"الإرادة" الوطنيّة

العدد السّابع أفريل/ماي 2008

قراءة في مشروع القانون الدّستوري الإستثنائي
 الخاص بالإنتخابات الرّئاسية

نظر مجلس الوزراء في جلسة عقدها في نهاية شهر مارس الماضي في مشروع قانون دستوري استثنائي تعتزم السلطة التنفيذية تقديمه للبرلمان للمصادقة عليه.

مشروع القانون الدستوري هذا يتعلق بالترشح للإنتخابات الرئاسية التي ستنظم من  المرجح في أكتوبر 2009، وجاء عقب الخطاب الذي ألقاه رئيس الدولة في 21/03/2008 وتعرض فيه إلى الإستحقاق الإنتخابي الرئاسي، معلنا عن قراره بعرض مشروع قانون دستوري استثنائي على غرار ما قام به بمناسبة تنظيم الإنتخابات الرئاسية في عام 1999 وسنة 2004 حتى تكون الإنتخابات تعددية.

ذلك أنّ دستور البلاد التونسية كما وقع تنقيحه بموجب الإستفتاء الذي نظّم عام 2002 ينصّ على أنّه '' لا يمكن أن يترشح للإنتخابات الرئاسية إلا من حظي بمساندة 30 نائبا بمجلس النواب أو رئيس مجلس بلدي علاوة عن استكماله للشروط القانونية الأخرى المتعلقة بالسن والجنسية والتمتع بالحقوق المدنية ''.

وبناء على هذا الفصل ونظرا لهيمنة التجمع الدستوري الديمقراطي على مجلس النواب وعلى المجالس البلدية فانّه الحزب الوحيد القادر دستوريا على تقديم مرشح للانتخابات الرئاسية القادمة وبالتالي يؤدي تطبيق مقتضيات الفصل 40 من الدستور بشروطه التعجيزية إلى تنظيم انتخابات رئاسية يتقدّم إليها مرشّح واحد لا منافس له، وهي انتخابات تكون نتيجتها معروفة مسبقا مهما كان عدد الناخبين، مما يفقد الرئيس المنتخب مشروعية جماهيرية حتى وانّ كانت له شرعية قانونية.

السلطة ووعيا منها بأن إنتخابات رئاسية بمرشح واحد أصبحت غير مقبولة، قرّرت هذه المرّة توسيع باب الترشحات لرؤساء الأحزاب أو أمنائها العامين أو أمنائها الأولين بشرط أن يكونوا مباشرين لخطتهم مدّة لا تقلّ عن عامين عند تنظيم الإنتخابات الرئاسية المقبلة.

مشروع القانون الدستوري الإستثنائي المزمع عرضه على مجلس النواب يسجّل تقدّما بعض الشيء مقارنة بالقانون الذي وقع سنّه بمناسبة انتخابات 2004 اذ أنّه لم يشترط هذه المرّة أنّ يكون الحزب برلمانيا أي أن يكون له نواب بمجلس النواب حتى يقدّم مترشّحا عنه للإنتخابات الرئاسية.

لكن هذا الجانب الإيجابي سرعان ما يتلاشى ويحجب أمام سلبياته وأهمّها:

1) أنّ هذا القانون لا يسمح للأحزاب المدنيّة غير المعترف بها على غرار حزب العمل الوطنيّ الديمقراطيّ بتقديم مرشّح للإنتخابات المقبلة، رغم أنّها قدمت مطلبا في الترخيص لها بالنشاط في إطار قانون الأحزاب الجاري به العمل.

2) إنّ هذا القانون فرض على الأحزاب المخوّل لها بتقديم مرشّح للإنتخابات الرئاسية المقبلة هويّة مرشّحها فهذا الأخير لا يمكن أن يكون إلا رئيسها أو أمينها العام أو أمينها الأول، وهذا إجراء يمثل تدخلا في حياة الأحزاب ومسّا بإستقلالية قرارها، اذ أنّه يرجع لمناضلي هذه الأحزاب وحدهم تعيين المرشّح الأكثر كفاءة.

3) إنّ القانون الدستوري الإستثنائي سيكون صالحا لمرّة واحدة مثلما كان الأمر في 1999 و 2004، وهي ظاهرة لا تضمن الإستقرار في الحياة السياسية ولا تدعم المؤسسات الدستورية وتبقي المواطنين والأحزاب في حالة من الإنتظار الدائم لمعرفة من ستقبل به السلطة القائمة منافسا لمرشحها.

نعتقد أنّ لجوء السلطة لقوانين استثنائية وللمرّة الثالثة على التوالي لإضفاء تعدديّة على الإنتخابات الرئاسية يعكس المأزق الذي تعيشه البلاد بسبب هيمنة التجمع الدستوري الديمقراطي على الحياة السياسية وعلى المجتمع، هذا من جهة والشروط المجحفة والتعجيزية الذي يفرضها الفصل 40 من الدستور.

وهذا المأزق هو مأزق السلطة نفسها فهي تريد من جهة ضمان فوز مرشح التجمع الدستوري الديمقراطي في الانتخابات ومن جهة أخرى إقناع الرأي العام الداخلي والخارجي بأنّها تنظم انتخابات رئاسية تعددية وتنافسية تسمح بالتداول السلمي على السلطة. هذا التناقض أدى وسيؤدي إلى سنّ قوانين استثنائية صالحة لانتخابات واحدة تسيطر عليها عقلية الإنتقاء والإقصاء.

المطلوب هو مراجعة مقتضيات الفصل 40 من دستور البلاد التونسية مراجعة تكفل تنظيم انتخابات تعددية يتقدّم اليها من تختاره الأحزاب السياسية المدنيّة إمّا بصورة مستقلة أو بصورة إئتلافية من بين أعضائها أو أنصارها.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org