"الإرادة" الوطنيّة

العدد الثامن جوان/جويلية 2008

قراءة في زيارة ساركوزي إلى تونس

أدى الرئيس الفرنسي نكولا ساركوزي زيارة دولة إلى تونس من 28 إلى 30 أفريل الفارط بدعوة من الرئيس بن علي وهي ثان زيارة يؤديها الرئيس الفرنسي إلى بلادنا منذ انتخابه في ماي 2007، اذ قام بزيارة خاطفة في جويلية 2007 شملت تونس والجزائر.

ورافق الرئيس الفرنسي وفد هام تركب من أعضاء من الحكومة الفرنسية وشخصيات فرنسية تنتمي لليمين الفرنسي وتتحمل مسؤوليات في الدولة منها من ولد بتونس. كما ضمّ الوفد 120 فردا من رجال الأعمال تتقدمهم رئيسة منظمات الأعراف الفرنسية (ميداف) ويهود فرنسيين من أصل تونسي مثل كبير احبار فرنسا علاوة عن 100 صحفي.

خلال هذه الزيارة التقى رئيسا الدولتين مرتين تمحورت حول العلاقات الاقتصادية بين البلدين ومسائل سياسة أهمها مشروع الاتحاد من أجل المتوسط الذي أطلقه ساركوزي ولاقى ترحيبا تونسيا كبيرا والهجرة والوضع في المنطقة العربية.

كما حضر الرئيس الفرنسي ملتقى رجال الأعمال التونسي-الفرنسي وألقى خطابا وخاطب الطلبة التونسيين المزاولين تعليمهم بالمعهد الأعلى للتكنولوجيا الذي مولته الدولة الفرنسية.

فما هي نتائج هذه الزيارة وما هي أهم المواقف السياسية التي عبر عنها الرئيس الفرنسي وكيف كان تفاعل التونسيين مع هذه المواقف ؟ هذه التساؤلات التي سيحاول المقال الاجابة عنها.

I- اتفاقيات اقتصادية عديدة وفرنسا المستفيد أكبر منها.

تميزت هذه الزيارة بابرام العديد من الاتفاقيات في مجال النقل والطاقة والفلاحة والصناعة والبحث العلمي والهجرة ولعل أهمها ما يلي:

1- في مجال النقل الجوي

ستشتري الخطوط الجوية التونسية 16 طائرة من نوع آرباص من شركة “آرباص” التي تشارك فرنسا في رأس مالها (قيمة الصفقة بلغت مليار أورور أي ما يزيد عن 1,80 مليار دينار تونسي يضاف الى ذلك اتفاق على مبدأ اشتراء 3 طائرات “آرباص“ اضافية.

هذه الصفقة هامة جدا بالنسبة لبلد مثل تونس من الناحية المالية ولاشك وأنها ستمول بقروض أجنبية قد تكون فرنسية نظرا للامكانيات المالية المحدودة للشركة التونسية للخطوط الجوية، الصفقة ستمكن من تجديد الأسطول الجوي التونسي وتوحيد أسطول الطائرات التونسية، وقد تكون على حساب طائرات البوينخ أمريكية الصنع.

2- في مجال الطاقة

ستتولى شركة الستوم الفرنسية بناء معمل توليد للكهرباء له طاقة انتاج تقدّر بـ400 ميقـــواط بغنوش (قابس) بقيمة 360 مليون أورو.

3- في مجال الطاقة النووية

ستلجأ تونس إلى التكنولوجية الفرنسية والمؤسسات الفرنسية المختصة لتطوير برنامج استعمال الطاقة النووية لأغراض سلمية تحت مراقبة الوكالة الدولية للطاقة النووية والمؤسسة الأوروبية للطاقة الذرية.

4- في المجال المالي

أسندت الوكالة الفرنسية للتعاون الدولي 4 قروض بحجم جملي يبلغ 138 مليون أورو (قرابة 250 مليون دينار تونس) موزعة كما يلي:

أ- قرض بـ50 م أورو (91 م د ت) “لتأهيل” الأحياء الشعبية.

ب- قرض بـ40 م أورو (72 م د ت) لتمويل برنامج التصرف في أحواض المصبات.

ج- قرض بـ28 م أرور (51 م د ت) لتأهيل مسالك توزيع المنتوجات الفلاحية.

د-قرض بـ20 م أورو (36 م د ت) لتمويل برنامج توسعة شبكة نقل الغاز.

ولم تنشر إلى حد الآن شروط اسناد هذه القروض علما أن فرنسا هي المقرض الأول لتونس وسوف تزيد القروض الجديدة من دعم موقعها في العلاقات الاقتصادية والمالية الخارجية لبلادنا وليس من المستبعد أن تفرض فرنسا التزود بالمعدات الفرنسية الصنع لتنفيذ البرامج والمشاريع المذكورة.

II- إتفاق جديد حول الهجرة القانونية ومقاومة الهجرة السرية

تميزت هذه الزيارة بابرام اتفاق جديد يتعلق بالهجرة المنظمة يتضمن العناصر الأساسية التالية:

1- تمكين الطلبة التونسيين الذين أنهوا دراستهم بفرنسا من البقاء فيها عاما كاملا وليس 6 أشهر كما كان سابقا للبحث عن عمل واعفاؤهم من الحصول على ترخيص مسبق من وزارة التشغيل الفرنسي للعمل بفرنسا.

2- تمكين 9000 تونسي من الهجرة نحو فرنسا سنويا للعمل بها ويوزع هؤلاء المهاجرين كما يلي:

أ- 1500 مهني شاب (سنهم يتراوح بين 18 و35 عاما).

ب- 1500 أصحاب المهارات العملية وأصحاب الشهادات هؤلاء يمكنهم العمل بفرنسا لمدة معينة ثم العودة إلى تونس.

ج- 3500 عامل من غير الشباب ومن غير أصحاب الكفاءات والمهارات والشهائد ينتمون إلى 80 مهنة (فلاحة، تمريض، أعمال شبه طبية، إعلامية الخ...)

د- 2500 عامل موسمي يمكنهم العمل لمدة 6 أشهر سنويا لفترة تمتد 3 سنوات قابلة للتجديد.

وتبرز هذه المعطيات أن قبول فرنسا بالسماح لتسعة آلاف تونسي بالهجرة اليها يعكس حاجتها لليد العاملة خاصّة  منها الشابة المتكونة علميا والمؤهلة مهنيا للنقص الذي تشكو منه في العديد من القطاعات هذا من جهة ولتهرم سكانها ويدها العاملة من جهة ثانية.

وتبرز الإتفاقية كذلك حرص الحكومة الفرنسية على أن تكون الهجرة التونسية وقتية وهي لن تسمح بالتجميع العائلي (أي التحاق أفراد العائلة بذويها من المهاجرين).

لاشك وأن الحكومة التونسية ترى إيجابية في هذا الإتفاق اذ سيعينها على حل معضلة البطالة التي يعاني منها آلاف الشباب أصحاب الشهادات والمعطلين عن العمل لكن تكلفة الهجرة باهظة على المجموعة الوطنية التي تحملت أعباء تعليم وتكوين المترشحين للهجرة بالمال العام سواء في تونس أو في فرنسا.

أما بالنسبة للهجرة السرية فلقد توصل الجانب الفرنسي إلى اقناع الدولة التونسية بضرورة التعاون سويا لمقاومتها وحماية السواحل الأروبية الجنوبية عبر تنسيق أمني يهدف إلى ارجاع المتسللين إلى أوروبا بصورة "غير شرعية" إلى مواطنهم الأصلية.

III- الحوار السياسي: ساركوزي ينوّه “بتوسيع مساحة الحريات في تونس“ شهادة رضاء تثير استياء لدى عدد من الحقوقين

“لا أجد من مبرر يسمح لي بأن أمنح نفسي الحق بإعطاء الدروس في بلد أزوره كصديق ويستقبلني كصديق فاليوم تشهد مساحة الحريات في تونس تقدما ملحوظا وأنا على ثقة برغبتكم في مواصلة توسيع هذه المساحة”.

بهذا الكلام توجه الرئيس ساركوزي لرئيس الدولة التونسية.

وفي مجال آخر حيي ساركوزي مآثر سياسة بن علي “الذي جنب البلاد التونسية كلّ أشكال الردة بمكافحته الظلامية والجهل“على حد قوله كما نوه “بوضعية المرأة تونسية وبنجاحات تونس في التعليم والتكوين وبروح التسامح الشائع فيها...”

وكان واضحا من خلال هذه التصريحات أن الرئيس الفرنسي الجديد على غرار سلفه جاك شيراك لم يكن يرغب في ارباك النظام التونسي الذي يعتبره مثالا للاستقرار السياسي وللنمو الاقتصادي والإجتماعي خاصّة  وأنه يبحث عن حشد الدعم للمشروع الذي أطلقه أثناء حملته الإنتخابية والمعروف باسم “الاتحاد المتوسطي“ والذي أصبح بحكم معارضة بلدان مثل ألمانيا واسبانيا يسمى “بالاتحاد من أجل المتوسط” وله آفاق وأهداف محدودة ومتواضعة مقارنة مع نسخته الأصلية.

ساركوزي سيستضيف القمة الأورومتوسطية بباريس يوم 13/07/2008 والتي ستجمع 27 دولة أروبية و12 دولة متوسطية (تونس والجزائر والمغرب ومصر والسلطة الفلسطينية وتركيا والأردن والكيان الصهيوني) ويعتبر النظام التونسي من أشد المتحمسين لهذا المشروع.

تصريحات ساركوزي أثارت “خيبة أمل” عدد من الحقوقين في تونس الذين لم يقتنعوا بعد أنّ ساركوزي واليمين الحاكم حاليا في فرنسا لا يتمسك بالقيم الثورية التي رفعتها الثورة الديمقراطية البورجوازية عام 1789 وعززتها خلال القرنين 19 و20 الحركة النقابية والأحزاب اليسارية وحركة مقاومة النازية وكانهم لم يدركوا أن الدول تقودها مصالحها أي مصالح الطبقات الحاكمة في كلّ بلد.

الشعوب تعلمت ألا تعول إلا على قواها الذاتية في نضالها من أجل التحرر الوطني والإجتماعي ومن أجل الحرية السياسية وعلى أصدقائها من الديمقراطيين والتقدميين في البلدان التي تحكمها الرأسمالية الإحتكارية الموغلة في الرجعية وذات النزعة الإستعمارية.

زيارة ساركوزي إلى تونس أبرزت أن شعار المساواة في الربح (Gagnant-Gagnant) بين الطرفين الفرنسي والتونسي شعار لا يعكس الواقع والحقيقة إذ أن التقييم الموضوعي لهذه الزيارة من خلال الاتفاقات الحاصلة يؤكد أن الجانب الفرنسي هو الرابح منها.

 

تصريحات عنصرية لساركوزي لم يقع الرد عليها

 صرّح ساركوزي في ملتقى رجال الأعمال التونسيين والفرنسيين الذي التأم يوم 29/04/2008 على هامش زيارته لتونس مخاطبا رجال الأعمال التونسيين قائلا “لكم يد عاملة لا تطالب إلا بتلقي التكوين، ونحن لنا الكثير من الذكاء والكثير من التكوين“ هذه الجملة لم تنقلها وسائل الاعلام في بلادنا ولم تحظ برد من كان حاضرا من التونسيين في ذلك الإجتماع، ولم تستفز مشاعر الكثير من الحقوقيين في تونس وفي فرنسا، الذين عبروا عن “خيبة أملهم وإحباطهم“ إزاء تصريحات ساركوزي المتعلقة بوضع الحريات في تونس. تصريحات تغض الطرف فعلا عن الواقع المتردي للحريات.

ما صرّح به ساركوزي يعني ببساطة أن التونسيين ليس لهم ذكاء وليس لهم أية خبرة أو أي شيء يعلمونه للفرنسيين “الأذكياء” وذوي الخبرة المطلقة. التونسيون في نظر ساركوزي شعب لا يصلح إلا أن يكون يد عاملة في خدمة الرأسماليين الفرنسيين الأذكياء وذوي الكفاءة الكبرى على حد زعمه. هذه الجملة تعكس العقلية العنصرية لليمين الفرنسي وللبورجوازية الحاكمة في فرنسا، وهي عقلية لا تختلف في شيء عن عقلية الرأسمالية التي حكمت فرنسا في القرن 19 وانتهجت سياسة استعمارية تجاه شعوب وأمم عديدة بعنوان مساعدتها على الخروج من “بربريتها” و”تخلفها “.

ونحن في الإرادة نجيب ساركوزي بما يلي:

إن للتونسيين وبما فيهم اليد العاملة التونسية قدر كبير من الذكاء والخبرة ليفهموا أن مصيرهم لا يمكن ربطه بالبورجوازية الحاكمة في فرنسا ولكي يحققوا انعتاقهم الوطني والإجتماعي وتقدمهم المادي والفكري ويساهموا بتجاربهم في اثراء تجربة الإنسانية التقدمية.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org