"الإرادة" الوطنيّة

العدد التّاسع أكتوبر/نوفمبر 2008

المعارضة واستحقاقات السّنة الجديدة

حوار مع عبد الرزاق الهمّامي

رئيس الهيئة التأسيسية لحزب العمل الوطنيّ الديمقراطيّ

الطريق الجديد: الملفاّت السياسية المطروحة أمام المعارضة في مستهلّ السنة السياسية الجديدة؟

الهمّامي: أوّلا أريد أن أنوّه بمبادرة "الطريق الجديد" التي تحمّلت مسؤوليّتها السياسية كصحيفة معارضة جديّة ومسؤولة في مواجهة حالة الرّكود الإعلامي الذي تطغى عليه اللغة الخشبية فيما يخصّ ملف الحوض المنجمي وملفّات سياسية أخرى.

أعتبر أنّ أهمّ الملفات المطروحة اليوم هو الملف الإجتماعي الذي طرح نفسه بقوّة على رأس الإهتمامات وذلك لعدّة أسباب لعلّ  أبرزها احتدام الأزمة الإجتماعية وتدهور المقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتزامن العودة المدرسية مع شهر رمضان الخ... ممّا يعكس حقيقة معاناة الفئات المحرومة. يضاف الى ذلك التكاليف المرتفعة للصحة والنقل التي تزامنت مع ارتفاع مستمرّ لأسعار المحروقات، رغم أنّه يتحقّق في تونس ولأوّل مرّة فائض من مدخول المحروقات في التبادل مع الخارج.

وهذا المؤشّر من اللاّزم أن يدفع الأطراف المسؤولة إلى مراجعة مسألة الزيادة المشطّة في السعار وعلى السلط أن تراجع هذا الوضع الذي ترافق مع انسداد الأفق في المفاوضات الإجتماعية، فعموم الأجراء والموظّفين ينتظرون تحسين وضعهم المادي. والأكيد انّ اتّحاد الشغل متحمّل لمسؤوليّته بكفاءة، ويدافع بحزم عن مصالح منظوريه. كما أنّ السلطة مصرّة بأنّ هناك اهتراء للمقدرة الشرائية للمواطنين مما دفعها لإقرار تسبقة على الزيادة مما يدلّ على مشروعية المطالب.

إنّ  الوضع الإجتماعي يحتدم ويتفاقم بتزايد حدة البطالة وخاصّة بطالة أصحاب الشهادات، وتراجع المنظومة التعليمية الفاقدة للآفاق، وتخلّف نسق التنمية بالمناطق المحرومة. كلّ هذه العوامل من شأنها أن تهدّد الإستقرار الإجتماعي وتوفّر مكوّنات جاهزة للإنفلات والإنجرار نحو الحلول اليائسة مثل الهجرة السرية والإنحراف والتطرّف.  فأيّ شرارة  يمكن ان تتسبّب في أزمة في البلاد. وأشير إلى ما حصل بسبب الإعلان عن نتائج عمليّة الإنتداب بشركة فسفاط قفصة التي تحوّلت إلى باعث لحركة احتجاجيّة كانت في الواقع عفوية. والحقيقة أنّ التحرّكات في الحوض المنجمي كانت بعيدة كلّ البعد عن أيّ شكل من أشكال التخطيط المسبق أو الإستهداف السياسي لا توظيفا ولا توريطا.

نحن نعتبر أنّ هذا الملفّ حارق وجميع الأطراف مسؤولة للتّعاون من أجل ايجاد مخرج ايجابي للأزمة بعيدا عن روح التشفيّ  أو الإنتصاريّة الزّائفة، ويمرّ هذا المخرج من خلال إطلاق سراح المسجونين وجبر الأضرار والكفّ عن ملاحقة المواطنين. وهو ما يمكن أن يكون مدخلا لتنقية الحياة السياسية والإجتماعية خاصّة إذا اقترن بسنّ قانون للعفو التشريعي العام.

كلّ هذا لا يمكن أن يكون إلاّ إذا تجسّم في إرادة سياسية لدى السلطة في الإنفتاح والحوار الحقيقي والتشريك الفعلي لمختلف مكوّنات المشهد السياسي المدني، وعلى هذه الأطراف كذلك أن تتحمّل مسؤوليتها الحقيقية التي لا تتمثّل في المساندة التملّقية غير المجدية ولا في المعارضة الغوغائية غير المسؤولة التي تقفز على امكانيات الواقع ورهاناته الحقيقية. بل في مواجهة المشاكل بواقعية ومبدئية وفي اقتراح حلول مجدية وقابلة للتطبيق ومراعية لمقتضيات العدل والانصاف والتساوي ازاء القانون. وهو ليس عسيرا على نخبنا وعقولنا خاصة اذا توفرت الشروط لحوار وطني جدي حول الملفات الاساسية كالتشغيل والتعليم.

 

الطريق الجديد: تنتظم بعد عام تقريبا الانتخابات الرئاسية والبرلمانية: ماهو تقييمكم لمميزات هذه الانتخابات؟ هل تختلف عن سابقاتها؟

الهمّامي: بدءا نحن نرى ان المواعيد الانتخابية في الانظمة الديمقراطية تمثل مواعيد مفصلية في الحياة السياسية. ولا يمكن للأحزاب السياسية إلا أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر لأنّه مدار تاطير المواطنين في ممارستهم لاختيارهم لمن يحكمهم. وكان هناك أمل من قبل القوى السياسية التونسية في أن تكون سنة 2009 محطّة لنقلة في هذا الشأن. وكنّا نتصوّر أنّ السلطة ستعي خطورة هذا الرهان خاصة وأنّه لاتوجد مخاطر كبيرة فيما يتعلّق بمكانة الحزب الحاكم في داخل النظام القائم. ولا يتصوّر عاقل أنّ البلاد حاليا عرضة لان يتغيّر فيها ميزان القوى بشكل جوهري. فالأكيد أنّه كان من المفيد أن تنتقل الأوضاع من صورة الانتخابات الصورية معروفة النتائج مسبّقا بنسب كاريكاتورية إلى انتخابات تشهد خلالها منافسة حقيقية.

كلّ المؤشرات البادية حاليا تؤكد أنّ الوضع لن يتغيّر، وكلّ ما ترسله السلطة من  اشارات ليس أقلها منع اللقاء التضامني مع أهالي الحوض المنجمي بمقرّ حركة التجديد، والتضييق على النشاط العادي للأحزاب إلا خير دليل علي ذلك.

الطريق الجديد: كيف تفسّر اصرار السلطة رغم ذلك على اجراء انتخابات صوريّة؟

الهمّامي: الدافع إلى ذلك هو أنّ السلطة تنطلق من حالة الرضاء على النفس بما ترى أنّه مكاسب في الاقتصاد وتعتمد على نسبة 6 بالمائة من النموّ المحققة على أنّها كافية، بالاضافة إلى جهودها التي طالما وقعت الاشادة بها في مقاومة الارهاب. وهو ما يجعلها ترى أنّها في مأمن من الهزّات الكبرى طالما أنّ هناك وضعا اقتصاديا مستقرا بالبلاد من خلال التحكّم في التوازنات الاقتصادية والمالية الكبرى وفي مأمن من الاحراجات الخارجية.

أنا اعتقد أنّ هذه المقاربة قصيرة النظر ومضرّة بالبلاد، سلطة ومعارضة، لأنّ المؤشرات الاقتصادية تعتبر هشة والازمة الاجتماعية الاخيرة خير دليل على ذلك.

إنّ التوافق على تواصل الوضع الحالي سياسيا من قبل قوى التحالف الطبقي والسياسي الممسك بالسلطة في البلاد ومن قبل حلفائه الخارجيين، هو ما أدّى إلى نزعة الهروب إلى الأمام التي بدت غير مبرّرة.

 

 الطريق الجديد:ماهو دور المعارضة في مواجهة هذا الوضع؟

الهمّامي: إنّ دور المعارضة يتمثّل في تحمّل مسؤوليتها. ونحن نعتقد أنّ الوضع المتردّي لا يجب أن يدفع المعارضة إلى اليأس، عليها أن توحّد جهودها، وأنا أقصد المعارضة المدنية والوطنية، وأن ترى أبعد من حساباتها الخاصّة على مشروعيّتها، لكنّها يجب أن لا تحجب ضرورة العمل المشترك وأولويّته. وأعتقد أنّ مشروع "المبادرة الوطنية من أجل الديمقراطية والتقدّم" الذي صغناه مع حركة التجديد والحزب الإشتراكي اليساري والمستقلّين هو مشروع جدّي لتحقيق هذا الهدف، لكنّه يبقى مشروعا في حاجة ماسّة إلى حملة توضيح لدى الرأي العام وإلى أعمال ميدانية مشتركة للإقناع بجدواه. تدور حول العدالة الإجتماعية ومناهضة الهيمنة والدفاع عن الإستنارة في مواجهة رياح الردة الرجعية، خاصّة في ظلّ البيترودولار.

إنّ موعد الإنتخابات يمثّل فرصة للتعريف بمشروعنا الجماعي وتكتيل جهود القوى الديمقراطية حول برنامج ومرشّحين. نريد رموزا يمثّلون هذه الرّؤية سواء في الإنتخابات الرّئاسية أو التشريعية، وهذا الأمر ممكن في ظلّ المتاح الذي نحن لسنا راضين عنه.

 

الطريق الجديد: ماهو موقفكم من المشاركة في هذه الإنتخابات أو عدم المشاركة؟

الهمّامي: نحن نرى أنّ التنقيح الدستوري الأخير كان فيه جانب اقصائي وتعسّفي على حريّة الأحزاب السياسية في اختيار ممثليها، ولكنّنا مع ذلك نتمسّك بكلّ امكانية جديّة ولو محدودة لممارسة سياسية ايجابية تمكّن المواطنين من ممارسة حقّ الإختيار وتخرجهم من حال التهميش وعدم الإكتراث. لسنا مستعدّين للدّفاع عن مشاريع غير واقعية. لكنّنا نقول بكلّ وضوح أنّه اذا لم يكن ثمّة الحدّ الأدنى من الشروط المواتية لانتخابات ديمقراطية في مستوى الإعداد والإنجاز والإجراء فنحن لسنا مستعدّين لأن نكون شهود زور.

ولكن مع ذلك فإنّنا نعتقد أنّ المجال ما زال مفتوحا أمام امكانيّة لإجراء انتخابات بحدّ أدنى من الشروط الملبية للتطلّعات الديمقراطيّة. وفي هذا الإطار سنكون الى جانب حلفائنا ضمن المبادرة الوطنية سواء تعلّق الأمر بالرّئاسية أو التشريعية شرط أن نتقدّم في بلورة مواقع الإتّفاق فيها لأنّه لا يخفى أن هناك قدر كبير من التعثر والإرجاء وعدم الوضوح الذي يجب تجاوزه في أسرع وقت ممكن.

ونحن في حزب العمل ندعو في هذا الإطار كافّة الحركات الأخرى إلى أن تكفّ عن التعامل معنا تعاملا انتقائيا، ويجب أن تتجاوز مقاييس السلطة في التفرقة بين أحزاب مؤشّر لها وأخرى غير مؤشرة. فمن حقّ هذه الأحزاب أن تكون لها مخطّطاتها الخاصّة ولكن عليها أيضا أن تراعي مصلحة المعركة من أجل الديمقراطية.

 

الطريق الجديد: في موضوع القانونية وغير القانونية، أين وصلت مساعيكم للحصول على تأشيرة لحزب العمل الوطنيّ الديمقراطيّ؟

الهمّامي: نحن في حزب العمل نعاني من عدم تسوية وضعنا من قبل السلطة. فنحن حزب كان قد تقدّم بطلب تأشيرة منذ أكثر من 3 سنوات، واستوفينا كلّ الجوانب القانونية، لكنّ السلطة رفضت أن تعطينا وصل تسلمّها لملفّنا، وهو ما أجبرنا على إرسال هذا الملفّ عبر البريد مضمون الوصول. وبعد اتمام هذه الإجراءات وانتهاء المدّة القانونية، أعلنّا للعموم أنّنا نعتبر أنفسنا موجودين قانونيا، ونحمّل السلطة عملية تعطيل إشهار ذلك بالرّائد الرسمي. هذا مع العلم أنّ الإشهار حسب قانون الأحزاب غير محدّد بأجل معيّن، وإنّ عدم القيام به لا يبطل قانونية الحزب.

كما طالبنا بحقّنا في إصدار جريدة للحزب واستوفينا كذلك جميع الإجراءات وأمام صمت السلط، قمنا باصدارها بامكانياتنا الذاتية بالرغم من أنّنا لم نتحصّل على وصل الإصدار، ونحن نتحمّل مسؤوليّتنا في ذلك. وقد منعنا أخيرا من المشاركة في الإجتماع التضامني مع أهالي الحوض المنجمي الذي نظّمناه مع شركائنا السياسيين في المبادرة الوطنية في مقرّ حركة التجديد، وقد استدعت السلطة الأمنية رفيقنا محمّد جمور القيادي بالحزب يوم 27 جويلية لتعلمه بضرورة الكفّ عن النشاط، علما وأنّ هذا الرفيق مازال محلّ مضايقات ظالمة متكرّرة منها ماهو مالي ومنها ماهو أمني، لكنّ ذلك لن يثنينا عن أداء واجبنا الوطني في تحمّل المسؤوليّة السياسية وفق مقتضيات القوانين السارية.

ونحن في داخل الحزب مطروح علينا ضرورة الإرتقاء بالقيادة الحالية للحركة من مشروعية التأسيس إلى مشروعية الإنتخاب الديمقراطي، ولهذا الغرض فإنّنا نعتزم انجاز مؤتمرنا الأوّل في ظرف مناسب ولانراه بعيدا، ونحن نحرص على أن ينعقد بصفة علنية وفي محلّ عمومي وبكلّ شفافية، وسنضع الجميع أمام مسؤوليّاتهم، وإنّنا نتطلّع إلى القوى الديمقراطية أن تقف معنا في هذه المعركة ونتوجّه إلى السّلط لتدرك مشروعيّة مطالبنا وتستجيب لما بات يعتبر استحقاقا ملحّا وايجابيّا في تحريك وتأطير الحياة السياسية المدنية.

حاوره سفيان الشورابي

المصدر: الطريق الجديد 27/09/2008

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org