|
الــيــســــــــــــــــــار نشريّة نظريّة داخليّة يصدرها حزب العمل الوطنيّ الديمقراطي |
|
العدد الثاني ماي - جوان 2007 انعطافة واشنطن الكبرى
لدى استقباله يوم 20 جوان 2005 السيّدين جون كلود جينكر، و جوزي مانيال باروزو ( Jean-Claud Juncker et José Manuel Barroso) صرّح جورج. و. بوش : إنّ الولايات المتحدة الأمريكية ستواصل دعمها إتحادا أوربيا قويا بوصفه شريكا لها، لكن خلف هذه الصّيغ الدبلوماسية، فإنّ الإدارة الأمريكية تتخبّط في تناقضاتها، لأنّ أُحاديتها الاقتصادية و التجارية و العسكرية تصطدم بحقيقة التعدّد الدّولي الموجود على أرض الواقع. إنّ الصحة الاقتصادية للقوّة الأولى مرتبطة ارتباطا كبيرا بالادخار العالمي، لكن سياسات الولايات المتحدة المستلهمة من تفوقها العسكري، تناقض مبدأ التبادل الحر المقدّس، و الذي تدافع عنه رسميا. أيتعلق الأمر بانعطافة كبرى شبيهة بالتي كانت قد وضَعت حدا للمرحلة الأولى من العولمة الرأسمالية و ذلك بين سنوات 1880 و 1914 ؟ إنّ عولمة نهاية القرن العشرين، بوصفها توحيد الاقتصاد العالمي وفقَ مقياس ليبرالي، تبدو اليوم قد أوشكت على نهايتها. و مظاهر ذلك عديدة : حرُوب امبريالية، صعوُد القوميات، صراعات تجارية حدّتها تتصاعد داخل البلدان الرأسمالية كما في خارجها، اضطرابات اجتماعية متفجرة داخل العالم بأسره ... كلّ هذا يتم في سياق اختلالات بنيوية للاقتصاد العالمي و تصاعد اللاّ مساواة الاجتماعية داخل البلدان و فيما بينها. إنّ نزعات التفكيك هذه تُضعفُ نماذج التعاون الدّولي و أنظمة الحكم الماسكة بالنظام العالمي. و هي تعكسُ التناقض بين طابع التوسّع الرأسمالي العابر للقوميات، و تجزئة النظام الدّولي الحديث وفق خطوط قومية. وهذا التناقض ليس بالجديد. إذ كان قد وضع، في القرن 19، حدا للموجة الأولى للعولمة، تلك الموجة التي لحقت التوسّع الاستعماري الغربي، و ذلك عندما التقت القومية بالعسكرية و وضعت حدَّا للنظام الاقتصادي العالمي الذي هيمنت عليه بريطانيا العظمى و قطعت مرحلة سلم طويلة تأسست بأوربا بعد 1815. إنّ صُعود دولة ألمانيّة قويّة و عسكريّة، و الصراعات بين الإمبريالية، انتهيا بوضع حد لقدرة بريطانيا العظمى على احتلال مركز (العالم). و بفقدانها سُرعتها منذ سنوات 1880، فإنّ النماذج المُهيمنة أواسط القرن 19، و هي الليبرالية الاقتصادية و التبادل الحر، ستنهارُ عندما تستهدفُ ألمانيا غُيوم II، الهيمنة الأوربية في 1914، إنّ المرحلة الأولى من العولمة الغربية، و الواقعة تحت المِظلة البريطانية ستنتهي نِهاية دَموية. في كتابه الشهير حول أُفول الليبرالية و ما تلاها من صعود للفاشية و انفجار لحرب عالمية جديدة، بين كارل بولانيي Karl Polanyi كيف أنّ التعاون الرأسمالي العابر للقوميات، و المجسّد عبر شبكات "مالية عليا" و "الذي فشل في تَجنيب حُروب عامة" انتهى إلى الاستسلام إلى غواية سياسات القوى القومية: "لقد كان للقوة السطوة على المصالح، و كانت الحرب هي من يملي قوانينه على التجارة مهما يكن عمق تداخلاتها" و رغم المستوى المتقدم للاندماج الاقتصادي الأوربي في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإنّ نسيج الترابط الرأسمالي ستُطيحُ به الموجة الصاعدة للقومية. لقد انبثقت هذه الموجة مع الفاشية، و قد سبّبها دمار "سوق يعيد إنتاج توازنه". و بوصفها ظاهرة عامة، فإنّ الفاشية التي سحقت الليبرالية و الاشتراكية مثّلت "حلا" مَرَضيًّا و قاتلا للمأزق الذي كانت قد وقعت فيه الرأسمالية الليبرالية و إصلاحا "لاقتصاد السوق إصلاحا كان ثمنه اجتثاث كل المؤسسات الديمقراطية". إنّ المجتمع حسب كارل بولانيي، قد اتخذ إجراءات ليحتمي من "سوق يعيد خلق توازنه". و هو إجراء لا يمكن أن يوجد بشكل متواصل دون نفي الجوهرين الإنساني و الطبيعي للمجتمع. و هكذا سيقعُ اختيار دول عسكرية قوية و سيصطفُّ المجتمع خلف الدولة. و بالتأكيد، فإنّ التاريخ لا يكمن في عودة أبدية لنفس الظواهر، و لكن فرضية كارل بولانيي تقدم إطار ضروريا لتحليل مآزق عصرنا. فهناك قوى تهديميّة عظمى تهدد صَرْحَ النظام الليبرالي المعاصر، و على المستوى المجتمعي، فإنّ تقوية المقاومة الاجتماعية أمام تنافسية السوق الحرّ، تترجم عبر بروز حركة ديمقراطية عالمية تدعو إلى التحول الاجتماعي، و صعود الشّعبَويًّات اليمينيّة المتسلّطة، و ذلك في آن واحد. و على مستوى سلطة الدولة، فإنّ ردّ الفعل الأكثر تعبيرا كان الصعود المشهود للقوميات في الصين و في روسيا و اليابان و أوربا و في أماكن أخرى، و في الولايات المتحدة، قَلْبْ النظام الرأسمالي العالمي، فإنّ القوميّة أخذت شكلا جدّ مخصوص: إنّه الشكل الامبريالي. إنّ عودة القوميات على مستوى السياسة العالمية لَمِمَّا يؤشرُ نهاية المرحلة الليبرالية لما بعد الحرب الباردة. و كان العديد قد اعتقد مع نهاية سنوات 1980 و خلال سنوات 1990 أنّ بروز "قرية كَونيّة" (الثورة الإعلامية التي سمحت باختزال الزمن و الفضاء) و صبغة الرأسمال العابرة للقومية، و خلق شبكات الإنتاج الأفقية الكونية ستقودُ إلى إعادة توزيع سلطة الفاعلين العموميّين نحو الفاعلين الخواص، و "إلى التلاشي التدريجي للدّولة المحلية الحديثة بوصفها مكانا أوّل للسلطة العالمية". لقد اعتقد المنظرون الليبراليون الديمقراطيون أنّنا دخلنا عصرا ما بعد حداثي حيث الدولة الأمّة محلّ تشكيك من زاويتين : فمن التحت، عبر مجتمع مدني قوي و صاحب سلطة جديدة، و من الأعلى عبر أسواق معولمة مستقلة. إنّ المرحلة ما بعد الحداثية حوّلت كذلك قواعد السياسة العالمية : فمنذ أن كبح التداخل الذي خلقه الأسواق العالمية و الفاعلون العابرون للقوميات، عدوانية الدولة الأمّة الحديثة، فإنّ السلطة المتأسّسة على الإقناع ستعوض " سلطة القوة ". إنّ المعتقد الليبرالي الديمقراطي يجمع أيضا الدستورين المطالبين بتعاون قوي بين الدول كما دعاة السّلام الاقتصاديين الذين يرون في تقوية الترابط و الالتقاء الاقتصاديين أساس سلم ديمقراطي إنّنا نشهد ظهور كوكبة مناسبة من القوى قادرة على تحقيق مشروع كانطي للسّلم متأسّس على تصّور كونّي للحق يتعالى بالقانون الدّولي، و هو مشروع سليل التنوير. و في اليسار، فإنّ المُنظّرين الماركسيين الجدد، و في إطار تفكيرهم حول طابع الرأسمال العابر للقوميات للرأسمال، و حول إعادة تشكيل الدولة، و الأشكال الجديدة للتّسيِير الدُّولي، تساءلوا إن كانت الإمبرياليّة تمثّل دائما مقولة تحليل ناجعة. لقد اعتقد عددٌ مهمٌّ من المُثقّفين في سنوات 1990 أنّ الرّأسماليّة قد شنّت عَهدًا ما بعد إمبريالي، و ذلك عبر استلهامهم أطروحة كارل كاوتسكي حول "الإمبرياليّة المتميّزة" (Ultra impérialisme)، و التي وفقها يمكن للتّعاون الرّأسمالي أن يتعالى على الصّراعات بين الإمبرياليات و التي ينتجها الدّفع الاحتكاري للدّولة-الأمّة و الاحتكارات القوميّة. و لقد قرأوا علامات ذلك في شكل رأسمالية عابرة للقوميّات ذات مصالح عالميّة، واعية أنّ مصالحها تتعالى على الإطار القومي المحلّي. إنّ الإمبريالية الكلاسيكيّة، أو الصّراع الاحتكاري بين الدّول-الأمم التّوسّعيّة لم يعد اختيارا (مُمكناً) في ظلِّ نظام رأسمالي مترابط تحكمه مؤسّساتٌ تتجاوز الدّولة و تعكسُ مصاالح مشتركة لهذه الطَّبقة الجديدة. و في نهاية العقدِ، فإنَّ توني نيغري Tony Negri و ميشال هاردت Michael Hardt قد أقنعا بقراءة معدّلة قليلا لهذه الفرضيّة عبر صياغة مصادرة ما بعد تاريخيّة و ذلك في كتابهم "إمبراطوريّة" و وفق هده المصادرة فإنّ الإمبراطورية المعاصرة ليست مجرّد صدًى للإمبراطوريّة الحديثة، و إنّما هي شكل من الهيمنة جديد جوهريّاً. لقد قطعت الإمبراطوريّة وفقها، الحبل السّري الذي يصلها بالدولة-الأمّة و لم تعد محدودة بمجال. إنّ الإمبراطورية الجديدة، و قد إفتقرت إلى مركز سياسي، تصبح تعبيرا عن مجموع هندسي من علاقات السلطة و الهيمنة التي خلقتها الأسواق المُعولمة وذلك على جميع مستويات الحياة الاجتماعية. و في تقابل مع أنسقة الهيمنة العمودية و المركزية للإمبراطوريات الأوربية القديمة، فإنّ السلطة في هذا التشكيل الجديد المعولم أصبحت موزعة ولا مركزية و أفقية. إنّ هذه الظاهرة تقود بدورها إلى أشكال جديدة من المقاومة عابرة للقوميات: إنّها المجموعات المتعددة. و هكذا، فإنّ الإمبراطورية وفق هذا التحديد تصبح مملكة عالمية لا حدود لها و لا اسم لها. إنّ هذه المنظورات إذن، تفترض و إن بطريقة مختلفة تغيرا في العصر، و تحولا من استراتيجيات منح سلطة الدولة الأمّة الأهميّة القصوى إلى منحها إلى تشكيل ما بعد قومي، و ما بعد حداثي للعولمة. إنّه و في الزمن نفسه الذي تتشكل فيه هذه الأفكار فإنّ قوى عظمى تنظمُ سريّا الأسس الضعيفة لنظام عالمي رأسمالي ليبرالي. و هذه القوى هي جدّ مرئية اليوم. لقد أتت قوّة التخريب الرئيسية من الولايات المتحدة، التي تسعى تحت ج.و.بوش إلى الوصول إلى احتكار عالمي. و هنا نجد أنفسنا أمام ضرب من السخرية. فبينما كانت الولايات المتحدة المحرك و المستفيد الرئيسي من الإدماج الرأسمالي و من اقتصاد السوق المعولم في سنة 1990 فإنّ العولمة قد عزّزت الاستقلالية الأمريكية لأنّ حركية نمو الاتصال و التمويل كما الثروات و الخدمات قد حررت الحكومة الأمريكية من ضغوطاتها بينما تفرض ضغوطات أقوى على كل البلدان الأخرى. و مع ذلك، فإنّ تأكيد " قومية قوية " مثلما يدعو صامويل هانتنغتون – صاحب دعوة صدام الحضارات – الأخلاق الجديدة للولايات المتحدة، قد قلب جوهريا مسار العلاقات العالمية: إنّ العولمة الليبرالية و التداخل الرأسمالي قد أزاحتهما سياسة قوّة إمبريالية تعترف بذلك دون موارية. و مثلما كانت لندن في القرن 19 مركز توسّع اقتصاد سوق يرعاه نظام سياسي و تدعمه شبكات تتجاوز الدول و لها مصلحة في أن يخيم السلم على أوربا، فإنّ تواصل العولمة في القرن 21 تطلب من الولايات المتحدة أن تواصل دعم نسِق تعاونٍ مؤسساتي بين الدول و في الآن نفسه دعم الأنظمة الليبرالية المسيرة للاقتصاد العالمي. لكن و خلافا لبريطانيا العظمى التي فقدت المراقبة، التي كانت تقوم بها، فإنّ الولايات المتحدة اختارت تفكيك النظام المؤسساتي الدولي. و مثلما كتب ستانلي هوفمان Stanly Hoffman، فإنّ الولايات المتحدة ترغب إمّا في العودة إلى ظروف ما قبل 1914 (....) و إمّا أن تترك الدول الأخرى تتحمل ضغوطاتها الحالية، محتفظة لنفسها بحق اختيار ما يخدم مصالحها و برفض ما تبقى من الحقوق و المؤسسات الدولية القائمة، و ذلك بوصفها حارس النظام العالمي. و في الحالتين يتعلق الأمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة بتفكيك أطر التعاون بين الدول الذي وضع بعد 1945 لإدخال " قليل من النظام و التعديل داخل غابة الخلافات الدولية التقليدية ". إنّ هذا الاختيار ليعكس مصالح جبهة قوى قومية – إمبريالية تشكلت خلال الحرب الباردة و اعتلت السلطة في جانفي 2001. و مثلما كتب ستيفن جيل Stephen Gill، الباحث في العلاقات الدولية، فإنّ هذه الجبهة القومية "ارتبطت تاريخيا بمركب الأمن، و بقطاعات داعية إلى الحماية، و هي قطاعات آفلة، و بمفكرين جيوسياسيين ذوي انتماء واقعي". و هذه الجبهة تتميز عن القوى المعولمة الأكثر كونية داخل المجتمع الأمريكي "عبر مصالحها الاقتصادية الأكثر عولمة و التي تحتاج دخول أسواق بلدان الأخرى حيث هوية رؤوس أموالها تبدو أقل تحديدا من الهوية المحلية الأمريكية" بينما تلك القوى الأخرى، شأن نظرائها في القرن 19، فإن مصالحها، بل و وجودها نفسه يرتبط بشبكات التعاون العابرة القوميات. و بينما كان تركيب إدارة وليام كلينتون و سياسته تعكسان مصالح هذه الطبقة الكونية، المحدودة و لكن المؤثرة، فإنّ نخبة اليمين الممسكة بالسلطة الآن، تمثل المركب العسكري، الصناعي، أي القطاع الأقل استقلالية و الأكثر قومية من قطاعات الاقتصاد السياسي الأمريكي. إنّه القطاع الأقلّ استقلاليّة لأنّه بانصهاره بالدّولة، فإنّ وجوده و تطوّره يرتبطان بها. و هو الأكثر قوميّة لأنّه يبحث عن تقوية القوّة القوميّة. و هذان القسمان المسيّران يرتكز كلّ منهما على قاعدة اجتماعيّة عريضة. ومثلما بيّنه توزيع الأصوات الجغرافيُّ في الانتخابات الرئاسيّة في نوفمبر 2004، فانّ القاعدة الاجتماعيّة لذوي التّوجه الدّولي الليبرالي تكثّف في المناطق الحضريّة السّاحليّة ذات الكثافة الدّيموغرافيّة، بينما كانت القاعدة الشّعبيّة الرئيسيّة للقوميّة العسكريّة في المناطق الرّيفية داخل الطّبقات الوسطى في عمق الوطن. إنّ هذا التّنوع السّوسيولوجي لينعكس أحيانا كثيرة في اختلافات سياسية واضحة جدّاً. ففريق كلينتون مثلاَ، حاول تغيير التّوازن داخل الحكومة لصالح قسم الخزينة و اجتهد أوّلاَ و قبل كلّ شيء في دعم امتيازات القطاعات الأكثر عولمة من الرّأسمال الأمريكي داخل أسواق معولمة حديثاَ. وفي المقابل فإنّ إدارة بوش لم يكن لها من هدف منذ احتلّت مكانها، إلاّ في دعم "السّلطة عبر القوّة" للدّولة و في تحريك القوى المسلّحة الأمريكيّة بهدف إقامة نظام عالمي تحت رقابة أحاديّة. و مثلما صرّحت كونداليزا رايس قبل انتخابات 2000، فقد كان لجبهة القوى المصطفة وراء ج.و.بوش نيّة " التّحرّر من مجموعة دوليّة وهميّة" و بإلقاء جانباً بالنّظام الليبرالي، ملغية السياسة الدوليّة المتمرّدة لسنوات 1990 لصالح القوميّة و القوّة و الحرب. لقد عَرفَ تشكّلُ الجبهة القوميّة الإمبرياليّة ثلاثة مراحل كبرى. فمنذ البداية نجح المؤمنون راديكاليّاً بالحرب الباردة نجاحاً جزئياًّ في تقويض التّوافق أواسط 1970. ولكن ضرورة المحافظة على التّحالفات الدوليّة للحرب الباردة كبحَ المحاولة، و محاولة تسجيل امتياز أحادي كان سيهدّد الوحدة "الغربيّة" كما الشّرعيّة الأمريكية التي كانت قُضمت منذ حرب فيتنام. و في السّنوات 1980، و تحت رئاسة رونالد ريغن جاءت "الثّورة المحافظة" وقد رافقتها محاولة جديدة لتأكيد الأولويّة الأمريكيّة عبر التّحريك العسكري و الأحاديّة في السياسة الخارجيّة و التّجارية. و أخيرًا، كان الانصهار الذي حدث في سنوات 1990 بين "المحافظة الجديدة" و نزعة "حزام الإنجيل" العسكرية، و الذي أدّى إلى انتصار اليمين الجديد في المؤتمر في سنة 1994. إنّ انتصار الجمهوريّين تُرجم عبر حملة هدفت إضعاف الأمم المتّحدة، بل إنهائها، ودعْم الاستقلالية الأمريكية على حساب باقي الدول. ولنذكّر أنّه في سنوات 1990 كان المؤتمر الأمريكي المرتبط أحياناً ببنتاغون يزداد استقلالية عن الرئاسة قد رفض خلاص مساهمات الدّولة لدى الأمم المتّحدة وقد فرضا عقوبات اقتصاديّة ضدّ 35 دولة عضوًا في المنتظم. وقد صوّت لصالح تشريع خارج حدوده يُعارضُ القانون الدّولي، وقد رفض إمضاء اتّفاقات دوليّة و معاهداتها حول مراقبة التّسلح (اتّفاقيّة أوتاوا Ottawa لسنة 1997، التي تمنع إنتاج الألغام ضدّ الأشخاص و الاتّجار فيها و استخدامها، و المعاهدة حول منع التّجارة النّوويّة). ورغم أنّه كان قد أمضى الاتفاقية حول الأسلحة الكيميائيّة سنة 1997 فإنّ المؤتمر الأمريكي عمل على إدخال استثناءات تفرغ هذه الأداة من محتواها. ومع بداية 2001 ألغت إدارة بوش بروتوكول كيوتو Kyoto الممضاة من الرّئيس كلينتون و رفضت برنامجا من الأمم المتّحدة موجّهًا لمراقبة تجارة الأسلحة الخفيفة، و عطّلت جهودًا لإضافة بروتوكول التّحقق إلى اتّفاقيّة الأسلحة البيولوجيّة و ألغت ببساطة المعاهدة المتّصلة بالصّواريخ الباليستية (ABM). ولقد توجّهت هذه الحملة في 2003 مع الحرب على العراق و مع خطاب تشريعها القادم من الإمبراطوريّة العالميّة. و اليوم و رغم فشل هذه المغامرة الأمريكيّة الجليّ (و التي وصفها ج.و.بوش نفسه بـ"الانتصار الكارثي") و رغم أزمة للشّرعيّة لا سابق لها، فإنّ الإدارة تواصل نهجها الأحاديّ. و علامات ذلك تظهر في عديد المجالات. و لكن الوجه الأبرز يظهر في الإدارة الأمريكيّة التي ما فتئت تتأكّدُ، في الوصول إلى تفوّق عسكري مطلق و لا نهاية له. و هناك قراران حكوميّان قريبا العهد يؤكّدان هذه الإرادة : القرار المتعلّق بتطوير أسلحة نوويّة و قرار تبنّي إستراتيجية فضائيّة حملت اسم "الضّربة الشّاملة". و برنامج عسكرة الفضاء هذا سيُصرّحُ به قريبًا، و غايته تكمن في تحقيق تفوّق قضائي و المحافظة عليه، عبر مَنْحِ الولايات المتّحدة القدرة علي "تدمير مراكز القيادة و قواعد الصّواريخ في أيّ مكان في هذا العالم". إنّ هذين البرنامجين لمنخرطان في صلب عقيدة التّفوّق الإستراتيجي الدّائم المقترحة في (وثيقة) إستراتيجية الأمن القومي الذي قدّمهُ البيت الأبيض (2002) و في خطّة إعادة تشكيل القوات المسلّحة الأمريكيّة و الذي كانت كونداليزا رايس قد دعت إليه بغية "مواجهة ظهور أيّ قوّة عسكريّة عدوّة (...) مواجهة حاسمة، و التّصدّي بحزم للأنظمة المارقة و للتّهديدات القادمة من القوى المعادية". و كِلاَ البرنامجين يهدّدُ استقرار العالم : فالأوّل بتشجيعه التّدافع النّووي و الثّاني بإذكاء سباق جديد نحو عسكرة الفضاء. و في ذهن الإدارة، فإنّ الصّين و روسيا و قد اعتبرتا تبعا قوّتين عَدُوتين إقليميّة و عالميّة، ليس لهما من خيار إلاّ إتباع هذه الحركة و تخصيص إنفاقات عسكريّة تقتطع من الاقتصاد الوطني، أو التّسليم بالتّفوّق الإستراتيجي لواشنطن. إنّ التعاون بين الولايات المتّحدة و هذين البلدين في إطار الحرب الدّوليّة على الإرهاب قد انتهى. و في عالم متعدد سيكون من الوهم التّفكير في قطب أوحد. إنّ الولايات المتّحدة لراضية بأن تكون البلد المهيمن على النّظام الدّولي، لكنّها مأخوذة في شِباك من التّبعيّة هو من صميم صنعها. فعبر مساهمتها في دعم الحركيّة الاقتصاديّة الآسيويّة، فانّ على نمط الاستهلاك و مستوى، العيش الأمريكيين كي يثبتا دائما، أن يستوعبا كمّيات اكبر من الادّخار العالمي (80% حاليّا). و هذه الظّاهرة لا يمكن أن تدوم. إنّ شبكات التّعاون الرّأسمالي العالميّة و غيرها، و المؤسسات ما فوق الدّولتيّة لتنظيم الرأسمالية المعولمة و التي تشكّلت أو تدعّمت خلال السّنوات 1980 و 1990، لتبدو عاجزة عن المحافظة على النّظام. و بسبب غياب سلطة سياسيّة عابرة للدّول بغية قلب هذه النّزعة المهددّة، فإنّنا نتّجهُ نحو الفوضى.
فيليب س. قوليب إنجاز و تعريب : م. م. مــأي 2007
|