"الإرادة" الإجتماعيّة

العدد الثامن جوان/جويلية 2008

تشغيل حاملي الشهادات العليا

نشر الموقع الالكتروني التابع للبنك العالمي للتعمير والتنمية نتائج دراسة أعدّها بالاشتراك مع وزارة التشغيل والتأهيل المهني حول تشغيل حاملي الشهادات خريجي دورة سنة 2004 موضوع الدراسة وتفيد النتائج أن %46 من هؤلاء الشباب لم يتحصلوا على شغل بعد مرور عام ونصف من نجاحهم وتنتشر البطالة خاصّة  في صفوف الفتيات (%52) مقارنة مع الفتيان(%48).

مع الملاحظة أن الدراسة لم تعتبر من العاطلين عن العمل الشبابَ المنتدبَ ضمن عقود “التأهيل للحياة المهنية” (SIVP) وهو يمثلون %16 بين حاملي الشهادات وكذلك الشباب الذين يتابعون دورات تكوينية تكميلية والذين يواصلون دراستهم (جميعهم يشمل %13).

وتفيد الدراسة أن ظاهرة بطالة حاملي الشهادات متفشية بالدرجة الأولى بين صفوف حاملي الأستاذية والمتحصلين على شهادات “الفني” لأنها بلغت معدل %50.

ويعاني حاملو الأستاذية في الحقوق بالخصوص من البطالة إذ لم يتحصل سوى %32 منهم على عمل بينما بقي %68 بدون شغل.

أما الإختصاصات الأقل تضررا من البطالة فهي الهندسة في الاتصالات والإعلامية والكهرباء والالكترونيك (نسبة البطالة %18) والهندسة المعمارية (%9) والأطباء (%20).

ولا يمثل الشباب موضوع هذه الدراسة من الذين تحصلوا على موطن شغل سوى %34 من مجموع المتحصلين على الشهادات عام 2004.

وترتفع هذه النسبة إلى %51 إذا ما اعتبرنا أن الشباب المرتبط بعقود تربص من أجل الإعداد للحياة المهنية، من بين الذين تحصلوا على موطن شغل.

في الحقيقة أن هذه الفئة لا يقع انتدابها آليا بعد إنتهاء فترة التربص ولا يمكن منطقيا إدماجها في فئة المتحصلين على موطن شغل.

 وتؤكد الدراسة أن الأغلبية الساحقة من خريجي عام 2004 اختاروا أن يكونوا أجراء في القطاع العام بالدرجة الأولى (%52 من المشتغلين) وفي القطاع الخاص بدرجة أقل (%48) ونصف العاملين بالقطاع الخاص منتدبون بعقود شغل لمدة معينة. أما نسبة الذين ظفروا منهم بعمل قار (عقود شغل لمدة غير معينة فهي لا تتجاوز %20).

هذا ويلاحظ أن %34 من الذين كان لهم “حظ” العثور على موطن شغل يتعاطون عملا أدنى مما تسمح لهم به شهائدهم التعليمية وهذا يعني أنهم يتقاضون أجورا أقل من الأجور التي كان من المفروض أن يتحصلوا عليها لو وقع إنتدابهم وتصنيفهم اعتمادا على شهائدهم.

هذه الدراسة تبرز أن قضية البطالة هي القضية الرئيسية التي يعاني منها الشباب عموما ومنهم حاملي الشهادات وتؤكد أن الشهادة التي يتحصل عليها الشاب بعد سنوات من الدراسة والتعب لم تعد بالنسبة له جواز السفر إلى الحياة العملية والإستقلال المالي ووسيلة نحو الارتقاء الإجتماعي.

فالحصول على الشهادة شرط ضروري للعمل لكنه ليس الشرط الكافي للظفر بموطن الشغل لأن إنعدام تكافئ الفرص للجميع بسبب انتشار المحسوبية (القرابة، الأكتاف، الإنتماء السياسي) واستشراء الرشوة لدى من لهم صلاحيات الانتداب في القطاعيين العام والخاص يحرم أبناء الطبقات الشعبية الكادحة بالخصوص من حقهم في الشغل. هذا ويزداد الوضع تأزما والبطالة استفحالا لدى الشباب الحامل للشهادات والمعطل عن العمل أصيل الجهات الغربية للبلاد من شمالها إلى جنوبها نتيجة تركيز السياسات التنموية التي انتهجتها السلطة منذ 1956 على ولايات الشريط السياحي مما أدى إلى تهميش وإهمال معظم مناطق الغرب التونسي وتعاظم الشعور بالإقصاء لدى سكان هذه المناطق وخاصّة   شبابها. وهو ما يفسر الإحتقان التي تعيشه هذه الجهة والحركات الإجتماعية التي تشهدها منطقة الحوض المنجي منذ نهاية العام الماضي وهي مرشحة لأن تتوسع جغرافيا مثلما تؤكده الأحداث التي انطلقت منذ نهاية ماي في منطقة فريانة من ولاية القصرين. فالشباب المعطل عن العمل يعد بعشرات الآلاف ويتواجد في كامل ولايات البلاد وضاق ذرعا بطول انتظار فرصة الحصول على شغل يحفظ كرامته ويخرجه من الإحباط الذي تردى فيه ويوفر له فرصة لتجنب الهجرة السرية القانونية أو من الانزلاق إلى علم الجريمة أو المخدرات والياس.

فهل تغير السلطة النظر في مجمل سياستها لتجنيب البلاد الهزات العنيفة ذات الأفق المجهول أم تتمادى على انتهاج إختيارات ثبت عقمها وفشلها وخطرها؟

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org