|
"الإرادة" العربيّة |
|
العدد التّاسع أكتوبر/نوفمبر 2008 العراق: اِتفاقية لتأبيد الاِحتلال جرت في الآونة الأخيرة مباحثات عسيرة بين الحكومة العراقية العميلة وبين الإدارة الأمريكية بشأن الاتفاقية الأمنية التي تعتزم هذه الإدارة إلزام العراق بها من خلال تقنينها. وتتأتّى صعوبة المباحثات من صعوبة الوضع المتّسم بالتجاذبات التي تشهدها الساحة السياسية العراقية ومن الوضع الإقليمي والدولي بما شهده أخيرا من تقلبات. وبالعودة إلى المشروع الذي قدّمته الإدارة الأمريكية للتفاوض في شأنه مع حكومة المالكي فإننا ندرك مدى خطورته إذ يرمي إلى إقامة ما يقارب الخمسين قاعدة عسكرية على التراب العراقي إضافة على السيطرة الأمريكية على المجالات الجوية والبرية والبحرية وتوفير حصانة قانونية للجنود الأمريكيين وللعناصر الأمنية العاملة في الشركات الأمنية الأمريكية الخاصة الناشطة في العراق ضد المقاومة. هي بنود ترمي إلى تأبيد الاستعمار الأمريكي وتقنينه وهو ما ترفضه قوى المقاومة وتتحفظ عليه جل الأحزاب حتى المتعاونة مع الامبريالية لأن بعض بنود هذا الاتفاق تضعها في حالة حرج وعجز عن تمريرها. فالسيستاني مثلا وهو الذي أفتى للتعاون مع الاستعمار الأمريكي عبّر عن رفضه لهذه الاتفاقية بصيغتها تلك، كذلك فعل "المجلس الإسلامي الأعلى" بزعامة عبد العزيز الحكيم الذي عاد إلى العراق في ظل الاحتلال بعد إقامته الطويلة في إيران. ومن أسباب التحفظ الذي تبديه هذه القوى الخشية من أن تتحول هذه القواعد العسكرية إلى نقاط انطلاق لعمليات عسكرية محتملة ضد إيران التي لن تبقى مكتوفة الأيدي تجاه هؤلاء الساسة إذا سمحوا بذلك خاصة وأن التواجد الإيراني في العراق ازداد تغلغلا وصار السائرون في الفلك الإيراني متنفذين في الساحة السياسية العراقية وأيضا في دواليب الدولة وأصبحوا يطوّقون حكومة المالكي حتى أنه اضطر إلى زيارة إيران لجسّ النبض فكان رد فعل النظام الإيراني حازما وصارما مما جعل هذا الأخير يزداد ترددا وتحفظا على بعض بنود الاتفاق قائلا خلال زيارته هذه في لقائه مع وزير الخارجية الإيراني منوشهرمتكي: "لن نسمح أن يتحول العراق إلى قاعدة للإضرار بأمن إيران والدول المجاورة". وبمجرد عودته للعراق عاد للتفاوض من جديد من أجل تعديل بعض بنود الاتفاقية بما يمكّنه من إرضاء الطرفين (الأمريكي والإيراني). يضاف إلى العاملين المذكورين عامل ثالث هو بعض التحولات العالمية التي أكدتها أحداث جورجيا ورد الفعل الروسي القوي الذي زعزع صورة الامبريالية الأمريكية على المستوى العالمي مما جعل بعض القوى في العالم وحتى تلك التي دأبت على الانصياع التام لأوامر أمريكا جعلها تتململ ووصل الأمر إلى حد التعبير عن مواقف متناقضة مع الموقف الأمريكي حفاظا على مصالحها الخاصة وهو ما استثمرته بعض القوى العراقية المتأمركة تاريخيا لتلتحق بموقف التحفظ وحتى الرفض تجاه مشروع الاتفاق ببنوده المثيرة للسخط وللمزيد من المقاومة وهو ما يهدّد سلطة ومصالح هؤلاء. ومن هنا باتوا في وضع لا يحسدون عليه ويحاولون الخروج منه بأخف الأضرار بما يضمن استمرار حكمهم اللاشرعي ومصالحهم فلا الرفض المطلق لمشروع الاتفاق يرضي أمريكا التي لا تزال اللاعب الأقوى في العراق رغم حالة الارتباك التي تعيشها هناك ولا القبول المطلق يرضي إيران متنامية التواجد والتأثير في الساحة العراقية. |