|
"الإرادة" الدوليّة |
|
العدد السّابع أفريل/ماي 2008 أمريكا الجنوبيّة المتمرّدة الحلقة 4 الأرجنتين العمّال المطردون يستحوذون على المؤسسات، يقاومون و ينتجون...
منذ الازمة الإقتصاديّة التي دمّرت الأرجنتين سنة 2001، تزايد عدد العاطلين عن العمل الذين يسترجعون مؤسساتهم المفلسة ويقومون بتشغيلها من جديد من دون الأعراف، فهؤلاء العمّال لا ينشدون بالضرورة حقّ الملكيّة بل أساسا الحقّ في العمل. 1- نشاة الحركة الوطنيّة للمؤسسات المستردّة: في 20 مارس 2003 تجمّع 30 عاملا مسرّحا من نزل "بون" في مأوى السيارات ثمّ خلعوا الباب و دخلوا مؤسستهم السابقة وهي نزل من نوع 5 نجوم يحتوي على 20 طابقا في قلب العاصمة الأرجنتينيّة " بيونس أيرس". لقد دشّن هذا النزل سنة 1978 بمناسبة كأس العالم لكرة القدم وأغلق سنة 2001. إنّ عمليّة الاستحواذ هي بالفعل مسّ من حقّ الملكيّة الفرديّة لكنّها كذلك هجوم على رمز من رموز الرأسماليّة المتفسّخة المدعومة من طرف الديكتاتوريّة. فبعد 23 سنة من العمل بقاعة الاستقبال حاول "مارسلو" البالغ من العمر 56 سنة عبثا البحث عن عمل. أمّا المنظّفة "قلاديس" فتعمل الآن بمحطّة تاكسيات مقابل 4 أورو في الليلة. و بالنسبة لـ "رودولفو" عامل الصيانة القديم فيقوم بفرز اكداس السلع القابلة للرسكلة مثل عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل الجدد الذين يقومون بنبش قمامة (زبلة) " بيونس آيرس". إنّ جرأة هؤلاء العمّال العاطلين ليست بغريبة في بلد تصل فيه نسبة البطالة إلى 20 % وأين يعيش 45% من السكّان تحت عتبة الفقر. فعمليات الاستحواذ على المؤسسات باسم الحقّ في العيش الكريم تحمل فكرة إعادة تملّك الفضاءات المهجورة من طرف سرّاق القطاع الخاصّ. فالإنتفاضة الشعبيّة في ديسمبر 2001 قد قوّت هذه الظاهرة وأوجدت روابط جديدة بين حركات اجتماعيّة كانت معزولة سابقا. وتعدّ الأرجنتين الآن حوالي 170 مؤسسة من هذا النوع تشغّل أكثر من 10.000 عاملا. إنّ استرداد المؤسسات المفلسة من طرف عمّالها القدماء بدأت تظهر في أواسط التسعينات. فالنموذج النيوليبيرالي المطبّق باجحاف من طرف الرئيس "كارلوس منعم" أنتج سنويّا آلاف العاطلين وقد مرّت نسبة البطالة من 8% سنة 1998 الى 18% سنة 1995. فعمليّات الخصخصة المكثّفة لم تلق فقط بموظّفي القطاع العام في الشارع بل ألغت كلّ القيود عن التوريد ودخول البضائع الاجنبيّة التي دمّرت الاقتصاد الوطني الضعيف و غير القادر على منافستها. إنّ الشركات المستحوذ عليها ليست في غالبيتها مثل نـزل "باون" بل شركات خدمات و مؤسسات صناعيّة صغيرة ومتوسّطة في مقدّمتها قطاع المعادن و الميكانيك والطباعة والصناعات الغذائيّة. و السبب المشترك في افلاس هذه المؤسسات يعود لعجزها على تسديد ديونها لدى إدارة الضرائب والبنوك والمزوّدين ولدى العمّال الذين لم يتحصّلوا على أجورهم ومستحقّاتهم لمدّة طويلة. لكن إذا كان القانون الأرجنتيني حول الافلاس يحتوي على مبدأ الاولويّة للأجراء على الأطراف المموّلة الأخرى فإنّه لا يقرّ بوضوح بإعادة تنشيط المؤسسة بل تصفيتها. إنّ مثال مؤسسة "باون" معقّد فهي بنيت في فترة صعود الديكتاتوريّة بقرض عمومي لم يسدّد أبدا، ثمّ بيعت سنة 1997 بـ 12 مليار دولار لرجل أعمال شيلي لم يسدّد منهم سوى 4 مليار دولار قبل عمليّة الغلق في نهاية 2001. وقبل الاستحواذ على "نزلهم" سلّم عـمّال "باون" قانونا أساسيّا لتعاضديتهم لدى السلط المعنيّة، وذلك بمساعدة الحركة الوطنيّة للمؤسسات المستردّة « Mouvement National Des Entreprises Récupérées » إنّ هذه الحركة الاتحاديّة نشطت بفضل مجهود اثنين من الأنصار القدامى للحركة البيرونيّة المسلّحة لسنة 1970، وفرضت نفسها خلال الأشهر الاولى لسنة 2002. ولخّص السيّـدان "ايدواردو مروا" و"جوزي ابلي" المراحل الثلاث لاستراتيجيتهم بمعادلة مستقاة من "حركة المحرومين من الارض بالبرازيل" كالتالي: "استحوذ، قاوم، أنتج". 2- حركة العمّال في مواجهة القوانين السائدة: في سنة 2002 سمح تنقيح قانون المؤسسات المفلسة بإمكانيّة مواصلة الإنتاج داخلها من طرف تعاضديات، لكنّ أحد القضاة الذي يزعم تشجيع هذه التعاضديات يشترط عقد كراء مع المالك أو انتظار قرار بنزع الملكيّة منه من طرف السلط العامّة وقد علّقت الحركة الوطنيّة للمؤسسات المستردّة على هذه الوضعيّة كالآتي: "إنّ الدّولة تنزع الملكيّة الخاصّة لتمدّ الطرقات فلما لا تقوم بنفس الشيئ من اجل مصلحة المجموعة و الحقّ في الشغل ؟".
في نوفمبر 2004 حقّقت المؤسسات المستردّة انتصارا مهمّا تمثّل في نزع الملكيّة بصفة قانونيّة ونهائيّة من أعراف 12 مؤسسة بـ"بيونس آيرس". وتتمتّع تعاضديات العمّال المسيّرة للمؤسسات بقرار تأجيل الدّفع لمدّة ثلاث سنوات و بـ 20 سنة لشراء الآلات والمقرّ بالتقسيط، لكنّ تسوية الوضعيات حالة بحالة ليس كاف بالنسبة للعمّال الذين يطالبون بقانون نزع نهائي للملكيّة يشمل كلّ المؤسسات المستردّة. 3- كيف يسيّر العمّال المؤسسات بدون الأعراف: في تناغم مع ضغوطات السلط الاقتصادّية أدانت العديد من وسائل الإعلام هذا "الهجوم على الملكيّة الفرديّة" معتبرة إيّاه "هجوما بلشفيّا" على الأرجنتين و قال عالم الاجتماع "فاجن": "في الماضي كانت الايديولوجيا تشجّع افتكاك المؤسسات وليس الدّفاع عن حقّ الشغل، أمّا اليوم فإنّ من يمثّلون هذه الحركة يشكّلون فريقا غير متجانس ليس لأغلبيّة عناصره أيّ تجربة نقابيّة". ممّا طرح مواضيع سياسيّة جديدة للنقاش. فالايديولوجيا أخذت في التطوّر بعد عمليّات استرداد المؤسسات من طرف العمّال وهو ما يؤكّد دور التجربــة والممارسة العمليّة في بلورة الفكر. إنّ العاطلين عن العمل الذين اختاروا هذا النهج وجدوا أنفسهم بالضرورة في مواجهة الأعراف والقضاء والبوليس، وليكونوا قادرين على مواجهة هذه الوضعيات وجب عليهم تحريك عائلاتهم و التحليّ بروح عالية من التضامن. إنّ وحدة التوجّه في هذه الانتفاضة خلقت ليس فقط علاقات جديدة من التعاون و الصداقة بل ساهمت في انبعاث مسار أخذ القرارات بصفة جماعيّة وديمقراطيّة عبر الاجتماعات العامّة أين لكلّ عامل الحقّ في التصويت. وهذا ما أكّده "مارسيلو" رئيس تعاونيّة نزل "باون": "أنّ الشعور بالحريّة الذي نحسّه لا يصدّق رغم أنّه ليس لنا نفس المقاربة و الفهم للحريّة: فالبعض يراها في القيام بما يريده بكلّ حريّة، وآخرون يرونها في أن لا يقوم بأيّ شيء. إنّ أصعب شيء في التسيير الذاتي هو التصدّي للفردانيّة وغياب المبادرات لكنّ علينا أن نتكوّن لتجاوز الكائن العامل دون التحوّل الى اعراف". و في هذا الإطار انسحب صنف من الاجراء الذين هم أساسا من الإطارات بنسبة 80% من المؤسسات المستردّة التي بقيت بدون أعـراف، فاختار العمّال عبر اجتماعاتهم العامّة وعن وعي كامل مبدا الأجور المتساوية. فوقع إعادة توزيع المهام حسب الكفـاءة والأقدميّـــة وتدعيم تعدّد الإختصاصات لدى العمّال وانتخاب منسّقين للقطاعات لفترة زمنيّة محدّدة وتحويل العمّال القدامى من الإنتاج الى الإدارة وتكوينهم ووضع آليات جديدة تضمن الشفافيّة في التصرّف المالي داخل المؤسسة. أمّا بالنسبة للأرباح فترصد منها 40% لتحسين الأجور ويستثمر الباقي لتطوير الشركة. 4- المؤسسات المسيّرة ذاتيّا والسوق الرأسمالية: من ناحية أخرى عملت الشركات المستردّة على ايجاد علاقات تعاون فيما بينها الى أن أصبحوا حرفاء و مزوّدين ومقرضين لبعضهم البعض. أمّا منتوجهم فلا يذهب مباشرة للمستهلكين بل يباعوا لصناعيين آخرين و هذه نقيصة في حدّ ذاتها. وقال"أندري ريتجري" أحد رؤساء الأقسام في كليّة الفلسفة والدّاعم للتسيير الذاتي: " إنّ المؤسسات المستحوذ عليها التي تصنع قطع غيار السيارات لا تستطيع البيع إلاّ لصانعي السيارات، لكنّ الشركات المتعدّدة الجنسيات ترفض التعامل مع هذه التعاونيات من منطلق ايديولوجي وسياسي، إذا إنّ الحلّ الوحيد هو البيع لشركات وسيطة التي تقوم ببيع البضاعة بالشركات المتعدّدة الجنسيات لكنّ العمّال يخسرون نسبة كبيرة في هذه المعاملات". وقد أثار دخول المؤسسات المستردّة للسوق الرأسماليّة نقاشا مهمّا سنة 2002 وطالبت بعض التيّارات اليساريّة الفاعلة في هذه التجربة بتأميم هذه المؤسسات تحت مراقبة عمّاليّة، ويرى العمّال إنّ عمليّة الاستحواذ على المؤسسات المفلسة هي الخطوة الاوليّة لبناء نظام اشتراكي تكون فيه الدولة موجّهة للتخطيط الاقتصادي. 5- دروس من التجربة: أمّا بالنسبة لعماّل مصنع "زانون " للجليز فقد اختاروا الشكل القانوني للتعاضديّة مع مواصلة المطالبة بالتأميم الذين يحلمون به، وقد صنعت وحدتهم من هذه المؤسسة المستردّة رمزا وطنيّا للصمود والنضال كما تمكّنوا من افشال 7 محاولات لطردهم بفضل العلاقات النضاليّة المتينة التي نسجوها مع بقيّة الحركات الاجتماعيّة. ففي كلّ شهر ينتجون بصفة لا قانونيّة أكثر من 30.000 متر مربّع من الجليز، كما قاموا بانتداب 210 عاملا جديدا و توفير أجور متساوية فيما بينهم تعادل أجور أعوان الشرطة ويجدون كذلك الإمكانيات لتوزيع مساعدات بصفة منتظمة على سكّان الأحياء الفقيرة. ورغم هذه الانجازات الاجتماعيّة المتعدّدة و شعبيتها الكبيرة لم يحصل عمّال هذه المؤسسات المستردّة على المساعدات والقروض من دون فائض والاصلاحات القانونيّة التي يطالبون بها. إنّ خلق مواطن شغل في مؤسسات قيل إنّها مفلسة لصفعة للاعراف وتحدّ للنظام الرأسمالي القائم برمّته. إنّه درس في الصمود والنضال لكلّ المحرومين والمهمّشين والعمّال في الوطن العربي و العالم. يتبع |