|
الــيــســــــــــــــــــار نشريّة نظريّة داخليّة يصدرها حزب العمل الوطنيّ الديمقراطي |
|
العدد الثاني ماي - جوان 2007 مقاومة العولمة الليبرالية
هل يمكن أن نعطي معنى محددا لليسار خارج تجاربه الجماهيرية المتعددة والمتنوعة، و هل يمكن أن نتصور معاني التعدد و التنوع خارج سياق التجارب التي تقاوم نمطا من الرأسمال يكتشف في كل لحظة أشكالا لتجاوز أزماته، في ﻫﺫا المقال نعرض لنماﺫج من المقاومة تتلمس الطريق ﻷفق ممكن... أولا:صورة العولمة الليبرالية يسود اعتقاد خاطئ لدى العديد من الناس في أن العولمة الليبرالية السائدة حاليا أصبحت بمثابة قضاء و قدر، أي أنها ﺫات طابع حتمي و أن كل من يتصور وضع ﺁخر للمجتمع العالمي فهو متوهم. لكن العولمة الليبرالية في الواقع كأي نظام إيديولوجي ﺁخر عبارة عن مجموعة من الترتيبات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية تمكنت المنظومة الرأسمالية من فرضها على العالم في مرحلة معينة من تاريخها. كما تؤكد القرارات التاريخية على ﺃن التاريخ لا يترتب نتيجة قوانين اقتصادية خاصة، و إنما نتيجة ﻫﺫه القوانين من جهة و ردود فعل المجتمع عليها من جهة ﺃخرى. فإﺫا كانت العولمة الليبيرالية تشكل التعبير الصريح للتحكم المطلق لرﺃس المال على الصعيد العالمي، فإن ردود فعل المجتمعات و نضالاتها السياسية و الاجتماعية من شانها تغيير موازين القوى لصالحها. فالعولمة الليبيرالية ﺃصبحت تشكل تحديا خطيرا للبشرية، علما بان صيرورتها جاءت نتيجة التغيرات التى طرﺃت على العلاقات الاجتماعية الدولية التى نشات عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية بهزيمة الفاشية. ففى الفترة المتراوحة ما بين 1945 و 1975 عاش العالم في وضع من الاستقرار الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي لم يسبق له مثيل منذ ولادة النظام الرأسمالي أي منﺫ قرنين من الزمان. ففي الغرب جاء الانتصار على الفاشية في صالح الطبقات العامة مما أتاح تسوية تاريخية بين رأس المال و العمل‚ حيث ساد مشروع الدولة الاشتراكية الديمقراطية في الغرب. وهو مشروع دولة الرفاه اﻟﺫي تميز بسيادة اﻷدلء الاقتصادي الكينيزي الﺫي ارتكز على عدالة توزيع الدخل عبر العديد من الميكانيزمات و قيام الدولة بتوفير الخدمات الاجتماعية من تعليم و صحة و رعاية اجتماعية.. إلخ المجان. كما أدى انتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب و اندلاع الثورة الصينية إلى خلق إطار ﺁخر ملائم للنظال السياسي شجع بدوره على الاستقرار الاقتصادي و الاجتماعي من خلال التدي اﻟﺫي فرضه النمط الاشتراكي على رأس المال فألزمه بقبول التسوية مع الطبقة الكادحة، و رغم المؤاﺨﺫات على النظام السوفتي اﻟﺫي تم نعته برأس مالية الدولة و باستغلال البيروقراطية للمشروع الاشتراكي و غياب الديمقراطية و حرمان النظام من فرصة إعادة إنتاج نفسه مما أدى إلى انهياره, فإن كل ﺫلك لا يخفي المفعول المشجع للاستقرار الاقتصادي و الاجتماعي على الصعيد العالمي و اﻟﺫي يرتب نتيجة المنافسة السياسية و اﻹيديولوجية بين "الشرق" و "الغرب". كما استغلت حركات التحرر الوطني في العالم الثالث ظروف الحرب و مساهمة شعوبها فيها من أجل الاستقلال‚ و تبني ما يسمى ﺒإيديولوجية التنمة في بلدان الجنوب‚ و قد استغلت ﻫﺫه الحركات المنافسة القائمة بين الشرق و الغرب لتدعيم استقلالها و شروط تنميتها. إذن فالازدهار الاقتصادي و الاستقرار الاجتماعي اﻟﻨي تلى الحرب العالمية الثانية كان يدين بقيام رأس المال بتكييف استراتجياته مع مقتضيات العلاقات الاجتماعية التي فرضتها القوى الديمقراطية و الشعبية. وهو الوضع اﻟﺫي أفرزته تنافسية المشاريع المجتمعية الثلاثة في الشرق و الغرب و الجنوب. لكن ﻫﺫا التوازن بين رأس المال و العمل سيبدأ في اﻟﺘﺁكل تدريجيا مع بداية عقد السبعينات. فمشروع دولة الرفاه ﺴﺘﺁكل نتيجة الأزمة الهيكلية للنظام الرأسمالي التي انفجرت مع بداية عقد السبعينات. فقد استغلت الأحزاب اليمينية و الرأسمال العالمي ﻫﺫه الأزمة لتسليط هجومها على النهج الاقتصادي الكينيزي و على التدخل للدولة. و قد تبنت ﻫﺫه القوى اليمينية حلولا جديدة لتدبير الأزمة تقوم على إطلاق الحرية الكاملة لرأس المال على الصعيدين المحلي و العالمي‚ كما تخول لكل من صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و اتفاقيات الكات مهمة دعم و مواكبة ﻫﺫه الحلول. أما المشروع الاشتراكي السوفيتي فقد بدأ هو اللآخر في التﺁكل نتيجة غياب الديمقراطية و مركزة القرارات و عدم القدرة على إعادة إنتاج النظام‚ فبدأ الاتجاه تدريجيا من نموذج رأسمالية الدولة إلى رأسمالية الأفراد نتيجة تحكم المافيات الكومبرادورية في هرم السلطة. أما مشروع تنمية بلاد العالم الثالث فقد انهار مع تفاقم مديونية ﻫﺫه الدول و هيمنة المؤسسات المالية الدولية على عملية صنع القرارات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و التي عملت على تكييفها مع شروط تراكم الرأسمال العالمي. و توجد أغلب دول العالم الثالث اليوم تحت هيمنة الكومبرادوريات التي تقوت بفعل تأثير سياسات التقويم الهيكلي على حساب شعوبها و أفضل مثال على ذلك الواقع المزري التي تعيشه الأرجنتين. النتيجة إﺫن هي أن انهيار التوازنات السابقة خلق ظروفا جديدة ملائمة للعودة إلى التحكم المطلق لمنطق رأس المال الأحادي الجانب في مختلف بقاع العالم‚ و يختفى اليوم هجوم رأس المال وراء ستار العولمة الليبرالية. فهو يسعى إلى استغلال ظروف التوازن الاجتماعي الجديد في صالحه من أجل إلغاء المكاسب التاريخية للطبقات الكادحة و الشعوب . فمع تزايد حدة الأزمة الاقتصادية الهيكلية للمنظومة الرأسمالية تزايدت شراسة النظام و تصميمه على بسط نفوﺫه على مختلف المصادر الاقتصادية على الصعيد العالمي. و كلما وجد أمامه شكلا من أشكال المقاومة إلا و تفتقت عبقريته عن أسلوب جديد لدحر ﻫذه المقاومة مستعملا من أجل ﺫلك مختلف عوامل القوة التي يتوفر عليها. ولاشك أن استهداف شعب العراق اليوم لا يتوخى سوى الهيمنة على احتياطات النفط اﻟذي يزخر به ﻫﺫا البلد و جعل موقعه الاستراتيجي منطلقا جديدا لعدوان آخر جديد سعيا إلى التحكم المطلق في ساكنة الكوكب. و تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية اليوم اﻹمبراطورية القائدة للمنظومة الرأسمالية و اﻟﺫراع العسكري للعولمة الليبرالية، و تقوم سيطرة رأس المال على احتكار مطلق لعوامل القوة على الصعيد العالمي: -بدءا باحتكار مراكز إنتاج التكنولوجيات الحديثة اﻟﺫي يتطلب نفقات باهضة لا تستطيع مواجهتها سوى الدول الغنية العملاقة ؛ - ثم احتكار المراكزالعالمية المسيطرة على رؤوس الأموال حيث أن الجزء الأكبر من الادخارات الوطنية أصبحت تدخل حاليا في سوق مالية عالمية مندمجة تسيطر عليها و توجهها المؤسسات المالية العملاقة ؛ -ثم احتكار مراكز اتخاﺫ قرار استخدام الموارد الطبيعية على الصعيد العالمي حيث تتحكم ﻫﺫه المراكز في إنتاج و تسويق مختلف المواد الأولية ؛ -ثم احتكار مراكزاﻹعلام و الاتصال و هي وسائل أصبحت ﺫات فعالية غير مسبوقة من حيث تكييفها للثقافات و للسياسات بما يتماشى مع مصالح اﻹمبراطورية الرأسمالية العالمية ؛ -أخيرا احتكار مراكز إنتاج و استخدام أسلحة الدمار الشامل النووية وغير النووية. Globalisation تلك إﺫن هي العولمة الليبرالية التي يسمونها في الولايات المتحدة ب ال La mondialisation أي الكوكبة و هي كلمة أشمل من العولمة التي هي الترجمة الحرفية للكلمة الفرنسية و تدل كلمة الكوكبة على إرادة التحكم المطلق في الكوكب الأرضي، و قد بشر فوكوياما موظف المخابرات الأمريكية ﺒﻫﺫا التحكم عندما تحدث عن نهاية التاريخ . فنشوة التحكم المطلق للرأسمال العالمي جعلته يعربد في كل مكان كيفما شاء بدون مراعاة لأى اعتبار للديمقراطية و للمواثيق الدولية و لا لمبادﺉ العدالة و اﻹنصاف و لا للبيئة ،فنجده يعمل على تدمير دول ﺫات سياسة: أفغانستان، العراق. كما يتجاهل مطالب الشعوب المقهورة مثلما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني. و تجاهل المعطيات البيئية الساسية للبشر كرفض توقيع معاهدة كيوطو حول الاحتباس الحراري..إلخ. ثانيا : عواقب العولمة الليبرالية ربما يتساءل بعضنا عن علاقة المواطن العادي بكل ﻫﺫا،و ﺒأن العولمة توجد بعيدة عن محيطنا و ان تأثيرها ربما يعتبر ضعيفا على حياتنا اليومية؟ لكن بمراجعة بسيطة لعواقب العولمة سنكتشف خطأ ﻫﺫا الاعتقاد ، فنتائج سياسات التقويم الهيكلي التي تعاني منها بلادنا ﻤﻨﺫ 20 سنة تعتبر إفرازا مباشرا لتواطؤ الحكام مع سادة العولمة الليبرالية من مؤسسات مالية دولية و شركات متعددة الجنسيات حيث تجد عواقبها تتمثل في: -ارتفاع نسبة البطالة في كل مكان عبر العالم -و في انخفاض مداخيل العمل و تزايد وثيرة التسريحات الجماعية -و تفاقم التبعية اﻟﻐﺫاءية للعديد من البلدان -و تفاقم ظروف البيئة تفاقما خطيرا على الصعيد العالمي -و تدهور النظم الصحية و التعليمية -و تفكك الأنظمة اﻹنتاجية في العديد من الدول -و وضع عوائق متزايدة أمام تحقيق النظم الديمقراطية -و استمرار تضحم عبء الديون الخارجية على الرغم من تطبيق الحلول التي تقترحها برامج التقويم الهيكلي. و إﺫا كان تدويل الاقتصاد من شأنه أن يشكل خطوة إلى الأمام نحو تحقيق التبادل المادي و الاجتماعي و الثقافي بين مختلف الشعوب، ﻓإن العولمت في شكلها الرأسمالي الليبرالي تشكل كابوسا مرعبا للمواطنين ضحايا البطالة و الشباب المتسائلين عن ﺁفاق مستقبلهمو الشعوب العديدة المقصية من النظام اﻹنتاجي، و الأمم التي أجبرت على تبني برامج التقويم الهيكلي، و على تفكيك العمل و إلغاء أنظمة الضمان الاجتماعي و شبكات حماية الفئات المستضعفة. كما أن الفروقات في المداخيل بين الدول تتزايد اتساعا. فبينما كانت مداخيل 20٪ من الأشخاص الأكثر غنى في العالم تتجاوز سنة 1930 ب30 مرة مداخيل ال20٪ من الأشخاص الأكثر فقرا، ﻓإن ﻫﺫه العلاقة تجاوزت حاليا 74 مرة. ففي مواجهة تمركز الفقر، هناك تمركزا للثروة، ففي الفترة المتراوحة ما بين 1994 و 1998 ، انتقلت القيمة التراكمية الصافية لممتلكات 200 شخص الأكثر غنى في العالم، من 400 مليار دولار إلى أكثر من 1000 مليار دولار. و في سنة 1998 تجاوزت ثروات ثلاث أشخاص الأكثر غنى في العالم مجتمعة الناتج الداخلي ل48 دولة الأقل تقدما. و إﺫا ما حاولنا مقارنة مظاهر الثراء بحجم التهميش اﻟﺫي تعاني منه مختلف الشعوب سنجد أنه من بين 4.4 مليار شخص من سكان العالم، هناك ثلاث أخماس منهم لا يتوفرون على البنيان الصحية، كما أن ثلثهم محرومين من ولوج مياه الشرب، و لا يتوفرون على سكن لائق و خمس هؤلاء لا يتوفرون على الخدمات الصحية الحديثة و في مجال اﻟﺘﻐﺫية ،لا يحصل خمس سكان العالم على ما يكفي من الكالوريات و البروتينات. كما أن نقصا كبيرا في ضروريات الجسم البشري أصبح شائعا: حيث يعاني 3.6 مليار شخص من نقص في مادة الحديد، و منهم 2 مليار شخص مصابون بفقر الدم. ثالثا: مقاومة العولمة اليبرالية في كل مكان في العالم بدأت تضهر أشكال متعددة من مقاومة العولمة اليبرالية، حيث تخاض نضالات اجتماعية و ﺘﺘﺨﺫ مبادرات و اقتراحات بديلة. ففي كل مكان في العالم نسمع عن انتفاضات نساء و رجال و أطفال و عاطلين و مقصيين و مضطهدين و عمال وفلاحين بدون أراضي و أقليات ضحية للعنصرية و فقراء المدن و طلبة و مثقفين و عمال مهاجرين و تجار صغار و طبقات مهمشة و طبقات وسطى تسير نحو الاندثار، و مواطنين بسطاء، من أجل فرض كرامتهم و المطالبة بحقهم اﻹنساني و باحترام محيطهم البيئي و تطبيق مبدأ التضامن الاجتماعي ، بعض هؤلاء قدموا حياتهم لأجل ﻫﺫه القضايا. و البعض الآخر يحاول التكيف و مسايرة الأوضاع السائدة ، بينما جرب البعض الآخر صيغ نماﺫج اقتصادية جديدة، ووضع قواعد سياسات مغايرة و إبداع ثقافة جديدة. أما بالنسبة للمقاومة المنظمة فيمكننا التمييز بين مجموعتين مناهضتين للعولمة الليبرالية، فهناك مجموعات أولى ترفض العولمة الليبرالية من منظور طوباوي ماضوي تعبر عنه على الخصوص التيارات السياسية الماضوية اﻹثنية و العرقية و يمكن وصفها بكونها تيارات يمينية متطرفة. و تتلخص مشكلة ﻫﺫه التيارات في كونها لا تفهم صيرورة التاريخ بشكل عقلاني فتشعى إلى الاحتماء بمفاهيم غير عقلانية ماضوية. و خطورة ﻫﺫه التيارات أنها فاشستية غير ديمقراطية ﺘﻨﺒﺫ التفكير الحر و لا تتوفر على أي مضمون اقتصادي، (و من بين ﻫﺫه المجموعات التيارات اﻹسلاموية) ﻓإﺫا ما تحقق لها الاستيلاء على السلطة ﻓإنها تضفي طابع القداسة على تصرفاتها في الوقت اﻟﺫي تطبق فيه نفس النموﺫج الاقتصادي الرأسمالي السائد اﻟﺫي يفرخ نفس عواقب العولمة الليبرالية. و قد سبق للمنظومة الرأسمالية أن استغلت بعض ﻫﺫه التيارات في مواجهة التيارات الاشتراكية و الشيوعية، مما زاد من قوتها و اتساع نفوﺫها و تعاظم قدرتها الضاربة، و نشهد اليوم المواجهة المكشوفة بين ﻫﺫا التيار و الأداة الضاربة للمنظومة الرأسمالية(...). و على المستوى التاريخي ﻓإن حركة التدويل الأولى للمقاومة انطلقت سنة 1996 بمبادرة من حركة الزاباطيين و التي دعت إلى تجمع ما بين القارات من أجل اﻹنسانية و في مواجهة الليبرالية الجديدة، و ﺫلك قصد توحيد جميع الكفاحات على المستوى العالمي، داعية مجموع الشعوب إلى خلق شبكة رابطة فيما بينها و قد شكل ﻫﺫا المقترح في نفس الوقت مصدر و مرجع مجموع الحركات القائمةحاليا في مواجهة العولمة. ثم جاءت بعد ﺫلك مبادرات التعبئة على الصعيد الدولي من خلال تنظيم حملات ﺫات مواضيع مختلفة: كتنظيم المسيرة العالمية للنساء ضد الفقر و العنف، ثم المبادرات اﻟﻤﺘﺨﺫة عقب تأسيس المنظمة العالمية ، و عدد ﺁخرمن المبادرات التي لا يمكن (AMP) للتجارة، و ﻜﺫا تأسيس الحركة العالمية للشعوب اﻹشارة كلها هنا. كما أن نجاح مبادرات التعبئة الناجحة في سياتل في الولايات المتحدة الأمريكية أواخر سنة 1999 ، jubilé جاءت عقب سلسلة من الحملات الجماهيرية ﺫات الصدى العالمي: منها على الخصوص حملة و الحملة من أجل مراقبة و تضريب (AMI) 2000 و الحملة لمواجهة اتفاقية الاستثمار متعددة الأطراف و الحملة ضد المنظمة الدولية للتجارة Attac رؤوس الأموال التي تقف وراءها مجموعات أطاك أو ضد توسيع مجال اختصاص ﻫﺫه المنظمة، و الحملة ضد برامج التقويم الهيكلي و برامج OMC التقويم الهيكلي و برامج اﻹصلاح الاقتصادي الأخرى لصندوق النقد الدولي و البنك العالمي. إن تعدد مثل ﻫﺫه المبادرات التعبوية يؤكد على أننا دخلنا في مرحلة جديدة تماما، و هي وضعية كبرت فيها مسؤولية الحركات الجماهيرية و تعولمت مبادرات التعبئة عبر مختلف الدول و أصبحت تطرح انتظارات مهمة لدى الشبكات المناضلة و بشكل واسع لدى الرأى العام في مختلف الدول. و أهم الملتقيات السنوية الحالية للحركات المناهضة للعولمة الليبرالية هي الملتقى الاجتماعي لبورتوأليغري اﻟﺫي أصبح يشكل بحق مناسبة لتنسيق المواقف و إعلان المبادرات و البدائل الممكنة للعولمة الليبرالية القائمة. رابعا: أطاك كأداة للمقاومة إن حركة أطاك و التي تعتبر جمعية لتضريب المعاملات المالية الدولية لمساعدة المواطن تشكل مكونا رئيسيا في دينامية الحركات المناهضة للعولمة الليبرالية. و قد تأسست أول مجموعة أطاك في فرنسا في يونيو 1998 أي في خضم الأزمة المالية التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا و التي ترتبت نتيجة تفاقم حدة المضاربات المالية الدولية. فقد لقي اقتراح تأسيس جمعيات دولية للمطالبة بفرض ضريبة توبن على ﻫﺫه المضاربات و اﻟﺫي تقدم به اغناسيو راموني مدير جريدة لوموند ديبلوماتيك آواخر سنة 1997 تجاوبا واضحا من طرف العديد من المفكرين و التيارات اليسارية و النقابية و الجمعيات الحقوقية. و في دجنبر 1998 نظم لقاء بباريس بحضور ممثلي العديد من المنظمات غير الحكومة في عديد من الدول حيث تم اﻹعلان على تأسيس شبكة لمجموعات أطاك عبر العالم. و لا تمثل شبكة أطاك على المستوى الدولي فرعا لأطاك فرنسا، كما لم يتم تأسيسها حول جهاز دولي مركزي. فالأمر يقتصر على رابطة تعمل على بناء حركات مقاومة عالمي ﺫات مصادر مختلفة جدا و لها تجدر وارتباط بالحقائق الوطنية. فليس هناك أية وحدة تجمع بين حركة عديمي الأراضي التي تعد العمود الفقري لأطاك بالبرازيل و نقابيي أطاك بروسيا ، و برلمانيي أطاك الأروبيين. فالرابط الوحيد بينهم هو الرغبة في تبادل التحليلات المختلفة حول العولمة الليبرالية و العمل الجماعي لبلورة مقاومة عالمية للعولمة الليبرالية ، فليست هناك ملامح شخصية واحدة بنفس المميزات و إنما تشابك مواقف تقدمية تمكن ، في كل مرحلة، من دعم و توسيع بناء شبكة دولية للمقاومة. كما أن نضال أطاك لا تقتصر على مجرد السعي إلى فرض ضريبة على المضاربات المالية الدولية و هو ما يمكن أن يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن حركة أطاك هي مجرد أداة إصلاحية للمنظومة الرأسمالية. فضريبة توبن شكلت نقطة الانطلاق الأصلية لأطاك فرنسا حيث أن لها عدة فوائد، لكونها تشكل جزءا من رغبة بيداغوجية لتفسير الأشكال المعاصرة للرأسمالية، حيث يتغلب رأس المال المضارب على الاستثمار المنتج الشيء اﻟﺫي يبلور أنماط من النمو و التراكم تؤدي إلى تضخيم الكلفة الاجتماعية. هناك أيضا الرغبة في تقليص تحكم الأسواق و توسيع هامش المناورة للعمل الاجتماعي و إطلاق السياسات العمومية، ووضع حبة رمل في الميكانيزمات الليبرالية، مما يتيح مهاجمة النواة الصلبة لليبرالية المتوحشة. كما يحقق فرض ضريبة توبن مطلب إخضاع الاقتصاد لمراقبة الطبقات الكادحة، إضافة إلى رفض احتكار الأغنياء على حساب إعادة توزيع الدخل و تمويل الحاجيات الاجتماعية و التنموية. و من هنا يمكن التطلع إلى مستقبل جديد أمام اﻹنسانية: فمن يجب أن يقرر في مجال الاختيارات الاقتصادية؟ و حول أية أهداف؟ هل هو رأس المال أم الطبقات الكادحة؟ و لا تتوقف حركة أطاك عند مجرد المطالبة بفرض ضريبة توبن بل تتعداها إلى محاربة الجنات الجبائية و مناطق التبادل الحر و ديكتاتورية الشركات متعددة الاستيطان و المؤسسات المالية الدولية و سياسات التقويم الهيكلي و المديونية الخارجية و الفلاة التسوقية، و المنظمة الدولية للتجارة الخارجية..إلخ. و كل ﻫﺫه المواضيع تشكل قاسما مشتركا مع الحركات الاحتجاجية الأخرى، و مجالا للدفاع عن المكتسبات الاجتماعية و الديمقراطية. مالهدف النهائي ليس هو إصلاح المنظومة الرأسمالية بقدر ماهو السعي إلى الانتقال التدريجي نحو اشتراكية ديمقراطية عالمية. إن حركة أطاك تدفعها إرادة مناضليها المتعددي المشارب نحو: مراكمة التحليل العلمي القادر على إجراء تفكيك نقدي "للفكر الوحيد" السائد و إجراء خبرة مضادة و فضح التحديات و العواقب الحقيقية لليبرالية الجديدة، و من جهة أخرى وضع مقترحات بديلة ﺘﻐﺫي التعبئة الجماعية و تطرح خيارات للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية، -المساهمة في بناء حركة للتربية الشعبية و التنظيم اﻟﺫاتي في القاعدة و تأسيس، مقاومة شعبية واسعة، واعية و نشيطة، في مواقع مختلفة، تشكل أداة سياسية مضادة للتحكم المطلق لرأس المال، و تتوفر على شرعية اجتماعية قادرة على تغيير، أو المساهمة في تغيير، علاقات القوة في مواجهة السياسات الليبرالية. -المساهمة في عولمة المقاومة الاجتماعية و الديمقراطية ، و بناء مقاومة نشيطة و متعاضدة بين الشعوب، و العمل في إطار مقاومة محلية، وطنية، جهوية، و دولية، على استعادة تملك الشعوب لمستقبلها، -المساهمة في تأسيس الشبكات التعددية، و الروابط التقدمية الممكنة و الضرورية، لمختلف القوى الاجتماعية و الجمعوية، و النقابية، و الثقافية، و التي ترفض، بشكل أو آخر، النظام العالمي الحالي. خامسا: أطاك المغرب هناك ﺠﺫور لعلاقة المغاربة بمقاومة العولمة الليبرالية في مواقف اليسار المغربي ﻤﻨﺫ الاستقلال و نجد على رأسها مساهمة الشهيد المهدي بنبركة في العودة لعقد مؤتمر القرارات الثلاث لجمع حركات التحرر العالمية امواجهة المخططات اﻹمبريالية. و معلوم أن ﻫﺫا الحلم تم اغتياله من طرف القوى الرجعية مع اغتيال بنبركة . كما نجد آثار ﻟﻫﺫه المقاومة في مواقف العديد من مناضاي اليسار اﻟﺠﺫري المغربي و على رأسهم منظمة إلى الأمام خلال عقد السبعينات و التي دارت خلال السنوات الأخيرة على هامش تخليد اليوم العالمي ضد الاستعمار و اﻹمبريالية اﻟﺫي يصادف يوم 21 فبراير من كل سنة، تساهم في إغناء ثقافة المقاومة ﻫﺫه. لكن تأسيس هيئة مستقلة منظمة امناهضة العولمة الليبرالية لم يتحقق إلا مع تأسيس جمعية أطاك المغرب في شهر يوليوز 2000. ﻔﻤﻨﺫ سنة 1998 توالت الكتابات و الانتقادات و الندوات التي تنتقد ظاهرة العولمة الليبرالية و تدعو التيارات اليسارية المغربية الانخراط في مقاومة العولمة الليبرالية إلى جانب نضالها السياسي الداخلي. و قد أفرزت ﻫﺫه اﻹرهاصات الأولى تكوين أنوية صغيرة في كل من الرباط و الدار البيضاء تفكر في تأسيس مجموعة مناهضة العولمة الليبرالية و قد شكل مناضلو النهج الديمقراطي النواة الصلبة ﻟﻫﺫه الأنوية إلى جانب كل من تنظيمات اليسار الاشتراكي الموحد و حركة المناضلين التروتسكيين إضافة إلى شيوعيين لا منتمين. و مع بداية سنة 2000 زار المغرب بعض مناضلي أطاك فرنسا مثل جون لوك سيبيير واغناسيو راموني للمشاركة في ندوات تتطرق للعولمة و لحركة أطاك تم تنظيمها من طرف ﻫﺫه الأنوية. و ﻤﻨﺫ ﺫلك الحين بدأت أنوية الرباط والدار البيضلء تتوسع إلى مجموعات كبيرة ثم سرعان ما سينضاف إليها مناضلو النهج الديمقراطي من تارودانت فيشرع الجميع في التحضير لعقد جمع عام تأسيس لأطار المغرب اﻟﺫي سيتم في 15 يوليوز 2000 رغم محاولة عرقلة ﻫﺫا التأسيس من قبل الشرطة برفض الترخيص بعقد الاجتماع في قاعة المحاضرات بمدرسة المعادن بالرباط وقد انتقل المؤسسون إلى مقر الفضاء الجمعوي ﻟﻹعلان عن ﻫﺫا التأسيس. و في 15 يوليوز 2001 انعقد المؤتمر الأول لأطاك المغرب بمدينة الدار البيضاء و لم تحصل الجمعية على وصل إيداعها القانوني إلا خلال سنة 2002. و تضم أطاك المغرب اليوم عددا من التيارات السياسية اليسارية، لكن قراراتها تبقى مع ﺫلك متسمة بالاستقلالية، و تتمحور أهم مبادئها حول التقدمية و الجماهيرية و الديمقراطية و الاستقلالية. و قد باشر أطاك المغرب ﻤﻨﺫ تأسيسها عددا من الأنشطة النضالية، كمساهمتها الملموسة في بعض الملتقيات الدولية المناهضة للعولمة الليبرالية، كملتقيات برشلونة حول الشراكة الأورومتوسطية و ملتقى لبنان المناهض لمؤتمر منظمة التجارة الدولية بالدوحة و مؤتمر بماكو للمنظمات غير الحكومة اﻹفريقية و المنتدى الاجتماعي لبورتو أليغري بالبرازيل. كما قادت ﻤﻨﺫ بداية 2001 حملة ضد خوصصة المرافق العمومية لازالت ساري لحد الآن. كما عملت الجمعية إلى جانب هيئات سياسية و جمعوية أخرى على تأسيس هيئة لحماية المال العام و هيئة للدفاع عن الحريات العامة و شبكة لدعم الحركات الاحتجاجية. كما ساهمت إلى جانب المعطلين و المنظمات النسائية و النقابية في تنظيم بعض الأنشطة و التعبير عن مطالبها الاجتماعية. و تسعى أطاك المغرب إلى الانفتاح على فعاليات مختلف الحركات الاجتماعية و التنظيمات النقابية و المنظمات غير الحكومة و الجمعيات النسائية و المواطنين و المواطنات، من أجل تأسيس شبكة واسعة لمناهضة العولمة الليبرالية. وتعتبر ﻫﺫه المهمة استراتيجية في إطار بناء علاقات قوة تقوم على التعبئة في مواجهة هجوم الليبرالية الجديدة و سياسات التقويم الهيكلي. و يمثل الرفقاء الأساسيين لحركات أطاك المغرب في: -المنظمات التي تتوفر على علاقات مع القوى الاجتماعية اﻟﻤﺘﺠﺫرة و منها على الخصوص النقابات و حركة المعطلين. -المنظمات غير الحكومية ﺫات الطابع المحلي أو الوطني و التي تعمل حول مواضيع معينة تتلاقى مع انشغالات أطاك الرئيسية: كحقوق اﻹنسان و حقوق المرأة و حماية البيئة و محاربة الارتشاء الاقتصادي و حماية المال العام و الدفاع عن الحريات العامة و دعم الحريات الاجتماعية و بعض جمعيات الأحياء و مجموعات البحث..إلخ. -المواطنون غير المنظمون اﻟﺫين يتعبأون في إطار قضايا تتعلق بظروفهم المعيشية، سواء ما تعلق منها بالسكن أو بالمطالب بالخدمات الأساسية أو بغلاء فواتير الماء و الكهرباء أو بنزع الملكية أو بالتسريحات الجماعية جراء الخصوصية أو بالأضرار المرتبة عن تلويث البيئة. -الجمعيات الثقافية الجادة و تسعى أطاك المغرب إلى إقامة تحالفات ﺫات أبعاد مختلفة البعض منها حول قضية خاصة في فترة ما (مثل التعبئة الخاصة بمواجهة عمليات إفراغ سكان دور الصفيح أو بسبب انقطاعات الماء في بعض المدن أو بمواجهة غلاء فواتير الماء و الكهرباء) ، و البعض الآخرحول محاور عامة (مثل مقاومة مدونة الشغل و البطالة).
إعداد:
عبد السلام أديب
|