|
"الإرادة" الوطنيّة |
|
العدد السّابع أفريل/ماي 2008 حول أوضاع الحوض المنجمي مازالت وتيرة الاحتقان لم تخف بعد بمنطقة الحوض المنجمي وبمعتمدية الرديف بالخصوص رغم إطلاق سراح النقابيين الذين أوقفوا يومي 6 و7 أفريل 2008 ومجموعة من الشبان المعتصمين بعد الاعتداء عليهم بالعنف الشديد. وكردّ فعل عمدت السلطة إلى توخي أسلوب العصا الغليظة في إدارة أزماتها مع المجتمع وإلى تعبئة إعلامية تبرز إنجازات النظام لفائدة ولاية قفصة وحرّكت الحزب الحاكم لتنظيم مسيرة مهزلة رفعت شعارات موالية للسلطة ومندّدة "بالجاحدين وناكري الجميل". وللتذكير فإنّ معتمديات الحوض المنجمي كانت قد شهدت جملة من التحركات على خلفية الاحتجاج على انتدابات شركة فسفاط قفصة والتي اتسمت بانعدام الشفافية وتغليب منطق المحاباة والارتشاء والزبائنية السياسية. وقد تمثلت التحركات في نصب الخيام والاعتصام بها والتظاهر وتنظيم المسيرات الحاشدة شاركت فيها جموع من سكّان الحوض من أولياء المعطلين عن العمل وأرامل عمّال المناجم الذين قضوا في الدواميس في ظروف لا إنسانية تذكرنا بعهود خلنا أنها ولت وانتهت. وقد وقع نشر قوّات أمنيّة رهيبة على مشارف المعتمديات للتدخّل وقمع الاحتجاجات إن اقتضى الأمر ذلك. وعلى إثر الأحداث تحرّكت السلطة واعتمدت جملة من الإجراءات قصد احتواء وامتصاص غضب السكان توّجت بتعيين وال ومعتمدين جدد وتنصيب كاتب عام لجنة تنسيق جديد وانعقاد مجلس وزاري خلص إلى جملة من الآليات لدفع الاستثمار والتشغيل بمنطقة الحوض المنجمي أقلّ ما يقال عنها أنّها تكريس لتخلي الدولة عن دورها التعديلي. المعنيون بهذه الإجراءات غير مؤهلين لبعث المشاريع والانتصاب لحسابهم الخاص لانعدام الضمانات الضرورية، وحتى الحوافز التي رصدت لذلك أثبتت عدم جدواها منذ عقود ولم تساهم في نهوض قطاع خاص نشيط يشغّل، وللعلم فإن هذه المنطقة قد اعتمدت في ظل غياب سياسة صناعية على أحادية تنموية محورها الأساسي شركة فسفاط قفصة. إنّ منطقة الحوض المنجمي ومنذ اكتشاف الفسفاط في سنة 1885 بجبل ثالجة قرب المتلوي وإنشاء شركة الفسفاط والسكّة الحديدية ومدّ خطّ حديدي بين مدينة المتلوي وميناء صفاقس سنة 1897، شهدت تحولات عميقة في كلّ البنى تقريبا الديمغرافية والثقافية والدينية والبيئية وجعلت سكان الحوض يتوقون إلى لعب دور سياسي هام في البلاد ككلّ. وقد ساهم الاستثمار الرأسمالي الأجنبي في عهد الحماية الفرنسية في إخضاع المنطقة وكامل البلاد لسلطة الاستعمار الفرنسي ونهب الثروات الوطنية، وبالتوازي فقد نشأت حركة سياسية تقدميّة في طليعتها الشيوعيون وتأسست النقابات المختلفة الاعراق والعقائد وتوافدت على المنطقة عمالة إيطالية ومالطية وفرنسية وتدفق طالبو الشغل من القطرين الجزائري والليبي. وإنّه لمن المؤسف حقّا أنّ رصيدا عمّاليا ونضالا سياسيا واجتماعيا كانت تزخر به المنطقة لم ينفض عنه الغبار بصفة تعيد لها الاعتبار. ومما تجدر الإشارة إليه الدور الهام الذي لعبته المرأة في النضال الوطني والطبقي طيلة عهود الاستعمار المباشر فلا غرابة في أن تكون المرأة حاضرة بكثافة في الاحتجاجات الأخيرة. إنّ تراجع الدولة وانحسار تدخلها المباشر لم يساهم إلا في تفقير هذه المنطقة واستفحال النزوح إلى المناطق الأكثر حظا، فماذا لو شحّت الموارد المنجمية بالحوض؟ ما هو مصير أبنائه؟ إنّ أحداث الحوض المنجمي مهما اختلفنا في تقييمها، عفوية كانت أم منظمة و ذات أفق سياسي، بينت أن صبر التونسي على تدهور مقدرته الشرائية وعلى تدني ظروف عيشه قد نفذ، فهل يستوعب الجميع سلطة ومعارضة هذه الرسالة؟ |