|
حزب العمل الوطنيّ الديمقراطيّ حريّة عدالة تقدّم مساواة |
|
حركات التضامن الأوروبية، صهاينة بعباءة فلسطينية
على اثر المصافحة التاريخية بين عرفات رئيس منظمة التحرير والجنرال اسحاق رابين، تراجع دور حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني في أوروبا والعالم. أصبح الخطاب السائد آنذاك يمجد الانجاز العظيم الذي أشرفت على تحقيقه الولايات المتحدة الأمريكية، ثم تضاءل هذا التفاؤل عندما رفض الكيان الصهيوني كعادته تقديم أي تنازل أو تراجع اذ واصل ضم الأراضي وتوسيع المستوطنات وهدم المنازل واقتلاع الأشجار والايقاف والسجن والتقتيل الجماعي، والتجويع بل زادت هذه الأعمال الاجرامية وأصبح وضع فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1967 أسوأ مما كان عليه قبل انتصاب السلطة. مع اندلاع الانتفاضة الثانية عادت حركات التضامن الى الساحة مرددة أن السلام المنجز في خطر مركزة على قضايا فرعية وأحداث جزئية كمحاصرة عرفات ومسار الجدار وتطبيق خارطة الطريق التي تعتبرها واقعية وعملية الخ... أثناء تدمير جنين ورفح وخان يونس وما نتج عن ذلك من مجازر جماعية وخراب ودمار، دعت بعض الجمعيات في فرنسا الى التظاهر احتجاجا على همجية الكيان الصهيوني وتعبيرا عن الغضب أمام الصمت الذي لازمته الحكومات ووسائل الاعلام وما سمي بالمجتمع الدولي وبالمقابل عشنا تشجيعا منقطع النظير للمنظمات الصهيونية التي خاضت حملة غير مسبوقة لمساندة الجيش الصهيوني. عوض الرد على هذه الحملات الصهيونية قامت جمعيات التضامن بالتشنيع بالشباب العرب وغيرالعرب الذين تظاهروا رافعين شعارات مناهضة لاسرائيل أو رفعوا الأعلام الفلسطينية وتم التنديد بكل من لبس كوفية أو رفع لافتة كتبت بالعربية معتبرين اياهم متطرفين ومتهورين مساندين موضوعيا للاحتلال مثيرين للفتنة ويصبون الزيت على النار وتمت مطاردة بعض الشباب والوشاية بهم حتى من طرف بعض المنتمين لليسار التروتسكي المتصهين بدعوى أنهم يستوردون مشكلة خارجية للزج بها في المجتمع الفرنسي وخلق بوادر الشقاق وتهديد السلام. فرضت علينا هذه الجمعيات السقف الذي لا يجب تجاوزه وهو عدم المس بشرعية الدولة الصهيونية وحقها في العيش آمنة على أراضي من شردوا وهجروا وهدمت قراهم وصودرت ممتلكاتهم ولا يزالوا لاجئين. هذا التوجه مدعوم من احزاب اليسار الاشتراكي والشيوعي والتروتسكي وطبعا اليمين وبالخصوص جناح وزير الداخلية الحالي نكولا سركوزي القريب من أطروحات اليمين الأمريكي المتصهين. جمعيات التضامن هذه لها مكانة خاصة ومميزة لدى ممثلي سلطة أوسلو التي نصبتهم أوصياء على القضية الفلسطينية في أوروبا عامة وفرنسا خاصة. وتم ارساء قواعد واسس وخطوط حمراء لا يتجاوزها الا من هو مستعد لتلقي التهم المتعددة كالتطرف ومعاداة السامية والتحالف الموضوعي مع اليمين الصهيوني وهلم جرا.هذه الأسس يمكن اختزالها في النقاط: ـ عدم التطرق ولو بالاشارة الى حق العودة للاجئين لأن ذلك تهديد مباشر لاستقرار اسرائيل وتوازنها الديمغرافي. ـ نسيان حرب 1948 وما نتج عنها وما حصل أثناءها وبعدها من جرائم وطرد ومصادرة وهدم. ـ عند الحديث عن فلسطين فان المقصود بعض الأراضي المحتلة عام 1967 مع بعض التعديلات لصالح المحتل. ـ عند القيام بفعاليات وتظاهرات لا بد من استدعاء ممثل عن اليسار الصهيوني للحديث عن الاحتلال عوضا عن الفلسطينيين. ـ ان نقد الصهيونية كايديولوجيا واسرائيل ككيان استعماري استيطاني يعتبر معاداة للسامية لذا وجب الاكتفاء بنقد بعض مظاهر الاحتلال في الضفة الغربية وغزة والاكتفاء بالجانب الانساني لمعاناة الفلسطينيين. ـ الدعوة لمقاطعة الكيان الصهيوني تعتبر عملا عدائيا تجاه شعب الله المختار وهو مطلب غير واقعي وغير جدي. هذه المواقف والممارسات لا تختلف في شيء عن موقف مجمل القوى السياسية الفرنسية أثناء فترة الاستعمار المباشر للجزائر وفيتنام وأفريقيا وغيرها من طرف الامبراطورية الفرنسية وما المواقف المساندة لاسرائيل الا مساندة لاستعمار بالنيابة لأن الكيان الصهيوني هو قطعة من أوروبا الاستعمارية زرعت في قلب الوطن العربي بمساعدة فرنسا وبريطانيا خاصة وتسليحها بالنووي والاعتماد عليها في الاعتداء على مصر في 1956 وربما على دول أخرى لاحقا. اقتصرت نشاطات حركات التضامن على بعض نتائج الاحتلال دون الوقوف على مسبباته وحولت العمل التضامني من مساندة لقضية شعب الى عمل انساني تجاه بعض الأطفال الذين يحتاجون للترويح عن النفس وبعض النساء لتتحررن من قبضة بعض الرجال المتعجرفين، ولا يقصدون العساكر المدججين بالسلاح وانما الرجال الفلسطينيين المحتلة أرضهم، ومساعدة المستعمر، بفتح الميم، على تعلم أسس الديمقراطية تحت الاحتلال... تحول الشعب الفلسطيني الى مجموعة شحاذين تمن عليهم المنظمات غير الحكومية ببعض التبرعات اما السؤال المحظور فهو لماذا يعيش الشعب الفلسطيني مشردا محتلا ومحاصرا؟ هذا سؤال تمنع طرحه حتى سلطة أوسلو وممثلوها في أوروبا. معظم التحركات في السنوات الأخيرة اقتصرت على دعوة بعض الصهاينة "المعتدلين" لالقاء الخطب الى جانب ممثلي أوسلو والتباكي على من اغتالوهم لما خدموا في جيش الاحتلال والتعبير عن الأسف لعدم تطبيق الكيان الصهيوني للاتفاقيات وبعض القرارات الصادرة عن ما سمي بالشرعية الدولية. اما المساندة السياسية للشعب الفلسطيني وتطبيق حق عودة اللاجئين الى ديارهم واطلاق سراح الأسرى والسجناء وفرض المقاطعة السياسية والاقتصادية والأكاديمية فانها في نظرهم كفر وزندقة وفي أحسن الحالات ينعت أصحاب هذه المطالب بالحالمين هذا اذا لم تقع محاولة اسكاتهم بالقوة وطردهم من التظاهرة. تنتهي عادة هذه التظاهرات بأكلة فلسطينية تحضرها بعض المنظمات غير الحكومية المختصة في بيع الصابون والزيت الفلسطيني بأسعار تناطح السحاب ومزج ذلك بشيء من الفلكلور وبعض الرقصات وأحيانا بعض أشعار محمود درويش... اخيرا تأسست منظمة تضم بعض الجمعيات الصغيرة التي ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني تحت اسم " الحركة المساندة لنضالات الشعب الفلسطيني"، وهي عبارة عن فدرالية لمجموعات تنشط في عدة مدن فرنسية على أساس مساندة كافة أشكال المقاومة ودعم حق العودة للاجئين وترى الحل النهائي في دولة علمانية ديموقراطية. في أول نشاط لها بمناسبة يوم الأرض دعت "سلمى واكيم" من اتجاه وحركة أبناء البلد الناشطة في الأراضي المحتلة سنة 1948 ومرت العملية بسلام وكان عدد الحضور ضئيلا في باريس ومتوسطا في مدينتي ليون وليل وفي أواخر أبريل/نيسان تمت دعوة ممثلين عن حركة حماس وشهداء الأقصى والجبهة الشعبية ولم يتمكن من الحصول على التأشيرة الا رباح مهنى من الجبهة الشعبية. ادت الضغوط التي مارستها الحركة الصهيونية بفرنسا الى منع اللقاء الأول الذي كان مبرمجا في قاعة على ملك مجلس بلدي تنتمي أغلبيته للحزب الشيوعي الفرنسي وحجزمكان اللقاء قبل شهرين، وفي آخر لحظة تراجع رئيس المجلس البلدي عن وعده تحت الضغط الصهيوني وتم تنظيم المهرجان في الطريق العام تحت الأمطار والبرد القارس بحظور أكثر من ثلاثمائة نفر. أما اللقاء الثاني مع رباح مهنى فقد منعت الشرطة الفرنسية الحاضرين من دخول القاعة المحجوزة منذ أسابيع وفي الحين تحول الجميع الى مكان ثان وتم اللقاء والربط السمعي البصري مع غزة والضفة ليتحدث من لم يحصل على تأشيرة. اوردنا هذه الأمثلة لكي يعلم من لم يزل بآذانه صمم أن سلطة أوسلو لا هم لها الا تلقي الفتات من موائد أوروبا وأمريكا مقابل القيام بما هو مطلوب منها وهو الحفاظ على أمن المحتل وتأمين مصالحه ولعب دور الشرطي ضد الشعب الفلسطيني دون أي سيادة سياسية أو اقتصادية. ان أوروبا والولايات المتحدة لا يمكن أن تكون حليفا أو صديقا للشعوب، والتعويل على حركات التضامن للضغط على دولة الاحتلال لتتراجع قليلا انما هو وهم لا طائل من ورائه. ان وضوح المطالب الفلسطينية والتمسك بها والنضال من أجلها هي وحدها الكفيلة بخلق موازين قوى محلية ودولية تساعد الشعب الفلسطيني على الصمود وعدم التنازل عن حقوقه ولا يمكن لأحد أن يقوم مقامهم أو يناضل نيابة عنهم أو يتنازل عن حقوق جماعية ووطنية مثل حق عودة اللاجئين لديارهم وحق مجموع الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. أما دورنا كعرب أو غير عرب تقدميين فهو اسناد هذه المطالب وهذا النضال من أجل تحقيقها والمشكلة تكمن اليوم في اندثار الاطار الجامع للشعب الفلسطيني وقيام سلطة أوسلو بالانبطاح على عتبات البيت الأبيض والمجلس الأوروبي والتحالف مع حركات التضامن المتصهينة لملاحقة ومطاردة المناهضين للصهيونية والمساندين للمقاومة. الطاهر المعز مواطن عربي مقيم بأوروبا |