"الإرادة" الثقافية

العدد الثامن جوان/جويلية 2008

 

قراءة في كتاب (الجزء الأوّل)

في الذكرى التسعين لولادة المناضل الوطني المغمور عزالدين عزوز

أي الطريقين إلى بلاد المغرب أقرب ؟

طريق لشبونة ومدريد وباريس وروما

أو طريق القاهرة ودمشق وبغداد والرياض ؟

يذهب الكثير من المهتمين بالشأن السياسي التونسي والمغربي المعاصر خطأ إلى أن الصراع اليوسفي البورقيبي هو الصراع الأبرز في صفوف الدستور الجديد في خمسينيات القرن العشرين، بل يذهب هؤلاء المفكرون والباحثون إلى حدّ القول بتخوين الجناح البورقيبي وبثورية الجناح اليوسفي.

لقد تناسى هؤلاء جميعا جناحا ثالثا يختلف عن اليوسفيين والبورقيبيين معا نظرة إلى الأشياء وإلى الوسائل المثلى لتحقيق الأهداف السياسية والوطنية، وهذا الجناح -الراديكالي الوحيد حسب رأينا- هو الجناح الثامري العزوزي نسبة إلى الدكتور الحبيب ثامر والكشاف عز الدين عزوز.

واليوم بعد مضي ربع قرن على وفاة هذا المناضل الوطني المغمور (نقصد عز الدين عزوز) وجب أن ننفض الغبار عن رمز من أبرز رموز المقاومة التونسية والمغربية عموما الذي يعد كتابه الموسوم بـ"التاريخ لا يرحم" (بالفرنسية) (1)[1] أحد المصادر الأساسية التي يمكن من خلالها تسليط الضوء على الآخذين حقيقة بفكرة المقاومة الشعبية المسلحة لتحرير كامل الشمال الإفريقي وتأسيس دولة مغربية موحدة وعلى العلاقة بين الحبيب ثامر ومحمد بن عبد الكريم الخطابي بطل حرب الريف (1921-1926) لذلك وجب التعريف بعز الدين عزوز لمحدودية معرفة أغلب المتسيسين وحتى الباحثين المغربيين به.

ولد عز الدين عزوز بتونس في 05 جويلية 1918 وتوفي بها في 26 ديسمبر 1983، درس في الصادقية وحصل من معهد كارنو على البكالوريا ثم اشتغل بسبب سوء الوضع المالي الذي كانت عليه عائلته في ديوان البريد ومن 1942 إلى 1946 مترجما في سلك الشرطة. 

لقد نشط عز الدين عزوز مند سن السادسة عشرة (1934) في جمعية "الكشافة المسلمين التونسيين" حتى أصبح نهاية الحرب العالمية الثانية القائد العام للكشافة المسلمين التونسيين وبدأ التفكير في توجيهها نحو تبني "المقاومة المسلحة" وسيلة لتحرير البلاد التونسية، لذلك طلب منه "الفريق المشرف على الدرجات الكشفية العليا منذ بداية 1945 "أن يربط علاقات بالدستور الجديد لإعلامه "بوجودنا"، وبأننا "جاهزون" لتنفيذ الأوامر والتعليمات التي يرى الحزب الدستوري الجديد أن يصدرها إلينا، لهذا السبب التمست أن ألتقي (...) بعلي البلهوان الذي كان إذاك "زعيم الشباب" ولقد حدث اللقاء السري في مقر قدماء الصادقية في تونس، كان علي البلهوان بعد طرده من معهد الصادقية الذي اشتغل فيه مدرّسا، يلقي في هذا المقرّ دروسا خاصة، وكانت منظمتنا الكشفية في هذا المقرّ نفسه تعد جماعة نشيطة برئاسة الحبيب الشتيوي الذي هيّأ هذا اللقاء. لم يكن الأمر ليتعلق بأكثر من اتصال أول بعلي البلهوان. لقد أطلعته على كل ما تحقق داخل "الدرجة الكشفية العليا" وخاصة على أنها تملك نواتات متناثرة في التراب التونسي جميعه وأنها على استعداد لتنفيذ أوامر الحزب الدستوري الجديد "ولكن ويا للأسف، ورغم ما كنت أكنه له من تقدير في ذلك الوقت، ترك علي البلهوان عندي انطباعا بأنه لا يحمل حركتنا على محمل الجدّ، لقد استمع إليّ بأدب قبل أن يصرّح أن الدستور الجديد هو قصرا "حزب سياسي" ليس في نيته البتة أن ينظم في تونس مقاومة فاعلة. أخبرت رفاقي الكشافين بهذا الفشل. وقررنا جميعا أن ننتظر أن تحين فرصة أكثر ملاءمة فننفرد بالعمل" [2] .

وفعلا لم يمر وقت طويل حتى حانت هذه الفرصة :

"حانت هذه الفرصة بطريقة غير منتظرة وغير متوقعة بمناسبة انعقاد المؤتمر العالمي للشبان في لندن في 1945"[3] . إذ عينه المقيم العام "ماست " ممثلا للكشافين التونسيين في هذا المؤتمر إضافة إلى ممثل فرنسي للكشافين غير التونسيين وقد يكون ذلك اطمئنانا منه لوظيفة عز الدين عزوز "البوليسية".

عقد عز الدين قبل سفره، الذي سيتحوّل إلى هجرة تمتد من 1945 إلى 1956، اجتماعا بكبار القادة الكشفيين الآخذين بخط المقاومة وذلك في "منزل خاص يملكه سليم وزكرياء بن مصطفى يقع في جهة باب الجزيرة (تونس العاصمة) وبحضور قادة "الدرجة الكشفية العليا" سليم بن مصطفى وزكرياء بن مصطفى والمنجي بالي والطيب كمون والهادي السافي والهادي بن عمر والحبيب الشتيوي والنجار برحومة من قابس وتوفيق السلامي من صفاقس"[4] وفي هذا اللقاء :

"قررنا فعل كل شيء، لحماية الحركة الكشفية، التي كانت أملنا الوحيد. وفي الأخير (قررنا) تغذية "درجتنا العليا" بالرجال والمال ووسائل القتال والدعاية. لهذا السبب اتفقنا على أن أرسل من لندن، برقية استقالتي تبرئة لحركتنا من كل مسؤولية. ثم عيّنا كذلك خلفي على رأس الحركة الكشفية وهو الهادي بن عمر"[5].

ثمّ حرص عز الدين عزوز على الاتصال –قبل سفره- ببعض الشخصيات الدستورية الجديدة لإبلاغها بنيته فضح الاستعمار الفرنسي في المؤتمر الشبابي العالمي فاتصل بعلي البلهوان الذي دعاه إلى الغداء عنده في سيدي بوسعيد، وبعبد السلام الكناني، الذي كان في هذه السنة مدرّسا بالمعهد الصادقي والذي حاول التهيئة للقاء بين عزوز و"أستاذ آخر ذي شهرة كبيرة وهو محمود المسعدي"[6].

"ولكن المسعدي لم يتكرم بلقائي (المتحدث عز الدين عزوز) متذرعا بأنني كنت "شرطيا" "flic " وبأنه لا يمنحني ثقته (...) ثم إنني قمت أيضا بزيارات إلى أصدقاء من ذوي النشاطات الاجتماعية الأكثر تنوعا أمثال: الشاذلي زويتن وهو رياضي كبير والطيب العنابي (1915-1984) وهو صحفي ومحمد المالكي وهو رجل قانون"[7].

وعندما حلّ عز الدين عزوز بباريس وهو في طريقه إلى لندن حرص هناك أيضا على أن يتصل ببعض التونسيين لاطلاعهم على ما قرره الكشفيون الآخذون بـ"خيار المقاومة":

"حين وصولي إلى باريس ذهبت إلى لقاء أخي أحمد وكان إذاك طالبا، أعلمته بنياتي فشجعني على القيام بواجبي. الأصدقاء الوحيدونن [الذين] كانوا على علم بمشاريعي هو الأخوان أحمد وبشير المؤدب ومحد سلامة والأمين بلاغة ممثل الدستور الجديد بباريس (...) في مبيت الطلبة الشمال إفريقيين الكائن بـ "115 شارع سان ميشال" استقبلني الطلبة التونسيون بتحفظ حتى أن أحدهم وهو مصطفى الدلاجي "حرص على أن يحملني على الاعتراف فكنت أجيب على كل أسئلته الدقيقة جدا بطريقة ملتوية"[8] .

وقد حصل ذلك قبل أن يصل عزوز إلى لندن ليحضر المؤتمر الشبابي الذي انعقد بين 31 أكتوبر و10 نوفمبر 1945 ويلقي فيه مداخلات ومرافعات ضد الاحتلال الفرنسي فيقابل بسخط فرنسي لا حدود له وبترحيب وطني تونسي لا حدود له، أيضا [9] بل أصبح بين عشية وضحاها "بطلا وطنيا" [10] واضطر نتيجة لذلك إلى الإقامة في بريطانيا (أكتوبر 1945-فيفري 1947)، غير أن تحوّل صورة عزوز من شرطي مشبوه "في نظر محمود المسعدي إلى وطني "أصبح يقارن ببورقيبة"[11]، سوف يدفع بالحبيب بورقيبة إلى الإسراع بتعيين الأستاذ الطاهر الخميري ممثلا للحزب الدستوري في لندن، مقر الأمم المتحدة آنذاك، فيضطر عز الدين عزوز – وقد ضاقت به سبل العيش (لم تجدد الحكومة البريطانية بطاقة إقامته، ثم أنهت هيئة الإذاعة البريطانية عقد عمله فيها صحفيا) إلى الهجرة إلى القاهرة فيشارك في تأسيس مكتب المغرب العربي في شهر فيفري 1947.

إلى أي حد كان عز الدين عزوز وهو يلتجئ إلى القاهرة دستوريا، وهو الذي يصرّ على نسبة نفسه إلى "المقاومة التونسية" أو بعبارة أوضح ما هو ضمن الحزب الدستوري التيار الذي سيكون أقرب إليه من غيره؟

كتب عز الدين عزوز في هذا الموضوع :

"تميّزت فترة النفي "الإنقليزية" بمراسلات ضخمة مع كثير من السياسيين التونسيين، و التحليل الدقيق لهذه العلاقات الكتابية وخاصة تلك المبادلة مع الحبيب بورقيبة و(...) الدكتور الحبيب ثامر، وهي لم تنشر حتى اليوم (1988 : تاريخ صدور الكتاب) ستلقي ضوءا جديدا على تاريخ تونس المعاصر وستساهم في انبعاث الحقيقة حول إسهام المقاومة التونسية في استقلال وطننا[12].

يفصل عز الدين عزوز فصلا تاما بين حركة المقاومة ورجالها، والحزب الدستوري الجديد الذي كان وسيبقى خاصة في شقه البورقيبي وعلى حد تعبير علي البلهوان سنة 1945 "حزبا سياسيا ليس في نيته البتة أن ينظم في تونس مقاومة فاعلة". وعلى حد تعبير صالح بن يوسف في نهاية أربعينيات القرن العشرين عند لقائه بالمشرفين على المنظمة الخاصة في حزب الشعب الجزائري "حزبا سياسيا"، بل إن هذا الشق إضافة إلى معاداته كل عمل تحريري مسلّح ليس قادرا حتى على أن ينفتح على الدستوريين الجدد بالمعنى الواسع، فهو أشبه ما يكون بـ"الزاوية" على حد وصف الدكتور محمد بن سالم[13]. وفي هذه الصفة يكمن فشل الشق البورقيبي الذي تسلم الحكم سنة 1956 في أن يكون معبّرا عن التونسيين جميعا.

غير أن هذا الواقع لم يحل في يوم من الأيام دون سعي هذا الشق إلى استغلال كل الفرص استغلالا "ماكيافيليا" وإلى أن ينسب إليه ما لا يصح أن ينسب إليه :

"إن ضربتي التي وجهتها [إلى فرنسا] في المؤتمر الشبابي العالمي، اعتبرت في تونس "نصرا" على الاستعمار الفرنسي. لم يكن الحزب الدستوري الجديد إذاك حزبا قانونيا، فقد كان زعيمه الحبيب بورقيبة مقيما في القاهرة. وكان زعماؤه الآخرون في تونس "ناعسين". هذه الضربة التي أطلق عليها أحدهم عبارة "قنبلة لندن" بعثت صحوة عامة في الحركة الوطنية ولقد ادعى الكثير من هؤلاء الزعماء أنهم كانوا يعرفون كل شيء عن خطتي وأنهم أملوا علي خطاباتي في لندن رغم أنني لم أعرفهم البتة. وهكذا أصبحت أتلقى رسائل وبرقيات وتوجيهات وأوامر من تونس ومن القاهرة ومن باريس وحتى من دمشق"[14].[15]

وما يهمنا هنا وفي هذا المستوى من المقال هو الشقان البورقيبي والثامري مضافا إليهما يوسف الرويسي، فكيف تعامل القوم مع فكرة المقاومة ؟

(يتبع)


[1] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, Tunis, Dar Ashraf, 1988

[2] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, Tunis, Dar Ashraf, 1988, op.cit. p.24

[3] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, Tunis, op.cit. p.24

[4] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, Tunis, op.cit. p.24

[5] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, Tunis, op.cit. p.27

[6]  محمد المسعدي (1911-2004) دستوري جديد نشط ضمن الشق البورقيبي في الحزب الدستوري الجديد وكذلك ضن الاتحاد العام التونسي للشغل، طبق النظرة البورقيبية إلى الأشياء في ميدان طيلة توجيهه وزارة التعليم (1958-1974) أي ما يقرب من عشرين سنة كاملة.

[7] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.28

[8] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.28

[9] أبرق إليه بالشكر محمد جلولي فارس (أستاذ ورئيس شعبة باريس الدستورية) وأحمد بن صالح (رئيس الشبيبة المدرسية التونسية) وكذلك رئيس جمعية الطلبة المسلمين بفرنسا لسنتي 1945 و1946 وتوفيق الترجمان والرشيد إدريس والأمين بلاغة والطالب سليم عمار والطالب محمد الميلي والطالب الهادي الجيلاني وعبد السلام الكناني الذي بعث إليه برسالة بتاريخ 01 ديسمبر 1945 جاء فيها : "لقد أحسنت عندما فكرت في مواصلة الدراسة، إنني سأبذل ما بإمكاني من جهد حتى تحصل على عون من "أصدقاء الطالب" او من "جمعية قدماء الصادقية" وإن كان هذا يبدو لي، بصراحة أمرا صعبا، نظرا إلى أن المشرفين الفزعين على هذين الجمعيتين يتوجسون خيفة من أن تسوء النظرة إليهم" A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.41

[10] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.37

[11] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p43.انظر رسالة توفيق الترجمان في 

[12] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.51

[13] كتب الدكتور محمد بن سالم في مذكراته عن يوم 22 فيفري 1955 "التقيت بعلي البلهوان (...) قلت له : إن الحزب يودّ أن يسحق وهو في المهد أي بادرة لنشاط مستقل حتى وإن كان نشاطا ذا صبغة اجتماعية إذا لم يكن القائمون على هذا النشاط متشيعين له"

(Med ben Salem, L’antichambre de l’indépendance 1947-1954, Tunis, ceres Prod, 1988, p.175

[14] كان يوسف الرويسي مشرفا على مكتب دمشق إذاك

[15] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.51

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org