"الإرادة" الثقافية

العدد التّاسع أكتوبر/نوفمبر 2008

قراءة في كتاب (الجزء الثّاني)

في الذكرى التسعين لولادة المناضل الوطنيّ المغمور عزّالدين عزّوز
(05 جويلية 1918 – 05 جويلية 2008)

 

إذا كان موقف الشق البورقيبي في هذه المسألة واضحا فإن موقف الشق الثامري لابدّ من التوقف عنده.

يروي عز الدين عزوز أنه بعث عن طريق الحبيب ثامر رسالة إلى الحبيب بورقيبة بتاريخ 26 أوت 1946، ولكن الحبيب ثامر لم ير من "الحكمة" أن تصل إلى بورقيبة فاحتفظ بها : فماذا تتضمن هذه الرسالة وما هي دوافع ثامر؟[1]

مما جاء في هذه الرسالة :

"أودّ استشارتكم حول مسألة هامة وعاجلة جدا. لقد تلقيت منذ بضعة أيام رسالة من تونس بعث بها إلي قائد كشاف[2]، كنت قد كلفته قبل مغادرة تونس بأن ينظم تنظيما دقيقا حركة مقاومة سرية تستند خاصة إلى قادة وطرقيين وكشافيين يتميزون تميزا تاما بالأمانة والإخلاص. هذا القائد الكشاف الذي أثق فيه ثقة مطلقة لمهاراته في القيادة والتنظيم، أعلمني أن مرحلة التنظيم قد انتهت بعد شهور كثيرة من التنظيم. وأن هناك نواتات مقاومة في كل أرجاء تونس. وأعلمني أن الحركة في هذا الوقت أصبحت جاهزة للتحول إلى مرحلة الفعل. لقد كاتبته فورا لأطلب منه الانتظار حتى أستشيركم [استشارة بورقيبة] في هذا الموضوع، لأعرف إن كان الوقت ملائما للبدء في المقاومة. وإن كنتم توافقون على العمل المباشر (المسلح). وإذا كانت إجابتكم بالموافقة، فإننا أنا وصاحبي الكشافين نودّ العودة إلى تونس متسللين عبر مصر ثم ليبيا بطريقة تضمن أن نكون على عين المكان في الوقت المناسب. وأن نقود "العمليات" منفذين أوامركم ومتبعين نصائحكم. إن هذا القائد الكشاف يعلمني كذلك أنه على اتصال بقادة الحزب في تونس وأن هناك تنظيمات سرية أخرى لا تعرف بعضها البعض وهو ما يمثل نقطة ضعف. وكذلك فأنا أطلب منكم "يا رئيسي" أن تجيبوني في أقرب وقت ممكن حتى أعرف ما هي التوجيهات (التي يجب) أن تعطى لهذا القائد الكشاف الذي لا شكّ أنه ينتظر بتلهف رسالة مني"[3].

تحدث الحبيب ثامر عن هذه الرسالة الموجهة إلى بورقيبة والتي لم تصله في أول رسالة له إلى عز الدين عزوز بتاريخ 11 سبتمبر 1946 على النحو التالي [4]:

"تلقيت بشغف كبير رسالتك المؤرخة في 26 أوت التي أرسلتها إلى سي الحبيب[بورقيبة] ليحميك الله أنت والحركة التي تسيرها، عساها تنمو وتتتطور من أجل خير أكبر للوطن، إلا أن مستوى الاستعداد حسب اعتقادي ليس كافيا بعد. وكلما تمّ تمديد (فترة) الاستعدادات كانت النتائج أكبر وثمارها أنفع. إن الوقت ليس بعد ملائما للشروع في النضال الذي سيحرر وطننا. فهناك عوامل خارجية علينا وضعها في الحسبان لضمان النجاح وقد يكون من الأنفع لنا أيضا البدء بمباشرة التحضيرات الخارجية. إن برنامج العمل واسع جدا ولا يمكن تلخيصه في رسالة مثل هذه، وبطبيعة الحال ليس من الحكمة رسمه كتابيا. على أنني أطلب منك بإلحاح معوّلا على ثاقب نظرك وذكائك، أن يقع تدارس مثل هذه القضايا مع المسؤولين في تونس بالذات. إنه من الضروري أن يقيم مشايعوك اتصالات مباشرة مع أعضاء الحزب في تونس وأن يتلقوا الأوامر منهم، لأنهم أكثر منا اطلاعا على الوضع الداخلي[5]. أرجو منك أيضا أن لا تتحدث في المستقبل عن هذه المسائل في الرسائل التي توجهها إلى سي الحبيب (بورقيبة) لأنه علينا أن نضع في الحسبان الظروف المحيطة بكل واحد منا[6] . وعلى كل فإننا تلقينا بسرور حقيقي هذه الأنباء التي بلغتنا. وتبينا بوضوح أنك رجل المهمات الحاسمة والتضحيات من أجل خير وطننا. فلتواصلوا استعداداتكم ولتطوروها، وكونوا على استعداد لمواجهة كل الوضعيات والاحتمالات، كونوا تحت أوامر الحزب، وليفد الله خطانا نحو الظفر، إننا سنعمل فيما يتعلق بالمجموعات الأخرى التي تنشط دون تنسيق على إرسال ملاحظاتك إلى من هم في  تونس.[7]

الإمضاء أخوك الحبيب ثامر

ويعود الحبيب ثامر إلى مسألة هذه الرسالة في رسالة أخرى بتاريخ 12 سبتمبر 1946 .

"الأخ العزيز (عز الدين عزوز)

سيصل الحبيب بورقيبة إلى لندن في بحر الأسبوع القادم (...) (فاستقبله) في المطار، ولتصطحب معك صحفيا، إذا كان ذلك ممكنا ولتحجز له غرفة في نزل متوسط غير باهض الثمن (...)

ويضيف ثامر في الحاشية :

لم أذكر له رسالتك السابقة لأسباب لا يمكن أن تهمك في الوقت الحاضر (لذلك) لا تأت على ذكرها حتى لا تسبب لي معه مشكلا لا جدوى منه. أطلب منك أن لا تذكر هذا الأمر (المقاومة) الذي كان موضوع رسالتك الأخيرة. لكن إذا كنت مصرا على مناقشة هذه القضية معه فأنا أرجوك أن تكون كيّسا فلا تذكر الرسالة التي أرسلتها إليه، والتي لم  أسلمه إياها خدمة للصالح العام[8]"

تتضمن رسالتا الحبيب ثامر ما يلي :

- الاطمئنان لروح التمرد عند أفضل الكشافين التونسيين

- دعوتهم إلى النشاط في إطار ممثلي الحزب الدستوري الجديد في الداخل، لقوله بأولوية الداخل على الخارج

- اقتناعه التام بعدم تهيؤ الظروف الموضوعية سنة 1946 لقيام حركة مسلحة ولذلك فهو يدعو إلى التريث. إن تغليب ثامر – في هذه الفترة  العمل السياسي على العسكري نلمسه من سعيه إلى توحيد الحركات الاستقلالية السياسية المغربية التي لم تبلغ هي نفسها المستوى المرجوّ : إذ كتب في رسالة إلى عز الدين عزوز بتاريخ 15 أكتوبر 1946 : "ربطنا أثناء إقامتنا بإسبانيا (من 1944 إلى 1946) صلات بالإخوة المراكشيين بهدف العمل جماعيا على تنظيم الدعاية في لندن وواشنطن وتوصلنا إلى اتفاق مبدئي لا يزال صالحا إلى اليوم[9]، إن المراكشيين هنا وكذلك ممثل حزب الشعب الجزائري متفقون حول هذا البرنامج. على أنه ما تزال هناك مشاكل كثيرة تحتاج إلى الحل قبل أن نعالج هذه المشكلة بالذات على أسس صلبة. لقد كاتبنا رسميا في الموضوع حزب الشعب الجزائري وحزب الاستقلال المراكشي حتى نصل إلى اتفاق مع القادة أنفسهم ونتخذ قرارات مبنية على أسس مبدئية. إن مثل هذا الاتفاق سوف يحصل في نظري ولكن بعد بذل كثير من الجهود وبعد عناء نتحمله من جهتنا، وما ذلك في الحقيقة إلا لأننا نحن التونسيين أقرب إلى فكرة الوحدة الشمال إفريقية من الإخوة الآخرين في بلاد المغرب. أما الإخوة الطرابلسيون فإن اشتراكهم معنا سيكون أكثر صعوبة لأنهم، للأسف، أبعد ما يكون عن الاتفاق فيما بينهم وقد يكون انضمامنا إليهم سببا في مناهضة الإنجليز لنا لأن أعداءهم الاساسيين في هذا الوقت هم حصرا الإنجليز[10].

هاتان الرسالتان - وغيرهما من الرسائل-  تشيان بجانب يتعلق بشخصية الحبيب ثامر فهو ميّال إلى تقريب من يرى فيهم كفاءة واستقلال شخصية بل هو لا يرى حرجا ومنذ البداية في التعامل معهم من دون أي تعطف ولهذا السبب أشرك عز الدين عزوز منذ أن حل بالقاهرة في فيفري 1947 في مؤتمر المغرب العربي، ثم سهّل عليه، مستعينا في ذلك بيوسف الرويسي، الالتحاق بالكلية العسكرية بسوريا في أفريل 1947 إيمانا منه بوجوب تكوين شباب مقاوم ذي تكوين عسكري رفيع. وبذلك بدأت في حقيقة الأمر تجربة عز الدين عزوز المرة مع قادة الحزب الدستوري الجديد في شقه البورقيبي هؤلاء القادة الذين عبّر على البلهوان عن فلسفتهم الاستقلالية مثلما رأينا قبل الآن.

كتب عز الدين عزوز عن هذا الشق المقيم في المهجر المصري والذي يوصف بعقلية "الزاوية" أثناء إقامته القصيرة أي مدة شهرين في العاصمة المصرية (فيفري – مارس 1947 ) :

"شعرت بسرعة بهذا الميز إذ لا يلقى كل التونسيين اللاجئين إلى القاهرة المعاملة نفسها. هناك تونسيو الدستور وهناك الآخرون. أنا نفسي أحسست بعداوة إزائي عند "الانفصاليين"، فمراسلاتي كانت تراقب خاصة من علالة العويتي (...) وبعد موت الهادي السعيدي سنة 1948 وقع العثور في حقائبه على الكثير من رسائلي الموجهة إلى الفقيد المنجي بالي والتي تتصل بالمقاومة التونسية، كان حاجب المكتب عوضا عن إيداعها صندوق البريد يسلمها "أوتوماتيكيا" إلى هؤلاء السادة"[11].

وكتب عن التحاقه هو وجماعته من الكشافين بسوريا في أفريل 1947 :

"كنت بالنسبة إلى "الانفصاليين" أعمل من أجل تكوين شق انفصالي، لم أبال  كثيرا  بعدواتهم  وحافظت على علاقات طيبة بالدكتور الحبيب ثامر الذي كان يسلك إزائي سلوكا لا تشوبه شائبة. وفي خفية اتفقنا أنا وأحمد الفراتي والتيجاني القطاري والصغير لاغة والحبيب بوزقندة على الذهاب إلى سوريا للالتحاق بالأكاديمية العسكرية إذ حصل يوسف الرويسي لنا على موافقة وزارة الدفاع السورية. كان من اللازم أن يبقى المشروع سريا...[12].

سنتا 1947 و1948 هما سنتان حاسمتان في تاريخ هذا البلد الذي يعد منبتا للفكرة العربية، والذي كان يرأسه "شكري القوتلي"ويقود حكومته "جميل مردم" فهما سنتا تقسيم فلسطين وقيام الكيان الصهيوني وهذان حدثان مازالت البلاد العربية جميعها تعاني من آثارها.

(يتبع)

 

[1] أنصار بورقيبة كانوا يسلكون المسلك نفسه، فيحتفظون برسائل خصومهم ومنهم عز الدين عزوز لا يوصلونها إلى مكاتب البريد

[2] من الواضح أن الأمر يتعلق بالهادي بن عمر، خلفه على رأس المنظمة الكشفية

[3] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. pp.83-84

[4] رسائل مكتوبة على عكس رسائل بورقيبة بالعربية ولذلك نقلها عز الدين عزوز إلى الفرنسية وأعاد صاحب البحث تعريبها، فلا عجب أن لا يكون الأسلوب هو أسلوب ثامر المعهود في كتاباته

[5] يميز ثامر بين النشاط في الداخل الذي يجب أن يحظى في نظره بالأولوية والنشاط في الخارج (ممثلا فيه وفي بورقيبة وغيرهما) الذي هو نشاط تكميلي

[6] هذه الرسالة هي أول رسالة يوجهها ثامر إلى عزوز بمعنى أنه ليس يوجد بينهما تواطؤ على "مقاومة" بورقيبة فكل ما في الأمر أن ثامر يقول بـ"توزيع العمل الحزبي وبأولوية الداخل على الخارج أي عكس ما يقول به بورقيبة تماما.

[7] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. pp 92-93

[8] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.94

[9] تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة، هو إذن فكرة ثامرية لا بورقيبية على عكس ما كتب الحزب الدستوري التونسي الجديد

[10] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. pp.97-98

[11] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.115

[12] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.116

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org