|
"الإرادة" العربيّة |
|
العدد السّابع أفريل/ماي 2008
مؤتمر طنجة وجدلية القطري والوحدوي
يرى كثير من المهتمين بالشأن السياسي المغربي خطأ أن العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف مثل الحدث الأبرز على الساحة المغربية في النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين (بعد استقلال المحميتين تونس ومراكش سنة 1956). وقد دأبت الجهات الرسمية والوسائل الإعلامية والفئات الشعبية منذ شهر فيفري 1958 على تمجيد التقارب التونسي الجزائري و إبراز أواصر الوحدة التي تؤلف بين أقطار الإقليم المغربي كافة(1). لكننا نعتقد أن أهم حدث سياسي ميز تلك الفترة هو انعقاد مؤتمر طنجة نظرا إلى النتائج السياسية الخطرة التي أضفى إليها. ويقودنا الاستنتاج السابق إلى الحديث عن مؤتمر طنجة المنعقد في شهر أفريل 1958، باعتباره منعطفا سياسيا مهما في تاريخ الفكرة المغربية، فقد انقسمت قرارات(2) الأطراف السياسية المجتمعة في هذا المؤتمر وهي حزب الاستقلال المراكشي والدستور التونسي الجديد وجبهة التحرير الجزائرية، إلى ثلاثة أقسام، قسم خاص بالثورة الجزائرية وهو أهم الأقسام الثلاثة لتوقيته ومحتواه وآثاره في مستقبل الجزائر والمنطقة عموما، وقسم خاص بتصفية آثار الهيمنة الإمبريالية في المغرب العربي، وقسم خاص بالوحدة المغربية. ويمكننا أن نستنتج أن جبهة التحرير الجزائرية حقّقت في هذا المؤتمر مكسبا مهما، فقد حصلت على اعتراف الجارين المغربيين بها ممثلا شرعيا وحيدا للجزائر، والتزامها بدعم النضال الجزائري و تنديدهما بدعم القوى الغربية لفرنسا ماليا وعسكريا. كما نستنتج أن دولة الوحدة التي فكر المؤتمرون في إنشائها تقتصر حدودها على الأقطار الثلاثة تونس والجزائر والمغرب الأقصى رغم استياء رئيس الحكومة الليبية عبد المجيد كعبار ووزير خارجيته الدكتور البوري من أقصاء ليبيا من دولة الوحدة المغربية المنشودة. أما شكل الوحدة المغربية الذي دعا إليه المؤتمرون فيتمثل في الفدرالية، لأنها في – نظرهم- الأكثر ملاءمة للأوضاع في البلدان المشاركة في المؤتمر. كما دعا المؤتمرون إلى تأسيس مجلس استشاري مغربي منبثق عن المجلسين التشريعيين في تونس والمغرب الأقصى والمجلس الوطني للثورة الجزائرية على أساس عضوين من كلّ مجلس لدراسة المشاكل ورفع التوصيات للحكومات المحلية. وهكذا أبقى المؤتمر قرار الوحدة بأيدي الحكومات، أما المجلس التشريعي المغربي المزمع تأسيسه فمهمته الاستشارية تقتصر على الدراسات ورفع التوصيات، مما يؤكد احتكار الأنظمة السياسية للفكرة المغربية بعد ضرب الحركات السياسية المعارضة في الأقطار الثلاثة مثل الحركة اليوسفية في تونس والحركة المصالية في الجزائر وبعد إضعاف الحركة النقابية في المغرب العربي. يرتقي الاستنتاج حينئذ إلى أن مؤتمر طنجة انعقد تلبية لرغبة شعبية جامحة في تجسيد الفكرة المغربية، لكنه كرس الإرادة النخبوية للقيادات السياسية "وان انفرادها بهذا التصور لهو من بعض جوانبه، وزر من أوزارها وعائق عن إنجاز المشروع المغربي" (3). وفي الإطار نفسه يذهب الباحث عبد القادر العريبي إلى أن صياغة نص الوحدة المغربية" عبرت عن خوف القيادات المغاربية من قيام هذا المشروع الذي من شأنه أن يحرمها من التمتع بامتيازات الاستقلال خاصة وأن دواليب الحكم آلت بعد تحقيق الاستقلال إلى البرجوازية الصغيرة وهي طبقة خاصوية Particulariste، فالنخب التي سيطرت على السلطة كانت تريد التمتع بالاستقلال لا بالوحدة أو ما أسماه أحد رجال السلطة في تونس "الجوع إلى ممارسة السيادة"(4). وقد دل القرار المتعلق بتصفية آثار الهيمنة الإمبريالية في المغرب العربي وخاصة النقطة الأولـــى – التي أكد فيها المؤتمرون أن بقاء القوى الأجنبية بأرض المغرب العربي يتناقض مع سيادة الدول المستقلة- على أن مشروع الوحدة المغربية كان مرجأ في أذهان القادة المغربيين إلى حين استقلال الجزائر واستكمال السيادة القطرية في تونس والمغرب الأقصى. لكن متى تستكمل السيادة القطرية؟ ومتى يبلغ بها القادة المغربيون نقطة المرور الفعلي إلى البناء المغربي المنشود؟ إن كيفية ضبط هذه النقطة على خط المسار القطري لــ" من أعسر التمارين في الهندسة السياسية المغربية" (5) المعاصرة. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن المشروع المغربي كان مؤجلا في أذهان الأنظمة في الأقطار الثلاثة إلى أجل غير مسمى رغم تأكيد الدستور التونسي أن تونس "جزء من المغرب العربي الكبير" وتأكيد الدستور المراكشي انتماء المغرب الأقصى إلى المغرب العربي. ويمكن أن نستنتج من الظروف التي انعقد فيها المؤتمر أن الوحدة المغربية كانت محكومة في أذهان القادة المغربيين بمنطق التصدي للاستعمار الفرنسي في المنطقة، ذلك أن انعقاد المؤتمر لم يكن مقصودا لذاته بل لمساعدة الجزائر بمنع الجيش الفرنسي من اتخاذ تونس ومراكش قواعد انطلاق لتشديد الضغط على الثورة الجزائرية، فضلا عن صد العدوان الفرنسي على التراب التونسي والمراكشي منذ استقلال المحميتين، فهل من باب الصدفة أن ينعقد مؤتمر طنجة بعد شهرين من العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف؟ لقد كان النظامان التونسي والمراكشي يخشيان تبعات الحرب الجزائرية – الفرنسية على حدود دولتيهما لأنهما كانا يحضنان اللاجئين الجزائريين وفلولا من جيش التحرير الوطني الجزائري، كما كانت مراكش تخشى أن تبادر فرنسا إلى منح موريتانيا استقلالها بعد بروز مؤشرات تؤكد عزم الساسة الفرنسيين على انتهاج سياسة البلقنة في المغرب العربي.
كما نستنتج من ظروف انعقاد المؤتمر أن القادة المغربيين حاولوا سحب البساط من الجماهير الشعبية المتطلعة إلى وحدة مغربية حقيقية، فهل من باب الصدفة أن تعقد النخبة السياسية المغربية مؤتمرها بعد ستة أشهرفقط من انعقاد مؤتمر طنجة النقابي؟ وتؤكد ظروف انعقاد المؤتمر كذلك محاولة النظامين التونسي والمراكشي الالتفاف على التيار العروبي الوحدوي بعد قيام الوحدة المصرية السورية في غرة فيفري 1958، والإتحاد الهاشمي بين العراق والأردن في الرابع عشر من الشهر نفسه، وفدرالية الدول العربية المتحدة (مصر و سوريا واليمن) في الثامن عشر من مارس من السنة نفسها. لقد جاءت هذه المشاريع الوحدوية المتزامنة تكرس العلاقات الخلاقية التي تشق النظام العربي الرسمي في إطار سياسة الصراع بين المحاور والأحلاف. يرقى الاستنتاج حينئذ إلى أن مؤتمر طنجة انعقد "لسحب البساط من تحت مشروع آخر مطروح، بل ناجز وهو الوحدة العربية" (6)، ولقطع الطريق أمام الخطاب العروبي للنظام الناصري من الانتشار في صفوف الثورة الجزائية. وسوف تؤكد الأحداث تهافت هذا المشروع الوحدوي الانفعالي والظرفي، ذلك أن القيادات المغربية لم تضع قرارات مؤتمر طنجة حيز التنفيذ وحتى الأمانة العامة للمغرب العربي التي تم تأسيسها في شهر جوان 1958 سرعان ما تغافل عنها القادة المغربيون. ورغم تأكيد مؤتمر طنجة على الحكومات المغربية بعدم اتخاذ قرارات منفصلة بشأن مصير السلام في إفريقيا في ميدان العلاقات الخارجية والدفاع، فقد جاءت قرارات القادة المغربيين لاحقا لتضرب مشروع الوحدة المغربية، فعبد الخالق الطريس ممثل المغرب الأقصى في جامعة الدول العربية لم يساند نظيره التونسي الحبيب الشطي عند اندلاع الخلاف بين تونس والجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 موجها بذلك ضربة لقرارات مؤتمر طنجة، أما النظام التونسي فلم يساند نظيره المراكشي عندما منحت فرنسا الاستقلال لموريتانيا سنة 1960، وأما قيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية فقد استعادت حريتها السياسية – والعبارة لمحمد حربي – عندما أدانت في 11 جويلية 1958 بشكل علني الاتفاق الفرنسي – التونسي الذي انعقد في 3 جوان بين شركة التنقيب والاستثمار الصحراوية صاحبة امتياز بئر ايجلي وشركة النقل عبر الأنابيب في الصحراء، والذي يقضي بتصريف النفط الجزائري عبر مرفإ الصخيرة التونسي وقد ردت السلطات التونسية فصادرت جريدة المجاهد الجزائرية في 22 جويلية 1958 (7) كما لم تستشر الجبهة شريكيها في مؤتمر طنجة في المفاوضات الفرنسية الجزائرية التي توجت بالتوقيع على اتفاقية ايفيان (8) في شهر مارس 1962 رغم الأهمية المتأكدة للاستقلال الجزائري على مستقبل المنطقة المغربية بكاملها. ويمكن أن ننهي هذا المقال الموسوم بــ "مؤتمر طنجة وجدلية القطري والوحدوي في الفكر السياسي المغربي المعاصر" بالتأكيد على أن الطرف الأول من الجدلية انتصر على الطرف الثاني منها بحكم الطبيعة القطرية لأحزاب الدستور التونسي الجديد والاستقلال المراكشي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية لأن هذه الخاصية القطرية تكتفي بطبيعتها ببرنامج الاستقلال دون أن تجتهد في تصور مشروع مغربي وحدوي لما بعد تصفية الاستعمار. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذه الأحزاب التي أمسكت بالسلطة السياسية في بلاد المغرب في منتصف خمسينيات القرن العشرين وفي بداية ستينات القرن نفسه قد استنفدت مشاريعها الحضارية بالحصول على استقلالات قطرية، فهل نستغرب حينئذ أن تندلع حرب الرمال بين الجزائر والمغرب الأقصى سنة 1963، أي سنة واحدة بعد استقلال الجزائر؟ وهل نستغرب كذلك أن يؤلف التونسي ابراهيم طوبال "البديل الثوري في تونس" (9) وأن يؤلف الجزائري فرحات عباس الاستقلال المصادرL’indépendance confisquée (10) وأن يؤلف المراكشي المهدي بن بركة "الاختيار الثوري في المغرب"(11) --------------------------- 1 - انظر التغطية الإعلامية لهذه الأحداث في الصحف التونسية والجزائرية منذ سنة 1958 إلى اليوم. - لاحظ أيضا عدد الزيارات الرسمية التي أداها مسؤولو البلدين بهذه المناسبة لهذا القطر المغربي أو ذاك. 2- انظر هذه القرارات في الملحق 3- مصطفى الفيلالي: تطور الوعي القومي في المغرب العربي،بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1986،ص17. 4- عبد القادر العريبي: تونس و علاقاتها مع بلدان المغرب العربي (1947-1980 )، تونس، كلّية العلوم الإنسانية والإجتماعية، 1999، ص 262. 5- مصطفى الفيلالي: المرجع السابق، ص 19. 6- عفيف البوني: ندوة الوعي القومي في المغرب العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1986، ص 87. 7- محمد حربي: جبهة التحرير الوطني، الأسطورة و الواقع، ترجمة كميل قيصر داغر، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية ودار الكلمة للنشر، ط1، 1983، ص 178. 8- نصت اتفاقية ايفيان على استقلال الجزائر استقلالا تاما، بعد استفتاء يجرى إثر فترة انتقالية قصيرة. ولمزيد التوسع انظر: أحمد توفيق المدني، حياة كفاح، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988، ج3، ص 551-561. 9- ابراهيم طوبال: البديل الثوري في تونس، بيروت، دار الكلمة للنشر، (د-ت). 10 -Ferhat Abbas , L’indépendance confisquée, 1962-1978, Paris, Flammarion, 1984. 11- المهدي بن بركة، الإختيار الثوري في المغرب، بيروت، دار الطليعة، ط2، 1966.
|