"الإرادة" العربيّة

العدد الثامن جوان/جويلية 2008

ستّون عاما بعد النكبة

منذ ستين سنة خلت حصلت النكبة وأعلن العالم الاستعماري بقيادة الامبريالية الأمريكية قيام “دولة إسرائيل على الأرض العربية في فلسطين“ هذا الإعلان كان تتويجا لمراحل سبقته وهيأت له الظروف الملائمة، فقد عمد الاستعمار الانجليزي القائم في فلسطين إلى تسهيل هجرة يهود العالم إلى الأراضي الفلسطينية تطبيقا لخطة الصهيونية العالمية، كما عمد إلى رعاية العصابات الصهيونية التي تشكلت (شتيرن المغانا..) لترويع المواطنين العرب ودفعهم إلى ترك أراضيهم هربا من بطش هذه العصابات لتتخذ الحركة الصهيونية شعارا لها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض“. وفعلا فقد اضطر الفلسطينيون إلى ترك أراضيهم والنزوح إلى القرى المجاورة ليتحولوا إلى لاجئين في بلدهم أو الهجرة إلى الأقطار المجاورة مثل الأردن ولبنان وسوريا حاملين معهم حلم العودة إلى أرضهم. وتوالت بعد ذلك عمليات التهجير واغتصاب الأرض لتشكيل نواة الدولة الصهيونية التي بدأت تتوسع إلى أن تمكنت الامبريالية العالمية من فرض إعلان قيام “دولة اسرائيل“ في الثامن عشر من سنة 1984 لتتوالى بعد ذلك عمليات اغتصاب الأراضي وبناء المستوطنات عليها. وقد أرفق ذلك بمجازر رهيبة منها مجزرة كفر قاسم ومجزرة دير ياسين وغيرها من المجازر التي كانت تستهدف انتزاع الانسان الفلسطيني من أرضه وانتزاع فكرة العودة اليها من ذهنه ومن ذاكرته.

وعلى مرّ التاريخ ظل الكيان الصهيوني المزروع عنوة في قلب الوطن العرب يشن حملات التهجير والاستيلاء على الأراضي والمجازر والحروب العدوانية تطبيقا لحلمه التاريخي “اسرائيل الكبرى” فكانت حرب 1967 التي ضم على اثرها الصهاينة أراضي أخرى إلى كيانهم امتدت إلى سوريا (الجولان) ومصر (سيناء) ثم تواصلت الهجومات خاصّة أمام تنامي المقاومة وتنظمها في شكل مجموعات سياسية عسكريـة (فتح الجبهة الشعبية الصاعقة...). وامتدت الهجومات إلى مواقع هذه التنظيمات خارج الأرض المحتلة في لبنان وأشهرها اجتياج لبنان وحصار بيروت سنة 1982 لاجبارها على مغادرة لبنان بسبب تحولها إلى خطر حقيقي على الكيان الصهيوني، وارتكبت على اثر ذلك مجزرة “صبرا وشتيلا” التي راح ضحيتها آلاف الفلسطينيين في هذين المخيمين وآخر محطة في التاريخ العدواني للصهاينة عدوان صائفة 2006 على لبنان وحصار غزة الظالم. وفي الجانب الثاني من الصورة، مقاومة لهذا الكيان منذ الاعداد لنشأته اذ جوبه الاستعمار الانجليزي بمقاومة عربية فلسطينية تطورت في شكل مجموعات عند الشعور بخطورة المخطط الذي رسخته انقلترا باستقدامها مجموعات يهودية صهيونية من شتى أنحاء العالم وبدأت المجموعات تقاوم وتقدم التضحيات مسجلة انتصارات أحيانا وانعكاسات أحيانا أخرى ارتبطت بمدة الاسناد الذي لقيته هذه المقاومة أو افتقدت اليه ومن أهم المحطات ثورة القسام سنة 1936 ثم اعلان فتح للكفاح المسلح، لتتطور مجموعات المقاومة وتتمركز داخل الأرض المحتلة وفي الأقطار المحيطة بها مما شكل طوقا يحيط بالكيان الصهيوني اذ مثلت الأردن ولبنان أهم مراكز مقاومة وقع التصدي لها بتواطؤ عربي مثلما حدث في الأردن على يد الملك حسين في مجزرة ايلول الاسود سنة 1970 أو في لبنان على يد النظام السوري (مجزرة تل الزعتر سنة 1971).

ورغم المجازر والخيانات بقيت المقاومة صامدة وتتبع أشكالا جديدة وأهمها الانتفاضة الشعبية سنة 1987 وما تلاها من انتفاضات بعضها سلمي وبعضها مسلح، بدئا بالحجارة وصولا إلى اطلاق الصواريخ التي ترعب الصهاينة الذين جاؤوا من أنحاء العالم وقد وعدتهم الحركة الصهيونية بالاستقرار فاذا هم يواجهون الرعب اليومي والموت في كلّ خطة فيقررون العودة من حيث جاؤا في حركة هجرة عكسية تمثل خطرا حقيقيا على الكيان الصهيوني الذي بنى جزءا من وجوده على الهجرة والاستيطان. وتزداد الهجرة العكسية خطورة مع اصرارا الفلسطينين على حق العودة ورفض كلّ الفصائل التنازل عنه مع اعتراف عالمي به وهو ما يمكن أن يحدث في حالة تحقيقه تحولا ديمغرافيا داخل “اسرائيل” لفائدة الفلسطيين ومن هنا بات التشبث بحق العودة رافدا من روافد النضال الفلسطيني يضاف إلى الاشكال النضالية الأخرى، ومن هنا نفهم تمسك الصهاينة برفضه والضغوطات الامبريالية بقيادة الولايات المتحدة لانتزاع التنازل عنه وهو ما فعلته مع الزعيم الراحل ياسر عرفات في مفاوضات “واي ريفر” وكان رفضه التنازل أحد أسباب فشل هذه المفاوضات.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org