"الإرادة" العربيّة

العدد السّابع أفريل/ماي 2008

وداعا يا حكيم

1926-2008

 

الدكتور جورج نقولا رزق حبش المناضل الفلسطيني الذي كرس جل حياته وعمله من أجل فلسطين القضية، ومستقبل أمة، مشرعاً لواء إيمانه بهويته العربية وحتمية الانتصار....

طبيب حمل هموم اللجوء مع أهله وشعبه، فحمل البندقية مستبدلها بمبضع الطبيب، وعاش فصول التشرد واللجوء، ليدوّن من جراحه قصة أولئك الذين شدوا الرحال بعيداً عن الوطن، فلم تغادره مدينته اللد التي حملها مع كلّ ذرة تراب من فلسطين وغادرها صوب أسفار التشتت، والتهجير، يخط ملامحها بين أزقة المخيم، ويدون صرخات أطفالها بإصرار علي العودة والانتصار.

جورج حبش... الطفل الذي ترعرع مع سبعة أفراد، بعائلة لوالد تاجر، طفل أكمل دراسته الابتدائية بمدارس اللد، والثانوية بمدارس يافا والقدس، وإمتهن التدريس في مدارسهما وهو لم يتجاوز السادسة عشر من العمر، غادر فلسطين عام 1944 متجهاً لبيروت التي تخرج منها طبيباً عام 1951م.
جورج حبش..... توقف أمام قرار التقسيم قائلا " كيف لهذه الأمة الكبيرة أن تهزم من عصابات صهيونية" وفي نهاية حزيران 1948م وفي وهج الهجرة الفلسطينية، عاد جورج حبش إلي مدينته اللد تحت مفاجأة أهله ووالديه من عودته، لكنه أبى إلا العودة ليعمل بين أهله وشعبه،
وعمل طبيباً في مشفي اللد، واشتدت الهجمة الصهيونية ضدّ الشعب الفلسطيني، فلم تثنيه وفاة أخته التي دفنت بجوار المنزل لعدم مقدرتهم علي دفنها تحت وطأة الحصار والقتل الصهيوني، لم تثنيه عن التثبت في الأرض والوطن...

تناقلت أسرة القائد الفلسطيني بين اللد ويافا ورام الله وعمان.... وعمل طبيبا في مخيمات الأردن، حتى خرج مع المقاتلين الفلسطينيين بعد أيلول الأسود إلي لبنان.

جورج حبش... حكيم الثورة... ومفكرها، شكل مع زملائه ومنهم الشهيد وديع حداد مجموعة عمل طلابي، حتى تم تشكيل كتائب الفداء العربي التي كان جل عملها ضرب المصالح الانجليزية والصهيونية والعملاء المتعاونين معهما.. ولكنها لم تحقّق طموحات ورغبات هذا الثائر،  فبدأ يفكر بكيان سياسي يسعي لتحرير فلسطين، فكان تأسيس حركة القوميين العرب التي شكلت نواة للعديد من الحركات القومية العربية، ولعبت دورا مؤثرا في تأجيج المشاعر الوطنية لدي الشعوب العربية.

جورج حبش... تغيب الشمس مع كلّ يوم... ولم تغب فلسطين عنه، ولم تهاجره لازمته كالهواء والماء، حملتها دمائه، ونبض بها قلبه.

فبعد خمس سنوات من ممارسة مهنة الطب في مخيمات الأردن، أسس الجبهه الشعبية لتحرير فلسطين في كانون أول 1967م، وتنحي طوعاً عن قيادتها عام 2000م. حيث لعب دوراً بارزاً وهاماً في النضال الفلسطيني والتحرري العربي، لما تمتع به من شخصية ثورية قيادية أهلته لأن يقود مسيرة كفاح طويلة، ويعلن ميلاد فجر قائد لم تلوث يده بدماء أو أموال أهله وشعبه وأمته....

جورج حبش.... تزوج من يلدا حبش ابنة عمه التي شاركته حياته علي مدار نضاله، وكانت جزءاً من ملحمة التصدي لكلّ المؤامرات التي دبرت وحيكت للنيل منه، ورزق منها مولودتان هما ميسا ولمي.

قائد ومفكر سياسي ولد من رحم النكبة والألم، جاء يحمل الوطن قوتا وهواءً وهماً من احدي الطوائف المسيحية الفلسطينية، عانق فلسطين أرضاً وهوية وانتماء، وجسد خيطاً من الوطنية التي امتزجت مع حركات التحرر العالمي، وواجهت سطوة الامبريالية الرأسمالية والصهيونية التي حاولت النيل من هذا القائد، فأحاكت المؤامرات المتمثلة بمحاولات الاغتيال والاختطاف، فكانت تزيده قوة وإصرارا وعنفوانا مع رفاقه الذين سطروا ملاحم في البطولة والعطاء، من خلال مئات الهجمات ضدّ المصالح الأمريكية، وخطف الطائرات التي قادها الشهيد وديع حداد والمناضلة ليلي خالد، حتى سطع نجم فلسطين والجبهة الشعبية وقائدها في سماء الوطن وشكلت عنوناً لأحرار العالم، وقبله لثوار الحريّة.

جورج حبش... القائد... المفكر... الثائر..

أمضي الحكيم مسيرة نضالية طويلة وشاقة، لم تخلِ من التناقضات والاختلافات علي الصعيد الداخلي، وخاصة مع ياسر عرفات الذي أطلق عليه حكيم الثورة لما يتمتع به من فكر وقدرة علي التحليل العلمي والسياسي، وعطاء كفاحي بطولي، اختلفا كثير، وتناقضا كثيرا، ولكنهما لم يتناحرا، بل جمعتهما فلسطين الوطن، ورغم ذلك كان الحكيم هو الشاهد علي عقد زواج ياسر عرفات، تجسيدا علي أن الاختلاف السياسي لا يعني تناحر عقائدي أو سياسي.

اختلفا نعم لكنهما لم يتناحرا، اختلفا نعم لكن وحّدهم الوطن، وهذا ما ميز القائد جورج حبش الذي لم يشرع البندقية سوي لصدر العدو متجاوزا أي تناقضات داخلية، وكيف لا وهو الذي جسد مبدأ الانضباط الوطني والتنظيمي من خلال رفضه لرفيق دربه والرجل الثاني بالجبهة الشهيد وديع حداد عندما جسدت الجبهة مبدئها "إما وديع وإما الانضباط" فأنتصر الانضباط من أجل فلسطين التي مثلت لدي حبش الأم التي لا يكبر حبها أحد.

كما مثل هذا القائد عشقه للوطن والثورة في سياق رده علي مناقشة أتفاق السلام مع العدو الذي قال عنه الشهيد ياسر عرفات "أن هذا الاتفاق هو الممكن" فردّ عليه حبش "أن الثورة الفلسطينية قامت لتحقّق المستحيل لا الممكن".

استقال جورج حبش طوعيا من قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 2000م، حيث بدأ في إدارة مركز دراسات لبحث نجاحات وفشل الحركة الفلسطينية، واستلم الراية من بعده الشهيد أبو علي مصطفي (مصطفي الزبري) قيادة الجبهة الشعبية حتى استشهد صيف 2001م عندما أغارت علي مكتبه برام الله صواريخ الحقد الصهيوني، ليستنهض أبناء الحكيم عزائم الرجال وقوة الشهداء والرد باغتيال الوزير الصهيوني (زئيفي) الذي مثل فكرا صهيونيا متطرفا، وخلف الشهيد أبو علي القائد أحمد سعدات والذي بدوره أعتقل بسجن أريحا من قبل السلطة الوطنية مع رفاقه قتله زئيفي، حتى قامت القوات الصهيونية بعمليتها الإجرامية وهجومها المتواطئ مع العديد من الأطراف الدولية ليتم اسر أحمد سعدات ورفاقه.

  * ورد هذا المقال في موقع " www.arabmag.net

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org