"الإرادة" الثقافية

العدد التّاسع أكتوبر/نوفمبر 2008

درويش الرّاحل الباقي

 

في هذا الصيف غادرنا محمود درويش وهو من أبرز الشعراء العرب المعاصرين. ولد سنة 1942 في قرية  البروة في الجليل أيام الانتداب البريطاني على فلسطين. وعلى إثر احتلال الجيش الإسرائيلي البروة سنة 1948 لجأت العائلة إلى لبنان. لتعود إلى وطنها المحتل سنة 1949 وتجد القرية قد دمّرت وبنيت مستوطنات على أنقاضها. وقد اعتبر درويش هو وعائلته متسللين وغرباء غائبين حاضرين، فمنعوهم من حقوقهم. وحجب عن محمود درويش جواز السفر كما منعت عليه الدراسة العليا في فلسطين المحتلة  فغادرها لدراسة الاقتصاد السياسي في موسكو سنة 1970.

عانى التهجير والمنفى طيلة حياته فتنقل من بيروت (1973-1982) إلى سوريا وقبرص والقاهرة وتونس وباريس. وقد كان تحديا كبيرا على شاعر يعاني مأساة التهجير والمنفى والإحساس بأنه لاجئ حتى داخل وطنه أن يعمل على نحت اسمه في مصاف العالمية.

ولدرويش تجربة شعرية نضالية طويلة بالمعنى الواسع للنضال السياسي والثقافي والإنساني. إذ هو الناشط السياسي المهموم بقضية وطنه والسجل السياسي للرجل يشهد بذلك:

 

-         1961: الالتحاق بالحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح والعمل محررا لصحيفته

-         من 1961 إلى 1969: السجن لعدة مرات بتهمة مغادرته حيفا دون تصريح

-         1973: الالتحاق بمنظمة التحرير الفلسطينية ومنعه من العودة إلى فلسطين المحتلة لمدة 26 عاما

-         1987: انتخابه للّجنة التنفيذية لمنظمة التحرير

-         1988: كتابة إعلان الدولة الفلسطينية

-         1993: الاستقالة من اللجنة التنفيذية بعد أوسلو

وقد اخترنا من شعره هذه المقاطع:

 

ـ نمت لأطير ـ

هكذا حدّث درويش: ساخرا بمفعول فراسة الشعر،

من جبن الموت، وصلف العدو..

"ويا موت انتظر، واجلس على الكرسي.

خذ كأس النبيذ، ولا تفاوضني...

... أنت مسؤول عن الطينيّ فيّ البشريّ،

 لا عن قوله أو فعله/ هزمتك يا موت الفنون جميعها

هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين...

.... وأفلت من كمائنك

الخلود....

فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريد

وأنا أريد أن أحيا...

فلي عمل على جغرافيا البركان"

ـ جدراية محمود درويش، ص ص 54-55

 

******************************

 

"في كوخنا يستريح العدو من البندقية،

يتركها فوق كرسيّ جدي، ويأكل من خبزنا.

مثلما يفعل الضيف...

.... تلمع أزرار سترته عندما يبتعد

عم مساء وسلّم على بئرنا

وعلى جهة التين. وامش الهوينى على ظلّنا في حقول السعير

وسلّم على سرونا في الأعالي

ولا تنس بوّابة البت مفتوحة في الليالي

ولا تنس خوف الحصان من الطائرات،

وسلّم علينا هناك، إذا اتسع الوقت.../

.............

سلّم على بيتنا يا غريب."

ـ لماذا تركت الحصان وحيدا، ص 164

 

*********************************

مرّ الكلام: كم كنت وحدك؟.

كم كنت وحدك يا ابن أمي/ يا ابن أكثر من أب عربي يقايض جلدك/

بمسدس صدء للعدوّ ليصطادك/ كم كنت وحدك

وأنت تطهّر كلام القبيلة من ألفاظ التواطؤ ومعاني الظلام/

أنت أيها المنذور قربانا للمنفى وللمذبحة/

كم كنت الطريق للوطن- للقرية الأولى

موحشة، بين حناجر "أصحاب السقيفة"

وأطماع أهل البيت المكسو بأوحال النفط/

كم يلزمنا من النكسات والنكبات... لنمشي سويا في موكب الشمس !

لا عليك يا "ابن حورية" فنحن بغنائك لا نكف نقول للبلاد:

"وما زلنا نحبّك. حبّنا مرض وراثي.

بلاد حين تنبذنا إلى المجهول... تكبر.../

تصير معراجا إلى الأعلى... إلى الأعلى".

ـ الامضاء الشخصي لمحمود درويش: تونس – نزل أفريكا: 2005.08.10  ـ

[من تقديم أم هند وابن الشعب]

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org