"الإرادة" العربيّة

العدد السّادس فيفري 2008

يــحدث في ليبــيا

على مدى عشرات السّنين مثّل نظام الحكم في ليبيا خيط أمل لدى أبناء الشّعب العربيّ وقواه الوطنيّة والتّقدميّة التي كانت ترى فيه شيئا من التّعبير عن طموحاتها الوطنيّة والتّحرريّة رغم المآخذ التي رافقت هذه التّجربة وتذبذبها في كثير من المحطّات.

إلاّ أنّه ومع التّحولاّت العالميّة وخاصّة منها انهيار الإتّحاد السّوفياتي وهيمنة القطب الأمريكي الواحد وطغيان اقتصاد السّوق على المستوى العالمي تداعى نظام الحكم في ليبيا نحو الإنهيار. فبعد أن كانت الدّول الإمبرياليّة وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكيّة عدوّ الأمس وكانت مساندة حركات التحّرر من أولويّات هذا النّظام صارت المنظومة الإمبرياليّة صديقة اليوم وصار التّطبيع معها من الأولويّات وصار خذلان حركات التحرّر سمة من سمات السّياسة الجديدة حتّى أنّ الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ يتّهم المخابرات اللّيبية بتقديم الأسرار التي تمتلكها حول هذا الجيش الذي كان يلقى الدّعم من ليبيا وهو ما مكّن الحكومة البريطانيّة من توجيه ضربة أمنيّة قاسية ساعدتها فيها تلك المعلومات.

واليوم تسارعت الخطوات نحو تطبيع العلاقات مع الدّوائر الإمبرياليّة وشركاتها الإحتكاريّة وبدأ اقتصاد السّوق يحلّ محلّ الإقتصاد الوطنيّ الموجّه رغم ارتباكه وتسارع الإنفتاح على الإستثمارات الأجنبية لتتحكّم في هذا الإقتصاد وتطوّعه لفائدتها من ذلك مثلا عودة الشّركات النّفطيّة الأمريكيّة الكبرى إلى التّحكم في النّفط اللّيبيّ بعد تأميم دام عقودا من السنين واستبدلت محاولات البناء الإقتصادي الوطني ـ رغم محدوديّتها ـ والمشاريع التّنمويّة (النّهر الصّناعيّ) استبدل كلّ هذا بمشاريع أخرى الرّابح الأكبر فيها الشّركات الإستثماريّة العالميّة كمشاريع بناء وحدات سكنيّة ضخمة وفاخرة ومدن سياحيّة وشراء أساطيل من الطّائرات التّجارية لتسهيل الإستيراد وبالتّالي إغراق السّوق اللّيبية بمنتجات الإحتكارات العالميّة. وقد فاقت الصّفقات المبرمة مع الشّركات الفرنسيّة لوحدها الأحد عشر مليار دولار. وبالتّوازي مع التّطبيع الإقتصاديّ فإنّ التّطبيع السّياسيّ له موقع في المرحلة الجديدة إذ تكرّرت الزّيارات الدّبلوماسيّة المتبادلة فقد زار معمّر القّذافي فرنسا وإسبانيا وعبّر عن رغبته في زيارة أمريكا التي كانت إدارتها تعتبره داعما "للإرهاب العالمي". وفي المقابل زار طوني بلير ليبيا في ماي 2007 وزارها مؤخّرا نيكولا ساركوزي إضافة إلى زيارة مستشارة البيت الأبيض لمكافحة الارهاب وهو ما يؤشّر إلى تحول خطير في سياسة النظام الليبي من دعم لحركات التحرّر إلى الانخراط في سياسة الامبريالية الأمريكية تحت غطاء: مكافحة الارهاب. ومكافأة لهذا النظام على تحولاته فقد استؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين أمريكا وليبيا سنة 2006 وحصلت هذه الأخيرة على عضويّة في مجلس الأمن بمباركة أمريكية.

هذا طريق اختار النظام الليبي السير فيه وهو ما رفضته قيادات أخرى في أنحاء من العالم اختارت الوفاء للمبادئ التي أسّست عليها تجربتها مثال ذلك كوبا التي ظلّت صامدة على مدى السنين رغم افتقارها إلى الثروات البتروليّة ورغم الحصار الظالم الذي تفرضه عليها الامبرياليّة الأمريكيّة. هذا الصمود الذي ألهم شعوب أمريكا الجنوبية فاختارت في بعض المناطق منها قادة مناهضين للهيمنة الأمريكية وحمتهم من محاولات اسقاطهم والانقلاب عليهم بتدبير أمريكي وهو ما حدث في فينزويلا.

كما أنّنا لا ننسى أن قيادة عربيّة في العراق اختارت الموت وقوفا في وجه الطغيان الأمريكي بديلا عن الانخراط في نهج الاستسلام للهيمنة الأمريكيّة ولمقتضيات اقتصاد السوق المخرّب للاقتصاد الوطنيّ.

فلئن كانت الانهيارات مثيرة للحسرة فإن الصمود والانتصارات تظل منارة للشغوب التي ستنهض حتما حين تكتوي بنار العولمة وآثارها المدمّرة والمخربة للمقومات الاقتصادية إلى حدّ التفقير الشامل والاستعباد وهو ما لا ترضاه الشعوب لنفسها وإن تأجّل الردّ.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org