|
"الإرادة" الإقتصاديّة |
|
العدد التّاسع أكتوبر/نوفمبر 2008 فشل الليبرالية المتوحّشة: عودة التّاريخ والجغرافيا
متابعة الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بالنظام الامبريالي المعولم كانت تعبيرا في منتهى الوضوح عن فشل التوجهات الليبرالية المتوحشة والسياسات العدوانية التي انتهجتها إدارة "جورج بوش" بإيعاز من المحافظين الجدد والدوائر الصهيونية والرأسمالية الاحتكارية المتشددة. ولئن كانت أسباب الأزمة متعددة ومعقدة تتطلب انكباب أهل الاختصاص عليها وخاصة منهم من يستند لآليات التحليل المادي ولقواعد الاقتصاد السياسي التقدمي فإن نتائجها وتداعياتها تجلت بكل وضوح: *إفلاس العديد من البنوك الكبرى وشركات التأمين والمؤسسات المالية مما جعل الحكومات المعنية تتدخل لتأميمها في تناقض تام مع مواقفها الرسمية الداعية "للاقتصاد الحر" والخصخصة ولتقليص دور وموقع مؤسسات الدولة في الميدان الاقتصادي. وهو تناقض ظاهري إذ أنها تخصخص المؤسسات السليمة وذات الجدوى المرتفعة وتأمم المؤسسات التي تمرّ بصعوبات من خلال تعبئة الأموال العمومية مما يضمن في كل الحالات مصالح الاحتكارات الكبرى. *انهيار قطاعات هامة من الاقتصاد العالمي وفي مقدمتها قطاع صناعة السيارات وقطاع البناء الذي يمثل دائما قاطرة التنمية الاقتصادية. وسوف تتضرر العديد من القطاعات الأخرى من تداعيات الأزمة المالية، مع ما يترتب عن ذلك من بطالة توقع (2 مليون عاطل في بريطانيا) وتردّي الأوضاع الاجتماعية. *تراجع وتيرة النمو الاقتصادي في أكبر البلدان الرأسمالية مما سيكون له تأثير مباشر على الحركة الاقتصادية في بلدان أخرى وخاصة بلدان العالم الثالث بحكم الترابط الذي فرضته الامبريالية المعولمة من خلال أدواتها كالبنك العالمي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية ومن خلال اتفاقات الشراكة التي أبرمتها الولايات المتحدة وأوروبا مع جملة من بلدان العالم الثالث. ومن هنا فإن الأزمة ستكون لها تأثيرات مباشرة على النمو الاقتصادي في بلدان العالم الثالث. فليس منطقيا أن تصرّح الدوائر الرسمية في بلدان تربطها علاقات وطيدة بالمجموعة الأوروبية أو بالولايات المتحدة أنها سوف لن تتأثر بتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية. ويجب التأهب واتخاذ كل الإجراءات لمواجهة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الخطرة التي قد تحدث وتزيد من حدّة البطالة وفي تدنّي الخدمات الاجتماعية. من جهة أخرى فإن فشل الليبرالية المتوحشة جاء ليفنّد فكرة أنه لا خيار للإنسانية سوى خيار "الاقتصاد الحر" وسياسة "الماء على البطيخ" التي نظّر لها مفكرو الامبريالية الأمريكية وأتباعهم الذين بشّروا بـ"نهاية التاريخ". فاليوم رجع التاريخ من حيث إعادة الاعتبار لقيم العدالة الاجتماعية والتقدم والتعاون والتضامن في أفق الاشتراكية، كما رجعت حتى الجغرافيا من حيث بروز أقطاب دولية تدافع عن مصالحها القومية وتنافس الامبريالية الأمريكية في عملية انفرادها بثروات العالم مما يخلق ظرفا سياسيا جديدا يحمل في طياته جملة من الاحتمالات بما فيها احتمال الحروب العدوانية. |