"الإرادة" الوطنيّة

العدد السّادس فيفري 2008

النّصوص القانونيّة التّطبيقيّة الخاصّة بمعهد المحاماة تؤكّد نيّة السّلطة الّتنفيذيّة

على وضع اليد على قطاع المحاماة و تهميش الهيئة الوطنيّة للمحامين

في 15 ماي 2006 تمّ التّصويت على قانون ينقّح القانون المنظّم لمهنة المحاماة وينشئ معهدا لتكوين المحامين، وهو معهد طالما طالب به المحامون وهيئاتهم المتعاقبة وكانوا يأملون في أن يتولّى هذا المعهد ثلاثة مهامّ أساسيّة وهي:

1.        إعداد الرّاغبين في ممارسة مهنة المحاماة وتكوينهم تكوينا صناعيّا جيّدا يؤهّلهم لممارسة مهامّهم ويضمن حقوق المتقاضين ويساهم في رقيّ القضاء والعدالة.

2.        الإشراف على التّكوين المستمرّ للمحامين المباشرين ورسكلتهم.

3.        تمكين المحامين الذّين يرغبون في ذلك من التّخصّص في الموادّ التي يحبّذونها لتحسين كفاءتهم الصناعيّة لخدمة المتقاضين بحرفيّة أكبر مما يؤمّن دفاعا أفضل عن مصالحهم.

وكان المحامون التّونسيّون يأملون أوّلا في أن تشرف هيئتهم الوطنيّة على هذا المعهد على غرار ما هو معمول به في سائر البلدان "المتحضّرة" وحتّى بلدان لا تفوتنا تقدّما مثل السّينغال، وثانيا أن يتولّى التّدريس فيه إطار يتكوّن أساسا من محامين لأنّ التّكوين الذي يوفّره المعهد هو تكوين صناعيّ بالأساس مع التزام الدّولة بالأساس بتمويله لأنّ المحاماة تؤدّي مرفقا عامّا يتمثل في الدّفاع عن حقوق النّاس والعمل على إيصالها إلى أصحابها. لكنّ القانون المذكور والذي اتّخذ بصورة أحاديّة الجانب دون أن تعطي هيئة المحامين رأيها فيه قبل عرضه على مجلس النوّاب التفّ على مطالب المحامين ولم يأخذ بأفكارهم وطموحاتهم وأنشأ معهدا خاضعا لوزارتي العدل وحقوق الانسان ووزارة التعليم العالي، لا يضمن استقلاليّة المحاماة التّونسيّة وحريّتها التي نصّ عليها الفصل الأوّل من القانون المنظّم للمهنة ولا يستجيب للآمال التي علّقوها عليه والمبيّنة بطالع هذا المقال. وبعد مرور قرابة عام ونصف على صدور القانون، نشر بالرّائد الرّسمي في 6 نوفمبر 2007 الأمر المتعلّق بضبط التّنظيم الإداريّ والماليّ للمعهد الأعلى للمحاماة كما نشر في 13/11/2007 بالرّائد الرّسمي قرار صادر عن وزيري العدل والتعليم العالي يتعلّق بتنظيم مناظرة القبول بالمعهد الأعلى للمحاماة وبدون الدّخول في التّفاصيل، أكّد النصّ التّرتيبيّ (أي الأمر) ما يلي:

1)       وضع يد السّلطة التّنفيذيّة على المعهد: وذلك أساسا من خلال استئثارها بتسمية مدير المعهد وأعضاء مجلسه العلميّ ومدير الدّراسات والتّكوين وكاتبه العامّ.

2)       اشتراط مصادقة الوزارتين على القرارات المتّخذة من قبل المجلس العلميّ للمعهد لدخولها حيّز النّفاذ.

3)       عدم الإعتراف لهيئة المحامين ومجلسها حتّى بتعيين المحامين الذّين سيمثلونهما في المجلس العلميّ أو هيئة التّدريس فضلا عن عدم أخذ رأيها حتّى على سبيل الإستشارة عند تسمية المدير.

4)       تهميش دور المحامين في المعهد، إذ سوف يكون المحامون أعضاء المجلس العلميّ أقليّة (5 من 13 عضوا بما في ذلك الرّئيس) على الرّغم من أنّه سيقع تعيينهم من قبل السّلطة التّنفيذيّة.

تعوّدنا أن يعتمد معيار الولاء السّياسي عند اسناد مسؤوليّة تعيين الإطارات العليا في هذه البلاد أي الولاء للحزب الحاكم وعدم الأخذ بمعايير الكفاءة والجدارة والنّزاهة العلميّة والإستقامة. وهذا المنهج أبرز قصوره ومحدوديّته وعدم جدواه. وسوف يكون الأمر كذلك بالنّسبة لمعهد المحامين.

أما النصّ الثّاني المنظّم لمناظرة القبول بمعهد المحاماة، فهو لم يخرج عن منطق نصّ الأمر. إذ كرّس احتكار السّلطة التنفيذية وحدها لتنظيم المناظرة عبر لجنة يتولّى تعيين أعضائها وزير العدل والتعليم العالي. الوجود الأقليّ للمحامين في هذه اللّجنة وتعيينهم من قبل الوزيرين، لا يمثّلان ضمانا لحيادها وشفافيّة لأعمالها. وما يخشاه الكثير من المحامين المتمسّكين باستقلاليّة المحاماة وما يتخوّفون منه أن تؤخذ بالإعتبار عند قبول المترشّحين للمناظرة أو عند التّصريح بنتائجها، معايير غير علمية، كالولاء السّياسيّ أو نشاطات المترشّحين داخل الجامعة أو في الميدان السّياسيّ أو الجمعويّ وتقارير المصالح الأمنيّة. هذه المخاوف المشروعة كان بالإمكان تبديدها لو احترمت المعايير المقبولة من عموم المحامين في العالم والتي تضمن استقلاليّة المهنة وحريّتها ولا يقع تهميش الهياكل المهنيّة للمحاماة التّونسيّة.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org