"الإرادة" الوطنيّة

العدد التّاسع أكتوبر/نوفمبر 2008

قراءة في مؤتمر الحزب الحاكم

لقد وقع حشد كل الإمكانات المادية والبشرية والدعائية من أجل انعقاد المؤتمر الخامس للحزب الحاكم تجسيما للترابط العضوي بينه وبين الدولة. وقد مثلت وقائعه وفعالياته وتداعياته المنتظرة أهم حدث سياسي للسنة السياسية المنقضية (2007-2008).

ونظرا لاحتكاره الحياة السياسية والهيمنة والانخرام الفادح في ميزان القوة بينه وبين باقي المكونات السياسية فإن نتائجه ستطبع بالضرورة كل المستويات في المرحلة القادمة.

ومن خلال تصريحات قيادته يبدو أن شعار "التحدي" لم يكن اعتباطيا بل حمّالا لجملة من المضامين والدلالات تتعلق بالملف الاجتماعي والملف الاقتصادي والملف السياسي.

فبخصوص الملف الاجتماعي مثلت أزمة الحوض المنجمي على مدى الأشهر الأخيرة إقرارا بفشل منوال التنمية في الحد من الاختلال بين الجهات ومن البطالة ومن التدهور العام لمستوى العيش... ولئن كانت طبيعة الأزمة خاصة بالحوض المنجمي فقد كان هاجس امتدادها إلى جهات أخرى مصدر قلق للسلطة وتساؤل حول مدى قدرة حزبها على السيطرة على الأحداث ووضع حد للاحتقان والتصدي لأي شكل من أشكال التأطير والتنظم من قبل الفعاليات التي أفرزتها التحركات النضالية الميدانية للأهالي...

وقد كان هذا العجز بمثابة الدافع إلى انتهاج السلطة الحل الأمني عبر الإيقافات والمحاكمات بعد انتظار طويل عوّلت فيه على هياكلها لامتصاص الاحتقان.

وعلى مستوى آخر، فقد شكّل ملف المفاوضات الاجتماعية الذي يبدو انه مرشّح إلى أن يمتدّ إلى السنة المقبلة بحكم صمود المركزية النقابية وتمسكها بالسقف الذي وضعته لنفسها أمام ضحالة ما تقترحه الحكومة والأعراف، أحد الملفات المستعصية على الحل ولعل تدخّل أعلى هرم السلطة هو المدخل المتاح حاليا لوضع حد للتعثّر، ولن يكون هذا التدخّل مقبولا نقابيا إلا إذا كان يلبّي شرط التحسين للمقدرة الشرائية لعموم الأجراء..

إن تعيين السيد محمد الغرياني أمينا عاما للحزب الحاكم وهو المختصّ في علم الاجتماع له أكثر من دلالة سياسية ولعلّ أوّل ما سينكب على معالجته هو أساسا وضع حد للهوة التي تفصل الحزب عن مجتمع بدأ يعيش حالات يقظة اجتماعية متنامية.

وفي ما يخص الملف الاقتصادي فإن تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي أثارت جملة من الاختلالات الهيكلية للاقتصاد التونسي يمثّل مصدر قلق حول مدى جاهزيته لمزيد من الاندماج في الفضاء الاقتصادي المعولم الذي يعيش على إيقاع الأزمة المالية العالمية التي تنذر بتداعيات كفيلة بأن تضع حدا للبنى الحالية التي يرتكز عليها النظام النقدي العالمي.

إن الدور الذي ما فتئ يقوم به الحزب الحاكم في هذا المجال هو حشد الطاقات والإمكانيات وتجنيد الفاعلين الاقتصاديين تجسيدا لخيارات الدولية... فهل مازال فعلا بهذه الجاهزية خاصة وأنّ عالم المال والأعمال بدأ يعيش حالة من الانفلات السياسي العفوي ترجمته مؤتمرات اتحاد الصناعة والتجارة الأخيرة خاصة في ظل التوازنات الجديدة المرتبطة بصعود رموز مؤثرة في مواقع القرار الاقتصادي والسياسي؟؟

أما الملف السياسي فأهم ملامحه هو استعداد الائتلاف الطبقي الحاكم للاستحقاق الانتخابي المقبل وكل المؤشرات تدل على أنه مصر على مواصلة انفراد الحزب الحاكم بالهيمنة على الحياة السياسية والاستفراد بالسلطة واحتكار كل الفضاءات الحيوية للعمل السياسي والاكتفاء بواجهة شكلية لتعدّد بدون تعددية خاصة في ظل غياب معارضة مؤثرة بل إنه بات مشغولا بكيفية استمرار سلطته للامساك بمقاليد الأمور دون إدراك جدي لخطورة ذلك على مستقبل البلاد.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org