.3 169.1 408.4
أ 3) خمسة بنوك: الروسي الآسوي، الخاص في سانت بطرسبورغ، الازوف-الدون، الاتحاد في موسكو، الروسي الفرنسي التجاري 811.8 661.2 1383.0
(11 بنكا) المجموع..أ)= 1364.8 1789.4 3054.2
ب) ثمانية بنوك: التجاري بموسكو، الفولغا-كاما، يونكر وشركاه، التجاري بسانت بطرسبورغ فافالبرغ السابق، بنك موسكو ريابوشينسكي السايق، الخصم بموسكو، التجاري بموسكو، الخاص بموسكو 504.2 391.1 895.3
(19 بنكا) المجموع ...
1869.0 2080.5 3949.5

يتضح من هذه الأرقام أن أكثر من ¾ ، أي أكثر من ثلاثة مليارات، من نحو أربعة مليارات روبل تؤلف الرأسمال «العامل» للبنوك الكبرى تعود لبنوك ليست في الجوهر إلاّ «شركات بنات» للبنوك الأجنبية وفي الدرجة الأولى للبنوك الباريسية (للبنوك الثلاثة المشهورة: «الاتحاد الباريسي» و«بنك باريس والأراضي المنخفضة» و«الشركة العامة») وللبنوك البرلينية (ولا سيما «البنك الألماني» و«شركة الخصم»). وثمة بنكان من أكبر البنوك الروسية، «البنك الروسي» («البنك الروسي للتجارة الخارجية») و«البنك الدولي» («بنك سانت بطرسبورغ الدولي للتجارة») قد رفعا رأسمالهما من سنة 1906 إلى سنة 1912 من 44 إلى 98 مليون روبل واحتياطهما من 15 إلى 39 مليون روبل «قائمين بثلاثة أرباع أعمالهما برساميل ألمانية»؛ والبنك الأول تابع لـ«كونسرن» «البنك الألماني» في برلين والثاني تابع لـ«شركة الخصم» في برلين. إن أغاد الطيب ساخط أشد السخط لأن البنوك البرلينية تملك أكثرية الأسهم، الأمر الذي يجعل المساهمين الروس في حالة عجز. وغني عن القول أن البلاد التي تصدر رساميلها تنال «الزهرة»: فـ«البنك الألماني» في برلين مثلاً قد أصدر في برلين أسهم البنك التجاري السيبيري وأبقاها في محفظته سنة كاملة ثم باعها بسعر 193 مقابل 100، أي بضعفي سعرها تقريبا و«جنى» زهاء 6 ملايين روبل ربحا يسميه هيلفردينغ «الربح التأسيسي».

يقدر المؤلف كامل «قوة» كبريات بنوك بطرسبورغ بـ 8235 مليون روبل، أي بنحو 8.25 مليارات روبل؛ أمّا «اشتراك» أو، بالأصح، سيطرة البنوك الأجنبية فهو يحددها بالنسب التالية: البنوك الفرنسية – 55%؛ البنوك الإنجليزية – 10%؛ البنوك الألمانية – 35%. ومن مجموع الرأسمال العامل هذا الذي يبلغ 8235 مليون روبل ثمة 3687 مليون روبل، أي أكثر من 40% تعود وفق حسابات المؤلف للسينديكات: برودأوغول، بروداميت، ولسنديكات صناعة البترول والتعدين والأسمنت. وعلى هذا فإن اندماج الرأسمال البنكي والصناعي قد خطا كذلك في روسيا خطوات هائلة إلى الأمام بسبب تشكيل الاحتكارات الرأسمالية.

إن الرأسمال المالي المتركز في أيد قليلة والذي يمارس الاحتكار فعلا يبتز أرباحا طائلة تتزايد باستمرار من تأسيس الشركات وإصدار الأوراق المالية ومنح القروض للدولة الخ.، موطدا بذلك سيطرة الطغمة المالية وفارضا على المجتمع بأكمله جزية لمصلحة المحتكرين. وهاكم مثلا من أمثلة لا تحصى، ذكره هيلفردينغ عن «تحكم» التروستات الأمريكية: في سنة 1887 أسس هافيميير تروستا للسكر عن طريق دمج 15 شركة صغيرة بلغ مجموع رأسمالها – 6.5 ملايين دولار. أمّا رأسمال التروست فقد تم «تمييعه بالماء» حسب التعبير الأمريكي وقدر بـ 50 مليون دولار. و«مضاعفة الرأسمال» هذه تأخذ بالحسبان الأرباح الاحتكارية المقبلة، كما أن تروست الفولاذ في أمريكا ذاتها يأخذ بالحسبان الأرباح الاحتكارية المقبلة إذ يشتري بصورة متزايدة الأراضي التي تحوي مصادر الحديد. وقد فرض تروست السكر في الواقع أسعاره الاحتكارية وحصل على مداخيل مكنته من أن يدفع لحملة الأسهم 10% ربحا مقابل رأسمال «مميع بالماء» 7 أضعاف، أي نحو 70% مقابل الرأسمال المدفوع فعلا عند تأسيس التروست! وفي 1909 سنة بلغ رأسمال التروست 90 مليون دولار. خلال 22 سنة تضاعف الرأسمال أكثر من 10 أضعاف.

وفي فرنسا اتخذت هيمنة «الطغمة المالية» («ضد الطغمة المالية في فرنسا» – عنوان كتاب مشهور من وضع ليزيس، صدرت طبعته الخامسة في سنة 1908) شكلا لا يكاد يختلف. فثمة أربعة بنوك كبرى تتمتع بـ«الاحتكار» لا النسبي، بل «المطلق» في إصدار الأوراق المالية. وهي، في الواقع، «تروست البنوك الكبرى». والاحتكار يضمن الأرباح الإحتكارية من الإصدار. وفي حالة القروض لا تقبض البلاد المستدينة في المعتاد أكثر من 90% من المبلغ؛ وتبقى الـ 10% حصة للبنوك وغيرها من الوسطاء. وكان ربح البنوك 8% من القرض الروسي الصيني البالغ 400 مليون فرنك و10% من القرض الروسي (سنة 1904) البالغ 800 مليون فرنك و 18.75% من القرض المراكشي (سنة 1904) البالغ 62.5 مليون فرنك. إن الرأسمالية التي بدأت تطورها من الرأسمال المرابي الصغير تنهي تطورها بالرأسمال المرابي الضخم. ويقول ليزيس: «الفرنسيون هم مرابو أوروبا». إن جميع ظروف الحياة الاقتصادية تتغير تغيرا عميقا بحكم تحول الرأسمالية هذا. فـ«البلاد» تستطيع أن تثري من الربا مع بوار السكان والصناعة والتجارة والمواصلات البحرية. «إن خمسين شخصا يمثلون رأسمالا بـ 8 ملايين فرنك يمكنهم أن يتصرفوا بمليارين في أربعة بنوك». ونظام «الإشتراك»، وقد اطلعنا عليه، يفضي إلى نفس النتائج: فثمة بنك من البنوك الكبرى «الشركة العامة» يصدر 64 ألف سند لإحدى «الشركات البنات»، «معامل تكرير السكر بمصر». ولما كان سعر السند 150%، يربح البنك 50 كوبيكا من كل روبل. وقد ظهر أن أرباح هذه الشركة وهمية، فخسر «الجمهور» من 90 إلى 100 مليون فرنك؛ «وكان أحد مدراء «الشركة العامة» عضوا في مجلس إدارة «معامل تكرير السكر»». ولا غرو إذا اضطر المؤلف أن يخلص إلى هذا الاستنتاج: «الجمهورية الفرنسية هي مملكة مالية»؛ «إن سيطرة الطغمة المالية هي سيطرة مطلقة؛ فهي تهيمن على الصحافة وعلى الحكومة»(9).

إن جسامة عائدات إصدار الأوراق المالية، بوصفه احدى عمليات الرأسمال المالي الرئيسية، تلعب دورا هاما للغاية في تطوير وتوطيد الطغمة المالية. وتقول المجلة الألمانية «البنك»: «لا يوجد في داخل البلاد مشروع يعطي، ولو على وجه التقريب، مثل هذه الأرباح العالية التي تعطيها الوساطة في إصدار القروض الأجنبية»(10).

«ليست هناك عملية من عمليات البنوك تعود بأرباح عالية كالاصدار». وبموجب أرقام «الاقتصادي الألماني» بلغ الربح السنوي المتوسط من اصدار الأوراق المالية للشركات الصناعية:

1895 38.6% 1897 66.7% 1899 66.9%
1896 36.1% 1898 67.7% 1900 55.2%

«في غضون عشر سنوات، 1891-1900، «عاد» إصدار الأوراق المالية على الشركات الصناعية الألمانية بأكثر من مليار»(11).

وإذا كانت أرباح الرأسمال المالي في منتهى الضخامة أثناء النهضات الصناعية، ففي أثناء مراحل الانحطاط تهلك المشاريع الصغيرة وغير الوطيدة؛ أما البنوك الكبرى فـ«تشترك» في شرائها بأسعار بخسة أو في «إشفائها» و«إعادة تنظيمها» جانية الفوائد من ذلك. وفي حالة «إشفاء» المشاريع المصابة بالعجز «يخفض الرأسمال المساهم، أي توزع المداخيل على رأسمال أقل وتحسب في المستقبل على أساسه. أو يجري، في حالة هبوط العائدات إلى الصفر، اجتذاب رأسمال جديد يحمل عائدات كافية بدمجه بالرأسمال القديم ذي العائدات القليلة». ويضيف هيلفردينغ قائلا: «ولنلاحظ في سياق الحديث أن جميع عمليات الاشفاء وإعادة التنظيم هذه هي، في نظر البنوك، ذات أهمية مزدوجة/ أولا، باعتبارها عملية رابحة وثانيا، باعتبارها فرصة ملائمة لتجعل الشركات المحتاجة في حالة تبعية لها»(12).

وهاكم المثل: الشركة المساهمة لاستخراج المعادن، «أونيون» («إتحاد») بدورتموند، تأسست سنة 1872 برأسمال مساهم يقرب من 40 مليون مارك وارتفع سعر أسهمها إلى 170% بعد أن دفعت لحملة الأسهم في سنتها الأولى أرباحا بنسبة 12%. وقد سحب الرأسمال المالي القشطة وربح مبالغا «تافها» يوازي 28 مليون مارك «فقط». وعند تأسيس هذه الشركة لعب الدور الرئيسي ذلك البنك الألماني الضخم، «شركة الخصم»، الذي رفع رأسماله سليما معافى إلى 300 مليون مارك. ثم هبط سهم «أونيون» إلى الصفر. فاضطر المساهمون إلى الموافقة على «حذف» الرأسمال، أي على خسارة جزء منه لكيلا يفقدوا كل شيء. وبنتيجة جملة من عمليات «الإشفاء» طار من سجلات شركة «أونيون» خلال ثلاثين سنة مبلغ يزيد على 73 مليون مارك. «وفي الوقت الحاضر لا يملك المساهمون المؤسسون لهذه الشركة أكثر من 5% من القيمة الاسمية لأسهمهم»(13)، ولكن البنوك ما تنفك «تربح» من كل عملية من عمليات «الإشفاء».

ومن عمليات الرأسمال المالي الرابحة للغاية كذلك المضاربة بقطع الأراضي الموجودة في ضواحي المدن الكبرى التي تتسع بسرعة. وفي هذه الحالة يندمج احتكار البنوك باحتكار الريع العقاري وباحتكار طرق المواصلات، لأن ارتفاع أسعار قطع الأراضي وإمكانية بيعها بصورة مفيذة قطعا صغيرة الخ.، يتوقفان بوجه خاص على سهولة المواصلات مع مركز المدينة؛ ووسائط المواصلات هذه هي في أيدي الشركات الكبرى المتصلة بهذه البنوك ذاتها عن طريق نظام الاشتراك واقتسام مناصب المدراء. ويكون الحاصل ما أطلق عليه الكاتب الألماني ايشفيغه، المحرر في مجلة «البنك» والذي انصرف بصورة خاصة إلى دراسة عملية التجارة بقطع الاراضي ورهنها والخ.، اسم «المستنقع»: مضاربة مسعورة بقطع الأراضي في ضواحي المدن، إفلاس شركات البناء كشركة «بوسفاو وكناور» في برلين التي اكتسبت من النقود ما بلغ 100 مليون مارك بواسطة «البنك الألماني» «الضخم المعتبر» الذي كان يعمل بطبيعة الحال بموجب نظام «الإشتراك»، أي سرا، في الخفاء، والذي تخلص من الورطة ولم يخسر سوى 12 مليون مارك؛ ثم خراب صغار الملاكين والعمال الذين لم يقبضوا شيئا من شركات البناء المزيفة؛ وصفقات غير قانونية مع هيئات الادارة والشرطة «النزيهة» في برلين من أجل وضع اليد على معاملات أعطاء شتى المعلومات عن قطع الأراضي ومنح رخص البلدية لتشييد الأبنية وغير ذلك وهلم جرا(14).

إن «العادات الأمريكية» التي طالما رفع الأساتدة الأوروبيون والبرجوازيون الطيبون بشأنها عيون الضراعة نفاقا إلى السماء قد غدت في عصر الرأسمال المالي عادات لكل مدينة كبيرة في أي بلد من البلدان بمعنى الكلمة الحرفي.

ففي أوائل سنة 1914 كانوا يتحدثون في برلين عن تأسيس «تروست للنقل»، أي «وحدة مصالح» بين ثلاثة مشاريع برليني للنقل: سكة الحديد الكهربائية في المدينة وشركة ترام وشركة سيارات الأومينيبوس. وكتبت مجلة «البنك»: «علمنا أنهم عقدوا النية على ذلك منذ تبين أن أكثرية أسهم شركة سيارات الأومينيبوس قد انتقلت إلى أيدي شركتي نقل أخريين… ويمكننا أن نثق كليا بأن الاشخاص الذين يستهدفون ذلك، يأملون أن يبلغوا، عن طريق تنظيم إدارة واحدة لشؤون النقل، الحصول على توفيرات يعود قسم منها في نهاية الأمر إلى الجمهور. ولكن ما يعقد المسألة هو أن البنوك تقف وراء تروست النقل الجاري تشكيله وأنها تستطيع، متى أرادت، أن تخضع لمصالح تجارتها بقطع الأراضي وسائط المواصلات التي تحتكرها. ولكيما نقتنع بأن هذا الافتراض طبيعي حسبنا أن نتذكر أنه منذ تأسيس شركة سكة الحديد الكهربائية في المدينة ارتبطت بها مصالح ذلك البنك الكبير الذي شجع على تأسيسها. نعني أن مصالح النقل هذا قد تشابك بمصالح التجارة بقطاع الأراضي. والقضية هي أن الخط الشرقي لهذه السكة الحديدية كان ينبغي أن يشمل قطع الأراضي التي باعها هذا البنك فيما بعد، عندما أصبح مد هذا الخط أمرا مضمونا، بربح كبير لنفسه ولبعض الشركاء…»(15).

ما أن يتشكل الإحتكار ويتصرف بالمليارات حتى يتخلل بصورة محتومة جميع نواحي الحياة الاجتماعية بصرف النظر عن النظم السياسية وعن كل «التفاصيل» الأخرى. وقد اعتاد الأدب الاقتصادي الألماني أن يمتدح بتزلف نزاهة الموظفين البروسيين ملمحا إلى باناما الفرنسية أو إلى الرشوة السياسية الأمريكية. ولكن الواقع أن حتى الأدب البرجوازي الذي يتناول شؤون البنوك في ألمانيا يرى نفسه على الدوام مضطرا لأن يتخطى لحد بعيد حدود العمليات البنكية الصرف وأن يكتب مثلا عن «الإندفاع نحو البنوك» بمناسبة تكاثر حوادث انتقال الموظفين إلى الخدمة في البنوك: «وأين هي إذن نزاهة الموظف في دوائر الدولة الذي يصبو في أعماق نفسه إلى مكان دافئ في البيرينشتراسه؟»(16) – شارع في برلين يوجد فيه مقر «البنك الألماني». في سنة 1909 كتب صاحب مجلة «البنك» الفرد لانسبورغ مقالا عنوانه «أهمية بيزنطة من الناحية الاقتصادية» تناول فيه في سياق الحديث رحلة غليوم الثاني إلى فلسطين و«نتيجتها المباشرة – مد سكة حديد بغداد، «أكبر أعمال الذهنية التجارية الألمانية»، هذا الأمر المشؤوم المسؤول عن «التطويق» أكثر من جميع ذنوبنا السياسية الأخرى مجتمعة»(17) – (المقصود بالتطويق سياسة ادوارد السابع الذي سعى وراء عزل ألمانيا وتطويقها بطوق من اتحاد أمبريالي معاد لألمانيا). وفي سنة 1911 كتب المحرر عنوانه: «البلوتوقراطية والموظفون» كشف فيه مثلا حادثة الموظف الألماني فولكر الذي كان عضوا في لجنة الكارتيلات واشتهر ببعد همته؛ فما أن مضى بعض الوقت حتى شغل مقعدا وثيرا يدر الربح في أكبر الكارتيلات، سانديكا الفولاذ. إن أمثال هذه الحوادث، وما هي بالعريضة قط، قد أرغمت هذا الكاتب البرجوازي نفسه على الاعتراف بأن «الحرية الاقتصادية التي يضمنها الدستور الألماني قد غدت في كثير من الميادين الحياة الاقتصادية عبارة فارغة»، وبأنه في ظروف سيطرة البلوتوقراطية «تعجز حتى أوسع الحرية السياسية عن انتقادنا من أن نغدو شعبا من أناس غير أحرار»(18).

أمّا فيما يخص روسيا فنكتفي بمثل واحد: منذ عدة سنوات نشرت جميع الجرائد خبرا مؤاده أن دافيدوف، مدير ديوان التسليف، ترك الخدمة في دوائر الدولة ليستلم منصبا في بنك من البنوك الكبرى مقابل راتب يؤلف في بضع سنوات، بموجب العقد، مبلغا يزيد على مليون روبل. وديوان التسليف هو مؤسسة مهمتها «توحيد نشاط جميع مؤسسات التسليف في الدولة» وتقدم لبنوك العاصمة إعانات بمبلغ يتراوح بين 800 و1000 مليون روبل(19).

من خواص الرأسمالية بوجه عام فصل ملكية الرأسمال عن توظيف الرأسمال في الانتاج، فصل الرأسمال النقدي عن الرأسمال الصناعي أو المنتج، فصل صاحب الدخل الذي يعيش فقط من عائد الرأسمال النقدي عن رب العمل وجميع المشتركين مباشرة في التصرف بالرأسمال. والامبريالية أو سيطرة الرأسمال المالي هي مرحلة الرأسمالية العليا التي يبلغ فيها هذا الفصل مقاييس هائلة. وهيمنة الرأسمال المالي على بقية أشكال الرأسمال تعني سيطرة صاحب الدخل والطغمة المالية، تعني بروز عدد ضئيل من الدول التي تملك «البأس» المالي بين سائر الدول الأخرى. ويمكننا أن نتبين مدى نطاق هذا السير من أرقام إحصاءات الإصدار، أي اصدار مختلف أنواع الأوراق المالية.

نشر أ. نيمارك في «نشرة معهد الإحصاء العالمي»(20) أوسع المعلومات المقارنة وأكملها عن اصدار الأوراق المالية في العالم أجمع، أُعيد نشرها فقرات فيما بعد مرارا وتكرارا في الآداب الاقتصادي. وها هي نتائج أربعة عقود من السنين:

مبالغ الاصدارات بمليارات الفرنكات في كل عقد من السنين

1871- 1880 76.1
1881- 1890 64.5
1891- 1900 100.4
1901- 1910 197.8

في سنوات العقد الثامن ارتفع مبلغ الإصدار الإجمالي في العالم كله بالقروض بوجه خاص وهي نتيجة للحرب الفرنسية البروسية ولعهد الغروندير الذي تبعها في ألمانيا. وبوجه الإجمال لم تكن كبيرة نسبيا سرعة ازدياد مبلغ الإصدار في غضون العقود الثلاثة الأخيرة من القرن 19؛ ولكن الزيادة في غضون العقد الأول من القرن 20 كانت كبيرة جدا، نحو الضعف خلال عشر سنوات. وعلى ذلك كان مستهل القرن 20 عهد انعطاف ليس فقط فيما يخص نمو الاحتكارات (الكارتيلات، السنديكات، تروستات) وهو ما سبق لنا الحديث عنه، بل وفيما يخص نمو الرأسمال المالي.

يقدر نيمارك المبلغ الاجمالي للأوراق المالية في العالم بنحو 815 مليار فرنك في سنة 1910. وقد طرح على وجه التقريب المبلغ المكرر وخفض هذا المبلغ إلى 575-600 مليار. إليكم توزيعها على بلدان العالم (باعتبار المبلغ 600 مليار):

مبلغ الأوراق المالية في سنة 1910 (بمليارات الفرنكات):

إنجلترا 142
الولايات المتحدة 132
فرنسا 110
ألمانيا 95
مجموع(4) 479
روسيا 31
النمسا-المجر 24
إيطاليا 14
اليابان 12
هولندا 12.5
بلجيكا 7.5
اسبانيا 7.5
سويسرا 6.25
الدانمارك 3.75
السويد، النروج، رومانيا وغيرها 2.5
المجموع 600

إن هذه الأرقام، ويبدو ذلك لأول وهلة، تبرز بوضوح البلدان الرأسمالية الأربعة الغنية جدا والتي تملك كل واحدة منها على وجه التقريب من 100 إلى 150 مليار مارك من الأوراق المالية. وثمة بلدان في هذه البلدان الأربعة – إنجلترا وفرنسا – هما أقدم البلدان الرأسمالية وأغناها بالمستعمرات كما سنرى ذلك؛ والبلدان الآخران – الولايات المتحدة وألمانيا – هما البلدان الأكثر تقدما من حيث سرعة التطور ومن حيث درجة انتشار الإحتكارات الرأسمالية في الإنتاج. وتملك هذه البلدان الأربعة معا 479 مليار فرنك أي حوالي 80% من الرأسمال المالي العالمي. ومعظم ما تبقى من العالم يقوم، لهذا الحد أو ذاك، بدور المدين ودافع الخراج لهذه البلدان – صيارفة العالم، «دعامات» الرأسمال المالي العالمي الأربع.

وينبغي علينا أن نتناول بوجه خاص ذلك الدور الذي يلعبه تصدير الرأسمال في إنشاء شبكة التبعية والترابط العالمية للرأسمال المالي.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) ر. هيلفردينغ «الرأسمال المالي» . موسكو، سنة 1912، ص ص 338-339.


(2) R. Liefmann ، المؤلف المذكور، ص 376.


(3) Hans Gideon Heymann «Die gemischten Werke im deutschen GroBeisengewerbe». St., 1904 ص ص 268-269.


(4) R. Liefmann , «Beteiligungsges, etc.» ، ص 258 الطبعة الأولى. ،


(5) Schltze-Gaevernitz في «Grdr. d. S - Oek.», V. 2 ، ص 110.


(6) L. Eschwege. «Tochtergesellschaften», «Die Bank», 1914.1 ص 545 (ل. إيشفيغه. «الشركات البنات»، مجلة «البنك». الناشر)


(7) Kurt Heinig. «Der Weg dfe Elektrotrustes», «Neue Zeit», 1912, 30 Jahrg. ، ص 484 (كورت هينيغ «طريق تروست الكهرباء»، «الأزمنة الحديثة»، سنة 1912، السنة الثلاثين. الناشر).


(8) E. Agahd.«GroBbanken und Weltmarkt. Die wirschaftliche und politische Bedeutung der GroBbanken im Weltmarkt unter Berücksichtigung ihres Einflusses auf RuBlands Volkwswirtschaft und die deutschsichtgung ihres Einflusses auf RuBlandes Volkswirtschaft und die deutsch-russischen Beziehungen». Berl. 1914 (ي. آغادز «البنوك الكبرى والسوق العالمية. أهمية البنوك الكبرى اقتصاديا وسياسيا في السوق العالمية من وجهة نظر تأثيرها على الاقتصاد الوطني في روسيا وعلاقات الألمانية الروسية». برلين. الناشر).


(9) Lysis. Conrte l’oligarchie financière en France». 5 éd. P., 1908 pp. 11, 12, 26, 39, 40, 48.ليزيس. «ضد الطغمة المالية في فرنسا». الطبعة الخامسة، باريس، سنة 1908، ص ص 11، 12، 26، 39، 40، 48، الناشر)


(10) «Die Bank», 1913, N7, S. 630.


(11) Stillich ، المؤلف المذكور، ص 142 و W. Sombart. «Die deutsche Volkswirtschaft im 19. Jahrhundert». 2 Aufl., 1909, S. 526, Anlage 8(ف. زومبارت. «الاقتصاد الوطني الألماني في القرن التاسع عشر». الطبعة الثانية، سنة 1909، ص 526، الملحق 8. الناشر)


(12) «الرأسمال المالي»، ص 172.


(13) Stillish، المؤلف المذكور، ص 138 و Liefmann، ص 51.


(14) «Die Bank» . 1913, S. 952, L. Eschwege. «Der Sumpf»(«المستنقع». نفس المصدر، سنة 1912 ، مجلد 1 ص 223وما يليها.


(15) «Verkehrtrust», «Die Bank», 1914, 1، ص 89 («تروست النقل»، مجلة «البنك». الناشر)


(16) «Der Zug zur Bank», «Die Bank», 1909, 1 ، ص 79 («الإندفاع نحو البنك»، مجلة «البنك» 1909،1 الناشر)


(17) «Der Zug zur Bank», «Die Bank», 1909, 1 ص 301.


(18) نفس المصدر، سنة 1911، 2، ص 825؛ سنة 1913، 2، ص 962.


(19) E. Agahd ، ص 202.


(20) Bulltin de l’institut international de statistique. T. XIX, livr II La Haye, 1912(نشرة معهد الاحصاء العالمي، المجلد 19، الكتاب 2، لاهاي. الناشر) –معلومات عن الدول الصغيرة، العمود الثاني، مأخوذة تقريبا حسب معدلات سنة 1902، مكبرة 20%




الفصل الرابع
تصدير الرأسمال

كان تصدير البضائع الحالة النموذجية في الرأسمالية القديمة، حيث كانت السيادة التامة للمزاحمة الحرة. وغدا تصدير الرأسمال الحالة النموذجية في الرأسمالية الحديثة التي تسودها الاحتكارات.

الرأسمالية هي الإنتاج البضاعي في مرحلة تطوره العليا التي تغدو فيها قوة العمل بضاعة كذلك. واتساع التبادل في داخل البلاد ولا سيما على الصعيد العالمي هو السمة الخاصة للرأسمالية. إن تطور المشاريع والفروع الصناعية والبلدان بشكل متفاوت وبطفرات هو أمر محتوم في عهد الرأسمالية. في البدء غدت إنجلترا، قبل البلدان الأخرى، بلدا رأسماليا. وفي أواسط القرن التاسع عشر، أخذت تدعي، وقد أقرت التجارة الحرة، بدور «مصنع العالم»، بدور مصدر المنتوجات الجاهزة إلى جميع بلدان العالم التي كان ينبغي عليها أن تزودها بالخامات بالمقابل. ولكن احتكار إنجلترا هذا قد أخذ يتزعزع منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، لأن عددا من البلدان الأخرى قد صارت دولا رأسمالية مستقلة، مدافعة عن نفسها بالرسوم الجمركية «الوقائية». وفي عشية القرن العشرين نرى تشكل نوع آخر من الاحتكارات: أولا، اتحادات رأسماليين احتكارية في جميع بلدان الرأسمالية المتطورة؛ وثانيا، وضع احتكاري لبعض البلدان في منتهى الغنى بلغ فيها تراكم الرأسمال مقاييس هائلة. وقد حدث «فيض من الرساميل» ضخم في البلدان المتقدمة.

وبديهي أن مسألة فيض الرأسمال ما كانت لتطرح لو استطاعت الرأسمالية تطوير الزراعة المتأخرة الآن عن الصناعة تأخرا كبيرا في كل مكان، لو استطاعت الرأسمالية رفع مستوى معيشة جماهير السكان، المستوى الذي يبقى في كل مكان متاخما للجوع والبؤس رغم التقدم التكنولوجي المذهل. ولا يترك نقاد الرأسمالية من صغار البرجوازيين مناسبة إلاّ ويعمدون فيها إلى ذكر هذه «الحجة». ولكن الرأسمالية، في هذه الحالة، ما كان لتكون رأسمالية، لأن التفاوت في التطور وانحطاط معيشة الجماهير إلى مستوى يتاخم الجوع هما شرطان وممهدان أساسيان لا بد منهما لأسلوب الإنتاج هذا. وما ضلت الرأسمالية رأسمالية، لا يوجه فيض الرأسمال إلى رفع مستوى معيشة الجماهير في بلاد معينة، لأن ذلك يسفر عن تخفيض أرباح الرأسماليين، بل يوجه إلى رفع الأرباح عن طريق تصدير الرأسمال إلى الخارج، إلى البلدان المتأخرة. والربح مرتفع في المعتاد في هذه البلدان المتأخرة، لأن الرساميل قليلة وأسعار الأرض منخفضة نسبيا والأجور زهيدة والخامات رخيصة. وما ينشئ إمكانية تصدير الرأسمال هو وجود جملة من البلدان المتأخرة قد انجذبت إلى تيار الرأسمالية أو بدئ بمدها وتهيأت فيها الظروف الأولية لتطور الصناعة والخ.. وتنشأ ضرورة تصدير الرأسمال عن واقع أن الرأسمالية قد «نضجت جدا» في عدد ضئيل من البلدان وأن الرأسمالية (في ظروف تأخر الزراعة وبؤس الجماهير) لا يجد صعيدا «رابحا» للتوظيف.

وها هي الأرقام التقريبية عن مقادير الرساميل التي وظفتها في الخارج ثلاثة بلدان رئيسية:(1)

الرأسمال الموظف في الخارج
(بمليارات الفرنكات).

سنوات إنجلترا فرنسا المانيا
1862 3.6 - -
1872 15 10 (1867) -
1882 22 15 (1880) ؟
1893 42 20 (1890) ؟
1902 62 27-37 12.5
1914 75-100 60 44

نرى من هذا الجدول أن تطور تصدير الرساميل لم يبلغ مقاييسه الهائلة إلاّ في مستهل القرن العشرين. وأن الرأسمال الذي وظفته في الخارج البلدان الرئيسية الثلاثة قد بلغ قبل الحرب مبلغا يتراوح بين 175 و200 مليار فرنك. وعائد هذا المبلغ على أساس معدل متواضع قدره 5% يتكون من 8-10 مليارات فرنك في السنة. وهو أساس مكين لظلم واستثمار أكثرية أمم وبلدان العالم إمبرياليا وللطفيلية الرأسمالية لحفنة من الدول الثرية!

كيف توزع بين مختلف البلدان هذه الرساميل الموظفة في الخارج وأين توظف؟ جواب هذا السؤال لا يمكن أن يكون إلاّ تقريبيا ولكنه يوضح مع ذلك بعض ما للإمبريالية الحديثة من علاقات وصلات عامة:

قارات العالم الموزع بينها (بصورة تقريبية) الرأسمال المصدر (حوالي سنة 1910)
(بمليارات الماركات)

إنجلترا فرنسا ألمانيا المجموع
أوروبا 4 23 18 45
أمريكا 37 4 10 51
آسيا وإفريقيا وأستراليا 29 8 7 44
المجموع 80 35 35 140

بالنسبة لإنجلترا تحتل مستعمراتها المقام الأول، وهي كبيرة في أمريكا أيضا (كندا مثلا) ناهيك عن آسيا وغيرها. وتصدير الرساميل في هذا النطاق الهائل يتصل أوثق اتصال هنا بالمستعمرات الهائلة التي سنتحدث فيما بعد عن أهميتها بالنسبة للإمبريالية. ويختلف الأمر بالنسبة لفرنسا. فإن رأسمالها المصدر موظف في أوروبا بصورة رئيسية وفي روسيا بالدرجة الأولى (ما لا يقل عن 10 مليار فرنك)، وهو في معظمه رأسمال تسليفي، قروض للدولة، لا رأسمال نوظف في المشاريع الصناعية. وخلافا للإمبريالية الإنجليزية القائمة على حيازة المستعمرات يمكن نعت الإمبريالية الفرنسية بالإمبريالية المرابية. وفي ألمانيا نوع ثالث: مستعمراتها ليست كبيرة ورأسمالها الموظف في الخارج موزع بالصورة الأقرب إلى التساوي بين أوروبا وأمريكا.

إن تصدير الرساميل يؤثر على تطور الرأسمالية في البلدان التي يوجه إليها، معجلا هذا التطور لأقصى حد. ولذا فإن هذا التصدير إذا كان بإمكانه أن يفضي لدرجة معينة إلى بعض الركود في تطور البلدان المصدرة فهذا لا يمكن أن يحدث إلاّ مقابل اطراد تطور الرأسمالية سعة وعمقا في العالم بأسره.

والبلدان المصدرة للرأسمال تجد بصورة دائمة تقريبا إمكانية الحصول على «فوائد» معينة ذات طابع يلقي النور على خصائص عهد الرأسمال المالي والاحتكارات. وإليكم مثلا ما كتبه في أكتوبر سنة 1913 مجلة «البنك» الصادرة في برلين:

«إن مهزلة تستحق ريشة اريستوفان تعرض من أمد قريب في السوق المالية العالمية. فثمة عدد كبير من الدول الأجنبية، من إسبانيا حتى البلقان ومن روسيا حتى الأرجنتين والبرازيل والصين تتقدم من الأسواق المالية الكبرى علنا أو من وراء ستار بطلب القروض وأحيانا بإلحاح شديد. والحالة في الأسواق المالية ليست الآن على ما يرام، والآفاق السياسية ليست وضاءة. ولكن ما من سوق مالية تجرؤ على رفض منح القروض خوفا من أن يسبقها الجار ويوافق على منح القروض ويضمن لنفسه في الوقت ذاته خدمات لقاء خدمات. ولدى عقد الصفقات الدولية من هذا النوع، ينال الدائن في معظم الحالات شيئا ما لمصلحته: تنازلا عند عقد معاهدة تجارية، مركزا من مراكز الفحم، بناء ميناء، امتيازا دسما أو توصية على كمية من المدافع»(2).

لقد أنشأ الرأسمال المالي عهد الاحتكار. والاحتكارات تحمل معها في كل مبدأ الاحتكار: استغلال «العلاقات» لعقد الصفقات المفيدة يحل محل المزاحمة في السوق المفتوحة. فمن المألوف جدا أن يشترط عند منح القرض إنفاق قسم منه على شراء منتجات البلاد الدائنة ولاسيما الأسلحة والسفن وما شاكل ذلك. فقد عمدت فرنسا إلى هذه الوسيلة مرارا وتكرارا خلال العقدين الأخيرين من السنين (1890-1910). لقد غدا تصدير الرساميل إلى الخارج وسيلة لتشجيع تصدير البضائع إلى الخارج. وفي هذا الحال تغدو الصفقات بين المشاريع الكبيرة جدا «متاخمة للرشوة» كما قال شيلدر(3) «بحذر». إن كروب في ألمانيا وشنيدر في فرنسا وآرمسترونغ في انجلترا هم نموذج هذه الشركات المتصلة أوثق اتصال بالبنوك الكبرى وبالحكومة التي ليس من السهل «تجنبها» عند عقد قرض.

ففرنسا التي منحت روسيا القروض قد «ضيقت» عليها في المعاهدة التجارية المعقودة في 16 سبتمبر 1905 واشترطت بعض تنازلات حتى سنة 1917؛ وسلكت نفس السلوك في المعاهدة التجارية المعقودة مع اليابان في 19 غشت 1911. وقد كانت المزاحمة بين النمسا وفرنسا في أمر تزويد صربيا بالعتاد الحربي أحد أسباب الحرب الجمركية التي دارت بين النمسا وصربيا من سنة 1906 إلى سنة 1911 باستثناء انقطاع استمر سبعة أشهر. ففي يناير 1912 أعلن بول ديشانيل في مجلس النواب أن الشركات الفرنسية قد قدمت لصربيا من سنة 1908 إلى سنة 1911 عتادا حربيا بمبلغ 45 مليون فرنك.

وجاء في تقرير قنصل النمسا-المجر في سان باولو (البرازيل): «يجري مد السكك الحديدية البرازيلية بمعظمه بالرساميل الفرنسية والبلجيكية والبريطانية والألمانية؛ وهذه البلدان تشترط أثناء العمليات المالية المتصلة بمد السكك الحديدية أن يعهد إليها بتقديم مواد البناء اللازمة لمد السكك الحديدية».

وعلى هذه الصورة، ويمكننا أن نقول ذلك بالمعنى الحرفي للكلمة، يلقي الرأسمال المالي شباكه على جميع بلدان العالم. وتلعب دورا هاما في هذا الأمر البنوك المؤسسة في المستعمرات وكذلك فروعها. إن الامبرياليين الألمان ينظرون بعين الحسد إلى البلدان الاستعمارية «القديمة»، التي ضمنت نفسها من هذه الناحية بصورة «موفقة» جدا: ففي سنة 1904 كان لدى إنجلترا 50 بنكا في المستعمرات لها 2279 فرعا (وفي سنة 1910: 72 بنكا لها 5449 فرعا)؛ وكان لدى فرنسا 20 بنكا لها 136 فرعا؛ ولدى هولنده 16 بنكا لها68 فرعا، في حين لم يكن لدى ألمانيا «سوى» 13 بنكا لها 70 فرعا(4). والرأسماليون الأمريكان يحسدون بدورهم الرأسماليون الانجليز والألمان. فقد رفعوا أصوات الشكوى في سنة 1915: «في أمريكا الجنوبية 5 بنوك ألمانية لها 40 فرعا و5 بنوك انجليزية لها 70 فرعا… وقد وظفت إنجلترا وألمانيا خلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة في الأرجنتين والبرازيل والأورغواي نحو 4 بليونات (مليارات) دولار، وهما، بنتيجة ذلك، تتصرفان بـ 46% من مجموع تجارة هذه البلدان الثلاثة»(5).

إن البلدان مصدرة الرساميل قد اقتسمت العالم فيما بينها بمعنى الكلمة المجازي. غير أن الرأسمال المالي قد أفضى إلى اقتسام مباشر للعالم.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) Hobson. «Imperialism» L., 1902 ; p.58 (هوبسون، «الإمبريالية». الناشر). Riesser، المؤلف المذكور، ص ص 395 و404؛ P. Arndt في «Wetwirtschaftliches Archiv», Bd. 7, 1916, S. 35 (ب. آرندت في «سجلات الاقتصاد العالمي»، مجلد 7، سنة 1916، ص 35 الناشر)؛ Neymarck في Bulletin (نيمارك في النشرة. الناشر)؛ هيلفردينغ. «الرأسمال المالي، ص 492؛ Lloyd George (لويد جورج. الناشر)، خطاب في مجلس العموم في 4 ماي 1915؛ «Daily Telegraph» («التلغراف اليومية». الناشر)، 5 ماي 1915؛ B. Harms «Probleme der Weltwirtschft». Jena, 1912, S. 235. وغيرها (ب. هارمس. «قضايا الاقتصاد العالمي». يينا، سنة 1912، ص 235 وغيرها. الناشر)؛ Dr. Siegmund Schilder. «Entwicklungstendenzen der Weltwirtschft» Berlin, 1912. Bd. 1 . S. 150 (الدكتور زيغموند شيلدر «اتجاهات تطور الاقتصاد العالمي». برلين، سنة 1912 مجلد 1، ص 150. الناشر)؛ George Paish. «Great Britain’s Capital Investments etc» في «Journal of the Royal Statistical Society», vol. LXXIV. سنتي 1910-1911، ص 167 وما يليها (جورج بيش. «توظيف رساميل بريطانيا العظمى الخ.» في «مجلة جمعية الاحصاء الملكية»، مجلد 74. الناشر)؛ George Diouritch. «L’Expansion des banques allemandes à l’etranger, ses rapports avec le développement économique de l’Allemangne» P., 1909 p. 84 (جورج ديوتش «توسع البنوك الألمانية في الخارج وعلاقاته بالتطور الاقتصادي في ألمانيا». باريس، 1909، ص 84. الناشر)


(2) «Die Bank», 1913, 2, 1024-1025.


(3) Schilder، المؤلف المذكور، ص ص 346، 35، 371.


(4) Riesser، المؤلف المذكور، ص 375، الطبعة الرابعة و Diouritch ، ص 283.


(5) The Annales of the American Academy of Political and Social Science, vol LIX, May 1915, p. 301 (السجل السنوي لأكاديمية العلوم السياسية والاجتماعية الأمريكية، المجلد 59، ماي 1915، ص 301. الناشر). ونقرأ في المصدر نفسه، ص 331، أن الاخصائي المعروف في الإحصاء Paish (بيش) قد كتب في العدد الأخير من المجلة المالية «Statist» («الإحصائي». الناشر)، مقدمة مبلغ الرأسمال الذي صدرته إنجلترا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولنده بـ 40 مليار دولار، أي 200 مليار فرنك.




الفصل الخامس
اقتسام العالم بين اتحادات الرأسماليين

إن اتحادات الرأسماليين الاحتكارية – الكارتيلات، السنديكات، التروستات – تقتسم فيما بينها بادئ ذي بدء السوق الداخلية، مؤمنة لنفسها السيطرة على الإنتاج في بلاد معينة بصورة مطلقة ما أمكن. ولكن لا مناص للسوق الداخلية في عهد الرأسمالية من أن ترتبط بالسوق الخارجية. وقد أنشأت الرأسمالية السوق العالمية من أمد بعيد. وكلما كان يزداد تصدير الرأسمال وتتسع شتى أنواع العلاقات بالخارج وبالمستعمرات وتتسع «مناطق نفوذ» الاتحادات الاحتكارية الضخمة، كانت الأمور تسير «بصورة طبيعية» في اتجاه الاتفاق العالمي بين هذه الاتحادات، في اتجاه تشكل الكارتيلات العالمية.

وهذه درجة جديدة في تمركز الرأسمال والإنتاج على النطاق العالمي ودرجة أعلى من السابقة إلى ما لا قياس له. فلنر كيف يتشكل هذا الاحتكار الأعلى.

إن الصناعة الكهربائية هي الصناعة الأكثر نموذجية بالنسبة لأحدث نجاحات التكنيك ولرأسمالية نهاية القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين. وقد تطورت بوجه خاص في أرقى بلدين من البلدان الرأسمالية الجديدة – الولايات المتحدة وألمانيا. فقد كان لأزمة سنة 1900 في ألمانيا تأثير قوي جدا على اشتداد التمركز في هذا الميدان. إن البنوك التي كانت في ذلك الوقت قد التحمت بالصناعة لدرجة كافية قد عجلت وعمقت لأقصى حد أثناء هذه الأزمة خراب المشاريع الصغيرة نسبيا وابتلاعها من قبل الكبيرة. وقد كتب ييدلس أن «البنوك قد كفت بالضبط عن مساعدة المشاريع التي كانت بأمس الحاجة إلى المساعدة مسببة بذلك في بادئ الأمر نهضة عاصفة، ثم الإفلاس الأكيد لتلك الشركات التي لم تكن على صلة وثيقة بها»(1).

وبنتيجة ذلك سار التمركز بعد سنة 1900 بخطوات جبارة إلى الأمام. فقد كان في الصناعة الكهربائية قبل سنة 1900 ثماني أو سبع «جماعات» تتألف كل منها من عدة شركات (مجموعها ثمان وعشرون شركة) وكانت كل جماعة تستند إلى عدد من البنوك من 2 إلى 11 بنكا. وحوالي سنوات 1908-1912 اندمجت جميع هذه الجماعات في جماعتين أو جماعة واحدة. وقد تم هذا السير على النحو التالي:

الجماعات في الصناعة الكهربائية:



إن الشركة الشهيرة (AEG) (الشركة العامة للكهرباء) التي تضخمت على هذا الشكل، تهيمن على 175-200 شركة (على أساس نظام «الإشتراك») وتتصرف برأسمال مجموعة يقرب من 1.5 مليار مارك. في أكثر من 10 دول. ومنذ سنة 1904 كانت الرساميل التي وظفتها الصناعة الكهربائية الألمانية في الخارج تقدر بـ 233 مليون مارك منها 62 مليونا في روسيا. وغني عن القول أن « الشركة العامة للكهرباء» هي عبارة عن مشروع هائل «مركب» – شركاته الصناعية وحدها تبلغ 16 – وتنتج مختلف أصناف المنتوجات من الأسلاك والعازلات حتىالسيارات والطائرات.

ولكن التمركز في أوروبا كان كذلك جزءا لا يتجزأ من مجرى التمركز في أمريكا. وهاكم كيف تم هذا السير:



وهكذا تشكلت «دولتان» كهربائيتان «لا توجد في الأرض شركات كهربائية أخرى مستقلة عنهما بصورة تامة» كما كتب هينيغ في مقاله «طريق تروست الكهرباء». أما فيما يخص مقادير عمليات هذين «التروستين» وحجم مشاريعهما فالأرقام التالية تعطي عن ذلك صورة وان كانت بعيدة عن أن تكون كاملة:

سنوات تداول البضائع (بملايين الماركات) عدد المستخدمين الربح الصافي (بملايير الماركات)
أمريكا «شركة الكهرباء العامة» (G.E.C) 1907 252 28000 35.4
1910 298 32000 45.6
ألمانيا: «الشركة العامة للكهرباء» (A.E.G) 1907 216 30700 14.5
1911 362 60800 21.7

وما أن حلت سنة 1907 حتى عقد التروستان الأمريكي والألماني اتفاقية على تقاسم العالم. المزاحمة تزول. «شركة الكهرباء العامة» (G.E.C.) «تحصل» على الولايات المتحدة وكندا و«تنال» «الشركة العامة للكهرباء» (A.E.G.) ألمانيا والنمسا وروسيا وهولنده والدنمارك وسويسرا وتركيا والبلقان. وقد عقدت اتفاقيات خاصة – سرية طبعا – بشأن «الشركات البنات» التي تتغلغل في فروع صناعية جديدة وفي بلدان «جديدة» لم تقتسم رسميا بعد. وقد تقرر تبادل الاختراعات والتجارب(2).

ويدرك المرء بالبداهة مدى صعوبة مزاحمة هذا التروست الموحد العالمي في الواقع، الذي يتصرف برأسمال يبلغ عدة مليارات والذي له «فروعه» ووكالاته وعملاؤه وعلاقاته وهلم جرا في جميع أصقاع العالم. ولكن اقتسام التروستين القويين للعالم لا ينفي طبعا إعادة التقاسم إذا ما تبدلت نسبة القوى بنتيجة تفاوت التطور والحروب والإفلاسات وغير ذلك.

وصناعة البترول تعطي مثلا بليغ الدلالة على محاولة إعادة التقاسم هذه، على الصراع من أجل إعادة التقاسم.

فقد كتب ييدلس في سنة 1905 أن «سوق البترول العالمية هي الآن مقتسمة بين جماعتين ماليتين كبيرتين: «تروست البترول» الأمريكي (Standard Oil C-y) العائد لروكفلر وصاحبي النفط الروسي في باكو روتشيلد ونوبل. والجماعتان على ترابط وثيق، ولكن احتكارهما مهدد منذ عدة سنوات من قبل خمسة أعداء»(3): 1) نفاد مصادر النفط الأمريكية، 2) مزاحمة شركة مانتاشيف في باكو، 3) مصادر النفط في النمسا، و4) في رومانيا، 5) مصادر النفط فيما وراء المحيطات ولاسيما في المستعمرات الهولندية (شركة صموئيل وشل الغنية جدا والمرتبطة كذلك بالرأسمال الإنجليزي). والفئات الثلاث الأخيرة من المشاريع متصلة بالبنوك الألمانية الكبرى وعلى رأسها «البنك الألماني» الضخم. وقد طورت هذه البنوك بصورة مستقلة ومنتظمة صناعة النفط في رومانيا مثلا لتكون «لها» نقطة ارتكاز. ففي سنة 1907 قدر الرأسمال الأجنبي في صناعة البترول الرومانية بـ 175 مليون فرنك منها 74 مليونا رأسمالا ألمانيا(4).

وقد ابتدأ الصراع الذي يسمونه في الأدب الاقتصادي الصراع من أجل «تقاسم العالم». فمن جهة، «تروست هبترول» روكفلر، طمعا منه في الاستيلاء على كل شيء، قد أسس «شركة بنت» في هولنده نفسها وشرع يشتري مصادر النفط في الهند الهولندية لينزل بهذا الشكل الضربة بعدوه الرئيسي: التروست الهولندي الإنجليزي «شل». ومن الجهة الأخرى، «البنك الألماني» وغيره من البنوك البرلينية سعت لأن «تحتفظ» «لنفسها» برومانيا وتوحدها مع روسيا ضد روكفلر. وكان لهذا الأخير رساميل أكبر بما لا يقاس وتنظيم ممتاز لوسائل نقل البترول وإيصاله إلى المستهلكين، وكان على هذا الصراع أن ينتهي وقد انتهى في سنة 1907 بهزيمة ساحقة مني بها «البنك الألماني» الذي وجد نفسه أمام واحد من أمرين: اما أن يصفي «مصالحه البترولية» بخسارة تبلغ الملايين وأمّا الخضوع. وقد اختار الحل الأخير وعقد مع «تروست البترول» اتفاقية غير مفيذة جدا «للبنك الألماني». وبموجب هذه الاتفاقية تعهد «البنك الألماني» بأن «لا يتخذ أي تدبير يضر بالمصالح الأمريكية»، هذا وقد استدرك بأن الاتفاقية تفقد مفعولها في حالة ما إذا صدر في ألمانيا قانون عن احتكار الدولة للبترول.

وعندئذ بدأت «مهزلة البترول». فقد أخذ أحد ملوك المال الألمان، مدير «البنك الألماني» فون غفينر يشن عن طريق سكرتيره الشخصي شتاوس حملة دعاية من أجل احتكار البترول. وقد تحرك بكل ضخامته جهاز أكبر البنوك البرلينية بما له من «علاقات» واسعة، وبحت حناجر الصحف من الصرخات «الوطنية» ضد «نير» التروست الأمريكي، فاتخذ الريخستاغ في 15 مارس 1911، بالإجماع تقريبا، قرارا يدعو الحكومة إلى وضع مشروع قانون عن احتكار البترول. وقد تشبثت الحكومة بهذه الفكرة «الشعبية»؛ و«البنك الألماني» الذي أراد خداع زميله الأمريكي واصلاح أحواله عن طريق احتكار الدولة للبترول قد بدا كأنما ربح لعبته. وقد أخذ لعاب ملوك البترول الألمان يسيل لتصور الأرباح الفاحشة التي لا تقل عن أرباح أصحاب معامل السكر الروس… ولكن البنوك الألمانية الكبرى قد اختصمت فيما بينها من أجل اقتسام الغنيمة ففضحت «شركة الخصم» مطامع «البنك الألماني» الجشعة، هذا أولا؛ وثانيا، خشيت الحكومة مغبة الصراع مع روكفلر، لأنه كان من المشكوك فيه جدا أن تحصل ألمانيا على البترول عن غير طريقه (ما دامت إنتاجية رومانيا ضعيفة)؛ وثالثا، جاء اعتماد مليار مارك في سنة 1913 لإعداد ألمانيا للحرب. وهكذا أجل مشروع الاحتكار وخرج «تروست بترول» روكفلر من الصراع ظافرا حتى حين.

وقد كتبت المجلة البرلينية «البنك» قائلة بهذا الصدد أن ألمانيا لا تستطيع النضال ضد «تروست البترول» إلاّ إذا أقامت الاحتكار على التيار الكهربائي وحولت طاقة الماء إلى كهرباء رخيصة. واستطردت المجلة قائلة: «ولكن احتكار الكهرباء لا يأتي إلاّ عندما يحتاجه المنتجون. أي بالضبط عندما تقف صناعة الكهرباء على عتبة إفلاس كبير جديد، وعندما تصبح عاجزة عن العمل بصورة رابحة المحطات الكهربائية الهائلة الغالية التي تشيدها الآن في كل مكان «كونسرنات» الصناعة الكهربائية الخاصة والتي تحصل لها هذه «كونسرنات» الآن على بعض حقوق احتكارية من المدن والدويلات والخ.. حينئذ تظهر ضرورة الاستفادة من طاقة المياه؛ ولكن لن يكون من الممكن تحويلها على حساب الدولة إلى كهرباء رخيصة، وسيتأتى مرة أخرى اعطاؤها إلى «احتكار خاص تراقبه الدولة»، لأن الصناعة الخاصة قد عقدت عدة صفقات وضمنت لنفسها تعويضات كبرى… هكذا كان الأمر فيما يخص احتكار القلى؛ وهذا هو حال احتكار البترول، وسيكون كذلك حال احتكار الكهرباء. وقد حان لاشتراكيي الدولة الذين تبهرهم المبادئ الخلابة أن يفهموا أخيرا أن الاحتكارات في ألمانيا لم تهدف ولم تفض في يوم إلى ما يعود بالنفع على المستهلكين أو حتى إلى اعطاء الدولة جزءا من أرباح أصحاب الأعمال، بل كان هدفها على الدوام أن تشفي على حساب الدولة الصناعة الخاصة المطلقة على هاوية الإفلاس»(5).

يضطر الاقتصاديون البرجوازيون الألمان إلى الإدلاء بمثل هذه الاعترافات القيمة. وهي تظهر لنا بوضوح كيف تندمج الاحتكارات الخاصة واحتكارات الدولة في كل واحد في عهد الرأسمال المالي وان هذه وتلك ليست في الواقع إلاّ حلقات في سلسلة الصراع الإمبريالي بين كبار الاحتكارات من أحل اقتسام العالم.

وفي ميدان الملاحة التجارية أفضى اشتداد التمركز الهائل كذلك إلى اقتسام العالم. وقد برزت في ألمانيا شركتان من كبريات الشركات: «هامبورغ-أمريكا» و«لويد المانية الشمالية» ورأسمال كل منها 200 مليون مارك. ومن الجهة الأخرى تأسس في الأول من يناير سنة 1903 في أمريكا ما يسمى تروست مورغان، «الشركة العالمية للملاحة التجارية» التي تضم 9 من شركات الملاحة الأمريكية والانجليزية وتتصرف برأسمال يبلغ 120 مليون دولار (480 مليون مارك). وفي سنة 1903 نفسها عقدت بين العملاقين الألمانيين وهذا التروست الأمريكي الإنجليزي اتفاقية بشأن تقاسم العالم بالاتصال مع تقاسم الأرباح. وقد تنازلت الشركتان الألمانيتان عن المزاحمة في الشحن بين انجلترا وأمريكا. وقد «اقتسمت» الموانئ بدقة وانشئت لجنة مشتركة للمراقبة وغير ذلك. وعقدت الاتفاقية لمدة عشرين سنة وتضمنت تحفظا للحيطة ينص على أنها تفقد مفعولها في حالة الحرب(6).

وبليغ الدلالة كذلك تاريخ تأسيس الكارتيل العالمي لقضبان السكك الحديدية. فقد قامت معامل قضبان السكك الحديدية في إنجلترا وبلجيكا وألمانيا بأول محاولة لإنشاء هذا الكارتيل في سنة 1884، أثناء الانحطاط الصناعي الشديد. وقد اتفقت على عدم المزاحمة في الأسواق الداخلية العائدة للبلدان التي تشملها الاتفاقية وعلى اقتسام الأسواق الخارجية فيما بينها على أساس النسب المئوية التالية: 66% لإنجلترا و27% لألمانيا و7% لبلجيكا. وتركت الهند بأكملها لإنجلترا. وقد شنت ضد شركة انجليزية بقيت خارج الاتفاقية حرب مشتركة سددت تكاليفها من نسب مئوية معينة من مجموع المبيعات. ولكن هذا الحلف قد انهار في سنة 1886 عندما خرجت منه شركتان إنجليزيتان. وجدير بالذكر أن الاتفاقية لم تحصل خلال مراحل النهضة الصناعية التي تلت.

في أوائل سنة 1904 تأسس سينديكا الفولاذ في ألمانيا. وفي نوفمبر سنة 1904 أعيد تأسيس الكارتيل العالمي لقضبان السكك الحديدية بالمعدلات التالية: إنجلترا 53.5%، ألمانيا 28.83%، بلجيكا 17.67%. ثم انضمت إليه فرنسا بمعدلات 4.8% و5.8% و6.4% في السنوات الأولى والثانية والثالثة إضاقة على 100 بالمئة، أي من حاصل 104.8بالمئة وهلم جرا. وفي سنة 1905 انضم إلى الكارتيل «تروست الفولاذ» الأمريكي («الشركة العامة للفولاذ») ثم النمسا واسبانيا. وقد كتب فوغلشتين في سنة 1910: «لقد تم اقتسام الأرض الآن، ولم يبق لكبار المستهلكين، وبالدرجة الأولى سكك حديد الدولة، إلاّ أن يحيوا كالشاعر في سموات المشتري ما دام العالم قد اقتسم دون أن يحسب لمصالحهم أي حساب»(7).

ولنذكر أيضا سينديكا الزنك العالمي المؤسس في سنة 1909 والذي حدد بصورة دقيقة مقاييس الانتاج بين خمسة فرق من المعامل: الألمانية والبلجيكية والفرنسية والاسبانية والإنجليزية؛ ثم تروست البارود العالمي وهو/ حسب تعبير ليفمن، «إتحاد وثيق على احدث طراز بين جميع مصانع المواد المتفجرة في ألمانيا اقتسم العالم فيما بعد، إذا جاز التعبير، بالاتفاق مع معامل الديناميت الفرنسية والأمريكية المنظمة على شاكلته»(8).

وقد حسب ليفمن بالمجموع في سنة 1897 نحو 40 كارتيلا عالميا اشتركت فيها ألمانيا وفي سنة 1910 نحو مائة.

إن بعض الكتاب البرجوازيين (الضين انضم إليهم الآن كاوتسكي الذي ارتد بصورة تامة عن موقفه الماركسي، عن موقف سنة 1909 مثلا) يقولون برأي مفاده أن الكارتيلات العالمية، وهي مظهر من أبرز مظاهر اكتساب الرأسمال للصيغة العالمية، تبعث الأمل باستتباب السلام بين الشعوب في عهد الرأسمالية. وهذا الرأي سخيف تماما من الناحية النظرية، وهو من الناحية العملية عبارة عن سفسطة وطريقة غير شريفة للدفاع عن أرذل الانتهازية. فالكارتلات العالمية تبين الدرجة التي بلغتها الآن الاحتكارات الرأسمالية والغرض الذي تتصارع من أجله اتحادات الرأسماليين. وهذه الناحية الأخيرة هي الأمر الأهم؛ إذ أنها هي وحدها التي تبين لنا مغزى الأحداث التاريخي والاقتصادي، لأن شكل الصراع يمكنه أن يتغير وهو يتغير على الدوام تبعا لأسباب مختلفة طابعها خاص ومؤقت نسبيا، في حين أن كنه الصراع لا يمكن أن يتغيرا بحال ما بقيت الطبقات. ومن المفهوم أن من مصلحة البرجوازية الألمانية مثلا، التي انضم إليها كاوتسكي في جوهر الأمر في محاكماته النظرية (وسنتناول ذلك فيما بعد)، طمس فحوى الصراع الاقتصادي الراهن (اقتسام العالم) وإبرام هذا الشكل من أشكال الصراع تارة وذلك تارة أخرى. ويقترف كاوتسكي الخطأ نفسه. ذلك لأن القضية ليست قضية البرجوازية الألمانية طبعا، بل قضية البرجوازية العالمية. فالرأسماليون يقتسمون العالم لا لأنهم فطروا على شر خاص، بل لأن التمركز قد بلغ درجة ترغب على ولوج هذا الطريق للحصول على الربح؛ هذا وهم يقتسمونه «حسب الرأسمال»، «حسب القوة» – لأنه لا توجد وسيلة أخرى للتقاسم في ظل نظام الانتاج البضاعي والرأسمالية. ولكن نسبة القوى تتغير تبعا للتطور الاقتصادي والسياسي؛ ولفهم الأحداث الجارية ينبغي أن نفهم المسائل التي يحلها تغير نسبة القوى؛ أمّا مسألة ما إذا كان هذا التغير اقتصاديا «صرفا» أو غير اقتصادي (عسكريا مثلا) فهي مسألة ثانوية لا يمكنها أن تغير شيئا في الآراء الأساسية عن العهد الحديث في الرأسمالية. فالاستعاضة عن مسألة فحوى الصراع والصفقات بين اتحادات الرأسماليين بمسألة شكل الصراع والصفقات (وهو اليوم سلمي وغدا سلمي وبعد غد غير سلمي كذلك) يعني الانحطاط إلى حضيض السفسطائيين.

إن عهد الرأسمالية الحديثة يبين لنا أن ثمة علاقات تتكون بين اتحادات الرأسماليين على صعيد اقتسام العالم اقتصاديا وان ثمة علاقات تتكون بمحاذاة ذلك وتبعا لذلك بين الاتحادات السياسية، بين الدول، على صعيد اقتسام العالم إقليميا، على صعيد الصراع من أجل المستعمرات، «الصراع من أجل الرقاع الاقتصادية».


--------------------------------------------------------------------------------

(1) ييدلس، المؤلف المذكور، ص 232.


(2) Riesser ، المؤلف المذكور؛ Diouritch ، المرلف المذكور؛ ص 239؛ Kurt Heining ، المقال المذكور.


(3) ييدلس، ص ص 192-193.


(4) Diouritch ، ص ص 245 –246.


(5) «Die Bank», 1912,2, 629, 1913, 1, 338


(6) Riesser، المؤلف المذكور، ص 125.


(7) Vogelstein. «Organisatiosformen» ، ص 100.


(8) Liefmann. «Kartelle und Trusts», 2. A ص 161.



الفصل السادس
اقتسام العالم بين الدول الكبرى


يعطي الجغرافي أ. سوبان في مؤلفه «اتساع أراضي مستعمرات أوروبا»(1) النتيجة المختصرة التالية لهذا السير في نهاية القرن التاسع عشر:

النسبة المئوية للأراضي العائدة للدول الأوروبية صاحبة المستعمرات (بما فيها الولايات المتحدة):

سنة 1876 سنة 1900 الزيادة
في افريقيا 10.8% 90.4% +79.6%
في بولينيزيا 56.8% 98.9% +42.1%
في آسيا 51.5% 56.6% +5.1%
في أوستراليا 110.0% 100.0% -
في أمريكا 27.5% 27.2% -0.3%

ويخلص سوبان إلى النتيجة التالية: «فالسمة المميزة لهذه المرحلة هي إذن اقتسام افريقيا وبولينيزيا». وبما أنه لا توجد في آسيا وفي أمريكا اراض غير مشغولة، أي غير عائدة لدولة من الدول، ينبغي علينا أن نوسع استنتاج سوبان وأن نقول أن السمة المميزة للمرحلة المذكورة هي الإقتسام النهائي للأرض، لا بمعنى استحالة إعادة التقاسم، – فإعادة التقاسم هي بالعكس أمر ممكن ومحتوم – بل بمعنى أن السياسة الاستعمارية التي تمارسها الدول الرأسمالية قد انجزت الإستيلاء على الأراضي غير المشغولة في كوكبنا. ولأول مرة بدا العالم مقتسما بشكل لا يمكن معه في المستقبل إلاّ إعادة التقاسم، أي انتقال الأراضي من «مالك» لآخر، لا إنتقالها من حالة أراض لا مالك لها إلى ذات «مالك».

فنحن نجتاز، إذن، عهدا خاصا من سياسة استعمارية عالمية مرتبطة أوثق ارتباط بـ«احدث درجة في تطور الرأسمالية»، بالرأسمال المالي. ولذا من الضروري أن نتناول قبل كل شيء الوقائع بالتفصيل لكي نتبين بما أمكن من الدقة ما يميز هذا العهد عن العهود السابقة وكذلك وضع الأمور الراهن. ويتبادر إلى الذهن هنا بادئ ذي بدء سؤالان عمليان: هل يلاحظ اشتداد السياسة الاستعمارية وتفاقم ال