|
"الإرادة" الإجتماعيّة |
|
العدد السّابع أفريل/ماي 2008 ملاحظات أولية حول النظام الجديد للتأمين على المرض الضمان الإجتماعي هو أحد الحقوق الأساسية لجميع المواطنين. يحقّ لكلّ التونسيين فعلا أن يتمتعوا بتغطية إجتماعية ملائمة وواسعة تكفل لهم دخلا محترما عندما يبلغون سن الشيخوخة،وتمكنهم من مجابهة مصاريف العلاج عندما يصابون بمرض، وتضمن لهم مواصلة التمتع بأجورهم ومرتباتهم عند العجز المؤقت عن العمل بسبب المرض، وعند الحمل بالنسبة للنساء إلى غير ذلك من الضمانات الإجتماعية. والتأمين على المرض هو أحد المكونات الأساسية في منظومة الضمان الإجتماعي وهو شرط أساسي وليس الوحيد لتمكين المواطن من مجابهة الأمراض والتمتع بالصحة وبدون التأمين على المرض لا يمكن لأي مواطن أن يشعر بالإطمئنان. وبما أن الحقّ في الصحة هو من الحقوق الأساسية للإنسان فإن توفيره يصبح واجبا ملقى على المجموعة الوطنية بغض النظر عن تكلّفته. لكن الإيديولوجيا الليبرالية في عصر العولمة ترى خلاف ذلك وتعتبر أن الصحة سلعة كغيرها من السلع لها ثمن يحمل على كاهل المواطن وليس من واجب الدولة أن تتدخل لتمويل توفير الصحة له. ويرى المؤجرون من جهتهم أن المنافسة في عصر العولمة الليبرالية، تقتضي الضغط على تكلّفة المنتوج أو الخدمة عبر الضغط على أجور الأجراء، وتقليص الأعباء الإجتماعية الملقاة على الأعراف وتحميلها على الأجراء أنفسهم. يندرج إصلاح التأمين على المرض الذي قررته الدولة والذي دخل حيز التطبيق بداية من 01/07/2007 في مرحلته الأولى وستدخل مرحلته الثانية في 01/07/2008 في هذه النظرة الليبرالية. فلتمويل نظام التأمين على المرض سيتحمل المضمون الإجتماعي في القطاع الخاص مثلا خصما إضافيا من أجره أو راتبه أو دخله بنسبة 1,43 % مقسمة على سنتين، أما المؤجر فإنه لا يتحمل إلا مساهمة إضافية بـ0,57 % فقط. وبذلك فإن مساهمة هذا المضمون بالنسبة للتأمين على المرض ستصبح 2,75 % فيما ستصبح مساهمة العرف بـ4 % وهكذا سيقع اقتطاع 8,47 % من أجر المضمون الإجتماعي بداية من 01/07/2008 و 9,18 % بداية من 01/07/2009 بعنوان مساهمة في التغطية الإجتماعية. وبذلك بدأ التراجع في القاعدة التي تأسس عليها نظام المساهمات في منظومة الضمان الإجتماعي في تونس والتي تحمل الأجير ثلث المساهمات الإجتماعية والمؤجر الثلثين المتبقيين. نظام التأمين على المرض الجديد أقر نظاما قاعديا إجباريا لكلّ الأجراء وفئات أخرى من المضمونين الإجتماعيين. حتى الأجراء الذين يتمتعون إلى حد الآن بنظام التأمين على المرض عن طريق تعاونيات خاصة بمؤسساتهم أو عن طريق عقود التأمين الجماعي، مجبرون على الإنخراط في هذا النظام القاعدي الذي أرسى 3 منظومات علاجية وهي: 1- المنظومة العلاجية العمومية. 2- المنظومة العلاجية الخاصة. 3- منظومة استرجاع المصاريف.
تبرز المنظومات العلاجية الثلاثة أن المضمون الإجتماعي مطالب بالمساهمة شخصيا في مصاريف العلاج بمقادير تختلف من نظام إلى آخر، ولن يتمكن من استرجاع كامل المصاريف التي سيبذلها إذ أن الإسترجاع يخضع إلى تسقيف لم يقع تحديده بعد من طرف صندوق التأمين على المرض (كنام) وحسب نسب التكفل التي يتضمنها الجدول التالي:
نظام التأمين على المرض الجديد أجبر أن ينفق المضمون الإجتماعي أكثر من قبل على صحته وذلك بدفع مساهمات أكبر في نظام التأمين على المرض وبواسطة تمويله الذاتي لمصاريف العلاج في حالة المرض وهذا ما نسميه سلعته الصحية. هذا ليس مأخذنا الوحيد على النظام الجديد للتأمين على المرض، فهذا النظام لا يوفر مساواة بين المنخرطين الإجتماعيين. فأصحاب الأجور الضعيفة منهم والذين يقطنون في أماكن من البلاد لا ينتصب بها أطباء في كلّ الإختصاصات والمؤسسات الإستشفائية المختصة التي تتوفر فيها التجهيزات الأساسية سيضطرون مكرهين لا أبطال على اختيار المنظومة العلاجية العمومية. لسنا في '' الإرادة'' ضدّ المؤسسات الإستشفائية العمومية والعلاج فيها نحن نؤكد للمرة الألف أننا ندافع عن القطاع العمومي في قطاع الصحة، ونحن نفتخر ونعتز بما أنتجه هذا القطاع من أطباء عديدين مشهود لهم بالكفاءة والإنسانية والبذل والعطاء ليس في تونس فقط بل حتى خارج تونس وهذا مكسب لا يمكن التفريط فيه ونطالب أن يبقى هذا القطاع العمومي منارة وقاطرة للمنظومة الإستشفائية في بلادنا وهذا يتطلب من الدولة أن تعمل على تأهيله وذلك بـ: 1- صيانة البنية الأساسية للمؤسسات الإستشفائية العمومية القائمة وتعهدها إحدى المؤسسات العمومية اللائقة في كامل البلاد. 2- تمكين هذه المؤسسات من التجهيزات الحديثة الضرورية. 3- توفير الإطار البشري الضروري من حيث الكم والكفاءة والإختصاص بهذه المؤسسات وخاصة الإطار شبه الطبي وإطار العملة. 4- تزويدها بالأدوية ومستلزمات العلاج الضرورية. 5- تحفيز الأطباء العاملين حتى لا يغادروها ليلتحقوا إما بالقطاع الخاص أو للهجرة وذلك بتحسين رواتبهم. بدون اتخاذ هذه الإجراءات ستبقى المؤسسات الإستشفائية العمومية متخلفة مقارنة مع مؤسسات القطاع الخاص، ولن يرتادها المواطن لأنها لا توفر له العلاج الملائم والحد الأدنى من الراحة، وسيهجرها الإطار شبه الطبي لأنها لا توفر له الظروف الملائمة للعمل ولا أجور لائقة تحفظ له كرامته. وبذلك ستساهم الدولة في ازدهار القطاع الخاص على حساب المؤسسات العمومية وسترسي نظاما صحيا طبقيا غير عادل يتكوّن من منظومة علاجية عمومية للفقراء ومنظومة علاجية خاصة للأغنياء والميسورين. ومأخذنا الثالث لنظام التأمين على المرض هو أنه يفتح الباب للتجاوزات وعدم اللامساواة بين مسدي الخدمات وخاصة الأطباء. فطبيب العائلة في المنظومة العلاجية الخاصة هو من سيحدد طبيب الإختصاص الذي سيرسل له المريض، وقد يكون إختياره قائما على اعتبارات ليس لها علاقة بالكفاءة الصناعية كالإنتماء السياسي أو الجهوي أو القرابة العائلية الخ.... وسيكون قراره مضرا بصحة المريض علاوة على كونه يشجع على نشأة أقلية من الأطباء تتمتع بوفرة الحرفاء فيما تعاني الأغلبية من العطالة وقلة الدخل. وهذا الإنحراف بالنظام الجديد للتأمين على المرض كان أحد الأسباب التي دفعت أطباء الإختصاص إلى الإضراب عن العمل يوم 18 مارس 2008. المأخذ الرابع وليس الأخير لنظام التأمين على المرض هو الإرتجال والتسرع. فإدارة صندوق التأمين على المرض حددت تاريخ 31 مارس 2008 كأجل أقصى لإختيار المنظومة العلاجية من طرف المضمونين الإجتماعيين، ثم أرجأت هذا الأجل إلى 30 أفريل 2008 وقد تضطر للتمديد فيه مرة أخرى لأن النص المتعلق بتحديد سقف الترجيع بالنسبة للمنظومة العلاجية الخاصة ومنظومة استرجاع المصاريف لم يصدر بعد، الأمر الذي لا يمكّن المضمون الإجتماعي من الإختيار بين المنظومات الثلاثة المعروضة عليه. ويتساءل المضمونون الإجتماعيون عما سيكون عليه هذا السقف، هل سيكون سقفا خاصا بكلّ منتفع من نظام التأمين على المرض ؟ أم سيكون سقفا جمليا للمضمون الإجتماعي وأفراد عائلته ؟هل سيكون سقفا اجماليا لكلّ الخدمات ؟ أم سيحدد سقف خاص بكلّ خدمة ؟ عدم توضيح هذه المسائل يعكس الإرتجال. ربما يوفر النظام الجديد للتأمين على المرض توازنا ماليا للصندوق إلا أنه ليس من الثابت أنه سيكفل لكلّ المضمونين الإجتماعين العلاج الملائم في ظروف لائقة وبكلفة تراعي دخلهم. وسوف تكشف التجربة عن نقاط قوة هذا النظام وعن نقاط ضعفه. ونأمل أن يسجل تقدما في المنظومة العلاجية للتونسين لا أن يكون كارثيا بالنسبة للأجراء وذوي الدخل الضعيف. |