"الإرادة" الإجتماعيّة

العدد السّابع أفريل/ماي 2008

هل تفضي المفاوضات الإجتماعية إلى تحسين القدرة الشرائية للشغالين ؟

لا حديث في أوساط الشغالين إلا عن المفاوضات الإجتماعية وعن تقدمها وعمّا ستؤول إليه.

ويعتبر المحور المتعلق بمراجعة الأجور أحد المحاور الأساسية التي تشملها هذه المفاوضات إن لم يكن محورها الرئيسي ومحط اهتمام الأجراء الأول نظرا لما عايشوه خلال الثلاث سنوات الأخيرة من تدهور فظيع في مقدرتهم الشرائية تدهور لم تتمكن التعديلات الطفيفة على الأجور التي تحصلوا عليها منذ 2005 من إيقافه أو الحد منه.

 فأسعار العديد من المواد والخدمات الأساسية شهدت ارتفاعا هاما خلال هذه الفترة فعلى سبيل الذكر لا الحصر نذكّر بإرتفاع أسعار مشتقات القمح (من خبز وعجين) والزيت النباتي. والحليب ومشتقاته والسكر وسعر المحروقات (4 مرات في الأشهر الـثمانية الماضية) والأدوية وتكلفة النقل.

وإرتفعت أسعار المواد الغذائية خلال الشهرين الأولين من سنة 2008 بنسبة 8,8 % علما وأن هذه المواد تمثل 36,5 % من جملة الإنفاق العائلي.

 وسجلت الأسعار بين 01/01/2007 و 01/01/2008 ارتفاعا بلغ 5,7 % رسميا في حين تؤكد جريدة الطريق الجديد لسان حال حزب التجديد الصادرة في 15/03/2008 نقلا عن جريدة ''لوطان'' أن هذا الإرتفاع بلغ 15 %.

 وحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي التونسي تطور مؤشر الأسعار مـــن 113,8 في بداية 2005  إلى 124,2  في نهاية سبتمبر 2007 ( قاعدة 100 عام 2000) أي بنسبة 10,4 % كاملة.

 لم تتدهور القدرة الشرائية للأجراء ولكافة المواطنين بمفعول الزيادات في الأسعار فقط بل كذلك بموجب الزيادة في الأداء غير المباشر الموظف مثلا على الماء والكهرباء والنقل، فالأداء على القيمة المضافة في هذه الخدمات الأساسية ارتفع من 5 % إلى 18 % وهو ما يفسر ارتفاع تكلفة هذه الخدمات بصورة محسوسة ومؤثرة على ميزانية المواطن.

كما ساهم تشديد الضغط الجبائي المباشر على المواطنين بصورة عامة وعلى الأجراء بصورة خاصة في تردي مقدرتهم الشرائية، اذ تخصم من أجور ومرتبات هذه الشريحة الإجتماعية نسبة 12 % بعنوان أداء مباشر على الدخل، هذا فضلا عن المبالغ التي تخصم لهم بعنوان مساهماتهم في صناديق الضمان الإجتماعي والبالغة حاليا تقريبا 7,75 % من أجورهم ومرتباتهم.

 هذه العوامل المتظافرة زيادة عن التضخم المالي الذي تشهده البلاد لم تمكن الشغالين من الحفاظ على المستوى الذي كانت عليه مقدرتهم الشرائية قبل الزيادات في الأجور الحاصلة منذ 2005. وتشير المعطيات إلى أن وضع الفئات الشعبية قد يزداد سوءً مستقبلا، فالبلاد مقبلة على زيادات جديدة في أسعار المواد الإستهلاكية الأساسية وفي أسعار الطاقة والخدمات في الأشهر المقبلة إن لم نقل في الأيام القليلة القادمة، كما سترتفع مساهمة الأجراء في صناديق الضمان الإجتماعي في 1 جويلية 2008 بنسبة 0,72 % وبداية من 01/07/2009 بنسبة 0,71 %.

قد يدعى الأجراء بالخصوص والفئات الشعبية عموما مرة أخرى لتحمل أعباء جبائية جديدة بحكم تراجع مداخيل الدولة المتأتية من الأداءات الجمركية (منذ دخول اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأروبي إلى نهاية 2005 بلغت خسارة الدولة من المعاليم الديوانية 2662 م د)، ومداخيل المؤسسات العمومية (نتيجة خوصصتها) تعتزم الدولة فيما يبدو من الحملة الصحفية المنظمة تقليص تدخّل صندوق التعويض مما قد يؤدي إلى ارتفاع ملموس في أسعار المواد الأساسية المدعومة.

 انّ ما يأمله الشغالون ويطالبون به هو أن تؤول المفاوضات الإجتماعية إلى:

- أولا: التعويض لهم عن نزيف طاقتهم الشرائية خلال السنوات الأخيرة.

- ثانيا: التمتع بنصيبهم من نمو الثروات التي عرفتها البلاد، وذلك بتحسين مقدرتهم الشرائية.

- ثالثا: أن يقع إنهاء العمل بمبدإ زيادات جزافية غير قابلة للمراجعة لمدة 3 أعوام مثلما حصل إلى الآن. إنهم يطالبون بأن يقع تقييم طاقتهم الشرائية سنويا على ضوء معطيات اقتصادية صحيحة وعلى ضوء وضع اقتصاد البلاد والميزانية العمومية...الخ

وتطالب الطبقة العاملة والفئات الشعبية من الدولة بأن تراقب الأسعار وهامش ربح المنتجين وتقاوم بضراوة التهرب الجبائي، وتعمل على تحميل عبء الضرائب المباشرة على المواطنين اعتمادا على ثرواتهم الحقيقية وتضع حدا لخصخصة المؤسسات العمومية حتى تضمن مزيدا من الموارد، فضلا عن الإبقاء على مواطن الشغل. انها تطالب من السلطة مراجعة سياسة الامتيازات الجبائية التي حرمت الدولة من مداخيل ذات بال ودفعت بها إلى التداين الداخلي وإلى التداين الخارجي بشروط مجحفة مما ساهم في تفاقم مديونية البلاد وعجز ميزانية الدولة (ارتفع الدين العمومي من 4100 م د عام 1986 إلى 22200 م د سنة 2006 وإلى 22610 عام 2007، أما نفقات الدولة المخصصة لتسديد الدين العمومي فإنها بلغت 2600 م د سنة 1996 وارتفعت إلى 3900 م د سنة 2006 و3228,7 م د خلال عام 2007).

إن هذه الإجراءات لكفيلة بأن تمكن كافة الأجراء في القطاع الخاص وفي القطاع العام من العيش الكريم ومن الحصول على زيادة فعلية في أجورهم وهي التي ستسمح للدولة بمواصلة تحمل دورها التعديلي عبر تدخل صندوق التعويض وغيره من الآليات لفائدة كلّ الشرائح الإجتماعية وخاصة ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل.

 إنّ الغاء صندوق التعويض أو حتى الحدّ من تدخلاته في ظرف تشهد فيه أسعار الطاقة وأسعار المواد الفلاحية ارتفاعا مهولا نظرا لسيطرة الإحتكارات العالمية على هذين القطاعين، قرار يتسم بالخطورة سيترتّب عنه حتما توتّر في المناخ الإجتماعي، لا أحد يعلم مدى اتساعه وعمقه.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org