"الإرادة" الإجتماعيّة

العدد السّابع أفريل/ماي 2008

اليـوم العالمـي للمرأة بيـن الشكل والمضـمون

تحـية للنساء المعتصمات في الحوض المنجمي

تحية لنساء فلسطين المواصلات نضالهن ببسالة

تحية للنساء في العراق اللاتي يعانين الاستعمار المباشر وسجن التخلف

تحية إلى كل نساء العالم المناضلات ضد كل أشكال التعسف والقهر والاضطهاد

لعقود عديدة خلت والمناضلات والمناضلون ينظمون المسيرات الحاشدة والتجمعات الجماهيرية احتفالا باليوم العالمي للمرأة الذي يمثل ذكرى لنضال النساء العاملات في شيكاغو من أجل تحسين أوضاعهن المهنية والمتمثلة في مسيرة ضخمة جوبهت بالعسف والعنف البوليسي وبقيت وصمة عار في وجه الأنظمة الرجعية وأدواتها القمعية الملطخة بدماء العمّال الأحرار.

وهذه المسيرات الحاشدة والتجمعات الجماهيرية التي تنظم في كلّ سنة، تستلهم العبرة من تلك النضالات وتقيّم ما وصلت إليه عملية المساواة في الحقوق بين المرأة والرجل، كما تمثل فرصة للتنديد بمواقف الطبقات الحاكمة الماسكة بالسلطة والمشرعة للقوانين والتي بقيت تعيق المساواة الحقيقية متجاهلة المطالب الشرعية للجماهير متذرعة بكلّ الوسائل المتاحة لها (الاقتصادية، الثقافية، الدينية...).

ولقد تبنت الأمم المتحدة عام 1977، وتحت تأثير نفوذ بعض الدول، بأن يكون يوم 8 مارس يوما عالميا للمرأة، رمزا لتاريخ نضال المرأة الطويل من أجل المساواة في الحقوق مع الرجل.

وتدريجيا بدأت عديد الأقطار، حتى تلك التي كانت أنظمتها تقمع مسيرات وتجمعات 8 مارس والتي تنتهك فيها حقوق المرأة إلى درجة الاستعباد، "الاحتفال" به في محاولة لتزييف الواقع الذي تعيشه المرأة وتلميع صورتها كدولة متحضرة وكان من الممكن أن يفرغ هذا العيد من مضمونه النضالي ليكتسي شكل البهرجة الرسمية لولا ثبات المناضلات ووعيهن بأن الطريق نحو المساواة الحقيقية لا يزال طويلا وأن صراع النساء من أجل حقوقهن هو صراع من أجل انعتاق المجتمع من الظلم والاستبداد.

وقد قال كارل ماركس منذ سنة 1844 في كتابه المخطوطات الاقتصادية الفلسفية:" لا يمكن أن تكون، ولم تكن قط، ولن تكون يوما حريّة حقيقية طالما لم تتحرر المرأة من الامتيازات التي يكرسها القانون للرجل، طالما لم يتحرر العامل من نير الرأسمال، طالما لم يتحرر الفلاح الكادح من نير الرأسمالي والملاك العقاري والتاجر.." بينما ورد في تقرير لليونسكو سنة 2004: "يعيش على الكرة الأرضية ستة مليارات كائن حي، أكثر من نصفهم من النساء والفتيات. وتشكل النساء والفتيات ثلثي أمي العالم البالغ عددهم 876 مليونا و 70% من الفقراء وتؤدي النساء والفتيات ثلثي الأعمال في العالم ويجنين عشر المدخول العالمي بمجمله".

وهكذا نلاحظ أنه بعد أكثر من قرن ونصف لم يتحقّق التقدم المرجو في المساواة التامة بين الجنسين رغم انخراط المرأة في حركات التحرر الوطني والتضحيات التي قدمتها المناضلات ومشاركتها في العمل الاجتماعي والسياسي والنقابي فهي لا تزال تعاني، إلى جانب ما يعانيه الرجل، الاضطهاد الطبقي علاوة على الاضطهاد الجنسي، إذ أن أزمات البطالة تحمّل فيها المرأة النصيب الأكبر باعتبارها تشغل الأعمال الأكثر هشاشة والأكثر عرضة للتجاوز في عالم الشغل مثل الأعمال الموسمية أو في المؤسسات الصغرى المحدودة الأجل، هذا ولم يتغير الموروث الاجتماعي (العبودي، الاقطاعي، الديني..) ولا أدل على ذلك من العنف الموجه إلى المرأة حتى في البلدان المتقدمة، والعنف قد تعددت أشكاله فوصلت إلى حد التجارة بالنساء التي تجاوزت كلّ حدود الإنسانية في بلدان آسيا وأوروبا الشرقية الذي يعرف اليوم بتجارة الرقيق الأبيض...

أما في مستوى الوطن العربي، فعلاوة على ما يشهده الوطن من استعمار مباشر في أعنف تمظهراته في كلّ من القطرين المحتلين فلسطين والعراق وغير المباشر في سائر الأقطار، نجد انبعاث حركة الردة والتقهقر الفكري الذي أثر في وضع المرأة التأثير السيئ، فكان الإقصاء التعسفي لها من الفعل في الواقع الوطني بأن أبعدت عن المشاركة الفعالة في حركة التحرر سواء شكليا في مستوى المشهد الاعلامي العربي فكثيرا ما نراها في القنوات الاخبارية العربية مولولة نادبة نائحة لمقتل ابن أو زوج أو أخ، كما غيبت كلّيا من النضال السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تساهم فيه النساء يوميا وبشكل متواصل وهو ما يعكس المنطق التبسيطي المختزل للحركة النسائية المقاومة لكلّ أشكال الاضطهاد.

أما في ميدان الشغل فإن وضع المرأة قد شهد تقهقرا كبيرا، فرغم أن النساء قد دخلن سوق الشغل بكثافة دون وعي بأهمية العمل في تحقيق الذات لظروف تاريخية موضوعية معينة، فأنها اليوم تشهد هجوما على واجهتين، فهي من ناحية، تعاني وطأة الفقر المسلط عليها بعد هجمة العولمة الشرسة والحاجة الملحة للعمل، تعاني من ناحية أخرى موجة الدعوة الرجعية المنادية بعودتها إلى سجن البيت بتعلة أن خروجها للعمل يسبب البطالة وتفكك العائلة وانتشار مظاهر التسيب في المجتمع.

وهذا الوضع لم تبق المرأة في تونس بمنأى عنه، فرغم ما تحقّق لها من مكاسب سواء ما تضمنته مجلة الأحوال الشخصية من حقوق أو بما ترسخ في الواقع من تدعيم فرص التعلم للفتيات، وخروج المرأة للعمل في العديد من القطاعات والجهات، بالرغم من ذلك فإن بعض المظاهر السلبية قد تعددت، فبعض القوانين التي سنّت تمثل ضربا للمساواة الفعلية مثل قانون العمل نصف الوقت بثلثي الأجر الخاص بالمرأة، كذلك تواصل تغييب المرأة في هياكل القرار والتسيير في المنظمات الأهلية والأحزاب والنقابات. فرغم الشعارات التي ترفع من حين لآخر أو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها ومحاولات التمثيل النسبي "Quotas" في الأحزاب السياسية، فإن المرأة على أرض الواقع تبقى مقصاة من مواقع القرار ومبعدة عن المشاركة الفعلية بل إنها في بعض المحطات الرسمية تتواجد في مشهد تجميلي لتلميع الصورة فحسب. فكيف لمنظمة عتيدة مثل الاتحاد العام التونسي للشغل تتبنى الديمقراطية شعارها الرئيسي لا تظم في أعلى الهرم حضورا نسائيا؟

فهل تبقى المساواة المنشودة بين الجنسين مجرد شعار بعيد عن التحقق في الواقع؟؟؟

 

تستمرّ منذ مدّة التحرّكات الاحتجاجية بجهة قفصة على استفحال البطالة والمحسوبية في انتداب الأعوان خاصة لدى شركة فسفاط قفصة، فقد قامت هذه الشركة بإجراء مناظرة لانتداب عدد من الأعوان وذلك بعد توقف عن التشغيل لديها دام عدّة سنوات، غير أنّ الاختيارات تمّت حسب مختلف المصادر على أسس المحاصصة النقابية والعروشية والسياسية دون اعتماد مقاييس شفافة ومعلومة للجميع.

وحال إعلان نتائج تلك المناظرة اندلعت الاحتجاجات في عديد مناطق الحوض المنجمي وخاصة في الرديف وأمّ العرايس والمظيلة، وتمّت مسيرات سلمية للمطالبة بالتشغيل وكذلك اعتصامات في عدد من المناطق ونصبت الخيام لإيواء المعتصمين ودخل عدد من المحتجّين في إضراب عن الطعام خاصة في الرديف وأمّ العرايس، وقد تجاوزت الاحتجاجات العمال الذين لم تشملهم قائمة المنتدبين في شركة فسفاط قفصة لتشمل عمّال بلدية أمّ العرائس وأصحاب الشهائد المعطلين عن العمل وغيرهم، ولم تكف الوعود المقدّمة من قبل السلطات المحلية والجهوية لإنهاء الاحتجاجات .

والهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إذ تعبّر عن مساندتها لمطالب المواطنين في هذه المناطق وغيرها بحقّهم في الشغل فإنها تدعو السلطة إلى التدخل بشكل عاجل لمراجعة ما تمّ في شركة فسفاط قفصة باعتماد مقاييس واضحة وشفافة عند الانتداب وتوفير فرص العمل للعاطلين ووسائل التنمية لهذه المناطق، وعدم التعاطي الأمني مع المطالب المشروعة للمواطنين وخاصة حقّهم في الشغل.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org