|
"الإرادة" الإجتماعيّة |
|
العدد الثامن جوان/جويلية 2008 أخبار الجهات أخبار الجهات أخبار الجهات أخبار الجهات 2007-2008: بوادر موسم فلاحي صعب سيدي بورويس نموذجا
مدخل عام: تعد هذه المحاولة مقالا نرجو أن يكون تمهيديا ويفتح باب النقاش والكتابة وطرح الحلول والتصورات في مجال نعده هاما من ناحيتين على الأقل: الأولى: بما أنه يمس شريحة هامة من المواطنين وهم المزارعون والعمال الزراعيين والفلاحون الصغار... ولا يمكن لأي برنامج أن ينجح اذا أهمل هذه الفئة. أما الثانية: بما أنه لا علاقة وثيقة بالاقتصاد وماله من انعكاسات على كلّ النواحي الأخرى اذ لا يمكن لأي شعب أن يطمح لتحقيق استقلاله الوطني الكامل اذا كان مرتبطا في غذائه بالدوائر الامبريالية ويعيش على الاستيراد والصدقات كما هو حال وطننا العربي... اذ تعد المنتوجات الفلاحية “سلاحا أخضر” في يد القوى الكبرى يستعمل لتركيع الشعوب وإخضاعها من خلال الحصار الاقتصادي والتجويع وفرض برامج مسقطة من قبل صندوق “النقد الدولي“ ومنظمة التجارة العالمية وذلك وفق مبدأ القمح والغذاء مقابل التنازلات السياسية وفتح الأسواق والإنخراط في العولمة الليبيرالية ومما زاد الأزمة الغذائية حدة وفي إلحاحية الوصول لما يسمى الأمن الغذائي هو إرتفاع الأسعار المرتبط أساسا بانتاج الطاقة البديلة المستخرجة من المواد الفلاحية والحبوب أساسا. وقد مرّت الفلاحة بالقطر التونسي بعد سنة 1956 بمرحلتين أساسيتين تميزت الأولى بالسعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي أما الثانية فتميزت بعجز غذائي مستمر يزداد حدة من سنة إلى أخرى وخاصّة في المواد الأساسية ومنها الحبوب أي أن الوضع انتقل من السيئ إلى الأسوإ وهذا يرجع إلى عدة عوامل منها غياب استراتيجية واضحة للوصول إلى الاكتفاء الذاتي واهمال القطاع الأول واعطاء الأولوية للقطاع الثالث أضف إلى ذلك أن الفلاحة في بلد زراعي متخلف بقيت تقليدية في معظمها رغم الشكل الاستعراضي الدعائي لما يسمى بعملية التعصير وتعبئة الموارد المائية وهذه الفلاحة بقيت مرتبطة أساسا بالعوامل والتقلبات المناخية وهو ما تثبته أزمة الزراعات الكبرى في عديد المناطق هذه السنة، وقد أردنا أن نركز على منطقة واحدة نأخذها كنموذج لبقية المناطق وهي “سيدي بورويس“ وهي منطقة تقوم على الفلاحة أساسا وخاصّة الزراعات الكبرى، وأزمة هذا الموسم 2007-2008 وككلّ المواسم الصعبة عندما تمس جزء من الانتاج فان تداعياتها تكون شاملة: 1- الزراعات الكبرى ضياع المحصول بين الجفاف والتقلبات المناخية تعتبر الزراعات الكبرى (وخاصّة القمح والشعير) الركيزة الأساسية للفلاحة في سيدي بورويس وهي زراعة خاضعة للعوامل المناخية بالأساس. فالفلاح يلقي بذوره في الخريف ثم ينتظر ما تجود به السماء وهي فلاحة تقليدية في أساليبها رغم الاستعمال المكثف للآلات الحديثة. وبالنسبة لهذا الموسم الفلاحي 2007 -2008 عرفت المنطقة ككلّ مناطق القطر شحا في الأمطار في فصلي الخريف والشتاء أثر في منتوج القمح والشعير وجعل مردودية الهكتار الواحد تتراجع بأكثر من الثلثين مقارنة بالسنوات الجيدة. إضافة إلى العوامل المناخية هناك أسباب أخرى لضعف المردودية ومن بينها: * البذور المستوردة والمعدلة واختفاء بذورنا الأصية التي تأقلمت عبر عقود عدة مع المناخ والتربة والتي تقاوم الجفاف أكثر من غيرها إضافة لكون هذه البذور الجديدة تؤدي إلى تفقير التربة وتتدنى إنتاجيتها إلى حد كبير في المواسم الصعبة كما أنها تعمق تبعية الفلاح لمراكز تحسين البذور وتعمق تبعية البلاد للدول المنتجة والمصدرة لهذه البذور. * قلة الأسمدة المستعملة والتي لا تصل إلى المعدل المطلوب ولا توفي حاجة المساحة المزروعة وذلك نتيجة الغلاء الكبير لهذه الأسمدة والتي تتجاوز القدرة الشرائية للفلاحين البسطاء وصغار المزارعين. * غياب الدراسات الفلاحية والتوجيه اللازم للفلاح ونقصد بالدراسات الفلاحية تلك التي يقوم بها مختصون وتؤدي إلى نتائج بعد تجريبها. * الديون الكبيرة لصغار المزارعين وفوائضها التي تجعلهم لا يلتقطون أنفاسهم في مواسم الصابة فما بالك بموسم جفاف مثل موسم 2007-2008. إضافة إلى كلّ ما ذكرنا فان البرد الذي تساقط في شهر ماي إضافة إلى الرياح القوية ساهما في تعميق الأزمة هذه السنة، كلّ هذه الأسباب متظافرة جعلت الفلاحين يفكرون في بدائل وفي السنوات القليلة الفارطة بدأت عملية استبدال الزراعات الممتدة بغراسة الزياتين وهو ما من شأنه أن يغير المشهد الفلاحي في المنطقة إضافة لكونه سيساهم في تعميق أزمة العجز الغذائي. والأضرار التي لحقت بالزراعات الكبرى هذه السنة انعكست على قطاع تربية الماشية. 2- إنهيار أسعار الماشية: صعوبات لصغار المزارعين وأزمة تستفيد منها البرجوازية الزراعية وأغنياء الأزمات مع غلاء أسعار الأعلاف إضافة لكون سنوات الجدب تندر فيها المراعي ان لم نقل تنعدم ومع أزمة الزراعات الكبرى نتيجة للجفاف في هذه السنة موسم حصاد 2008 فإنّ أسعار” التبن” و”القرط” ارتفعت نتيجة قلة العرض وارتفاع الطلب وبالتالي يصبح أصحاب القطعان الصغيرة من الماشية عاجزين عن الاحتفاظ بها وذلك لإرتفاع التكلفة وتصبح النتيجة الطبيعية هي محاولة التخلص من أغلب القطيع عن طريق البيع وهذا هو المتسبب الأول في انهيار أسعار الماشية في شهري ماي وبداية جوان خاصّة. هذه الوضعية المأساوية بالنسبة لصغار المزارعين ومربي الماشية الصغار الذين لا يملكون لا إحتياطي علفي ولا إحتياطي مادي يمكنهم من تجاوز الفترة الصعبة يستفيد منها الفلاحون الكبار عموما الذين يسعون لتدعيم قطيعهم في هذه الفترات إضافة إلى ما يصطلح على تسميتهم “بالقشارة” وكلّ أغنياء الأزمات فتدني الأسعار في سوق الماشية لا يستفيد منها المستهلك مباشرة والدليل أن الكلغ من اللحم مثلا ما زال يحافظ على نفس السعر القديم. لكن المستفيد الأول من هذه الأزمة هي البرجوازية الزراعية وبعض السماسرة لأن الانهيار الحالي في الأسعار سيليه ارتفاع حتمي بداية الموسم القادم أو مع حلول شهر رمضان وعيد الاضحى. 3- الزياتين والأشجار المثمرة: بعد الرياح القوية في شهر ماي والبرد: مؤشرات تدل على انهيار المردودية تميز شهر ماي بهبوب رياح قوية مع نزول البرد في مناسبة واحدة وهو ما أثر على الأشجار المثمرة والزياتين التي فقدت أغلب زهورها وبالتالي فان صعوبة هذا الموسم لا تتمثل في الجدب فقط بل ايضا في انعدام أي فرصة للتعويض للفلاحين خاصّة أولائك الذين كانوا ينتظرون موسم جني الزيتون لتعويض خسارتهم بعض الشيء. ختاما هذه لمحة أولى على بوادر الموسم الفلاحي على امل أن تليها محاولة أخرى تهتمّ بمشاكل الفلاحة في المنطقة بشكل عام ومنها الديون الفلاحية والتشتت في الملكية والتفتت الأزمي للاراضي... |