|
"الإرادة" الإجتماعيّة |
|
العدد الخامس ديسمبر 2007
تطوير مراكز المكالمات في تونس :
قرّرت الحكومة التونسية خلال هذه السنة إنشاء شركة لمراكز المكالمات (centres d'appels) تتولى تهيئة فضاء يمسح 30.000 مترا مربعا في منطقة الغزالة بضاحية أريانة وبناء محلات فوقه لإحتضان مراكز ''النداءات'' وذكرت إحدى الصحف اليومية التونسية التي أوردت الخبر أن مؤسسات عمومية وخاصة ستساهم في إنجاز هذا المشروع منها مؤسسات مالية ستسمح بإنشاء هذا '' القطب'' بخلق 15000 فرصة عمل عبر جلب مستثمرين أجانب في هذا القطاع ، وذلك بتوفير العديد من التشجيعات لهم .
ولم تنفك الصحف التونسية تبرز أهمية هذه المراكز في ''نقل التكنولوجيا'' حسب رأيها وتشدّد على تطوّر عددها في تونس منذ 1999 تاريخ ظهور أول مركز نداء إلى الآن مبرّرة ذلك بجودة مناخ الإستثمار في بلادنا كما أن هذه الصحف القريبة من الدوائر الحكومية تطنب في دور هذه المؤسسات في خلق مواطن الشغل في تونس دون التعرّض إلى كلفتها المالية والإجتماعية . سنحاول في هذا المقال التعرّض إلى تكوّن هذه المراكز في العالم في مرحلة أولى لنستعرض في مرحلة ثانية تطوّرها في بلادنا .
I- مراكز المكالمات : من إخراج العمل من المؤسسات إلى الإنتصاب خارج الأوطان.
مراكز النداءات كانت في الأصل مصالح تابعة لمؤسسات منتجة في قطاعي الصناعة والخدمات في البلدان المصنعة. هي مصالح تربط بين المؤسسة والحرفاء إما للترويج للبضائع أو لبيع المنتوج أو هي عبارة عن مصالح بعد البيع تتولى فضّ المشاكل مع الحرفاء أو القيام بعمليات الإصلاح البضائع الواقع بيعها. وأجراء هذه المراكز كانوا يخضعون كبقية زملائهم العاملين في نفس المؤسسة للإتفاقية المشتركة المنطبقة على أجراء المؤسسة. وسعيا منها لتحقيق هامش أعلى من الربح وضمانا لتنافسية منتوجها قرّر مسيرو المؤسسات المنتجة التخلّص من هذه المصالح وإسنادها إلى شركات مناولة وذلك للضغط على تكلفة الإنتاج. ويطلق علماء الإجتماع والمختصون في قانون الشغل على هذه العملية اسم ''إخراج العمل من المؤسسة''. هذه العملية مكّنت مثلا الشركات الفرنسية من الضغط على تكلفة اليد العاملة الناشطة في قطاع العلاقة مع الحرفاء والنزول بها من 60 أورو في الساعة قبل إخراج هذه المصالح من المؤسسات المنتجة إلى 25 أورو في الساعة بعد إسنادها لشركات مناولة. ويشغل هذا القطاع 250.000 أجيرا في فرنسا و400.000 في ألمانيا و 1.000.000 في بريطانيا ومن 3 إلى 4 ملايين في الولايات المتحدة الأمريكية . ويبلغ رقم معاملات هذا القطاع في فرنسا مثلا 1,3 مليار أورو تسيطر عليه 3 مؤسسات كبرى هي تيليبار فورمانس ''télé-performance'' (رقم معاملاتها 294,8 مليون أورو) وأرفاطو (رقم معاملاتها 94 مليون أورو) و B2S (برقم معاملات بلغ 93,5 مليون أورو) ويشهد هذا القطاع مثل غيره من القطاعات في البلدان الرأسمالية الإحتكارية عملية مركزة إمّا عن طريق شراء مؤسسات صغرى من طرف مؤسسات كبرى أو عبر عمليات إندماج شركات مع بعضها. في فرنسا مثلا لم يبق حاليا إلا 9 مؤسسات من بين الخمسة والعشرين مؤسسة كبرى كانت موجودة عام 2000.
بعد الخطوة الأولى المتمثلة في إخراج العمل من المؤسسات الأم المنتجة أقدمت شركات المناولة التي أصبحت تختص بالعلاقة بين المؤسسات المنتجة والحرفاء إلى العمل خارج أوطانها والإنتصاب في بلدان العالم الثالث مثل تونس والهند والمغرب والفليبين وذلك للضغط على سعر الكلفة حتى تضمن لنفسها ربحا أقصى. ففي هذه البلدان تفشت البطالة بين الشباب رغم أنهم متحصلون على شهادات عليا في الإعلامية واللغات وعلوم الإتصال. وانتصاب مراكز المكالمات العالمية خارج أوطانها يمكنها إذن من العثور على يد عاملة لها كفاءة وتتقن اللغات الأجنبية ( فرنسية – أنقليزية – ألمانية – إيطالية ) وترضى بأجور منخفضة نظرا لإستفحال البطالة في صفوف الشباب ولتدني مستوى العيش في بلدان العالم الثالث، كما أن الأنظمة الحاكمة في هذه الأقطار تتسابق في إغراء مراكز النداء الأروبية والأمريكية وجلبها وذلك بتقديم العديد من الإعفاءات الجبائية وغيرالجبائية وعرض تسهيلات متعددة الجوانب لحثها على الإنتصاب لديها.
ويمكّن الإنتصاب في الخارج مراكز النداء العالمية الكبرى من تقليص كلفة اليد العاملة من 40% إلى 50 % أما مراكز النداء العالمية المتوسطة فلقد توصلت إلى الضغط على كلفة اليد العاملة بـ35 % عند إنتصابها في بلدان العالم الثالث على سبيل المثال تحقق مراكز النداء الفرنسية 15 % من رقم معاملتها خارج فرنسا. وهي تشغل حاليا 60.000 في مختلف بلدان العالم منها 25000 في المغرب وتونس في حين أنها لم تشغل سوى 3000 شخصا في 2003. هاجس مراكز النداء العالمية عند إنتصابها فـــي بلــــدان العالـــم الثالث هو البحث عن ''الأدنى الإجتماعي'' ''أي أنها تنتصب في البلد الذي يسمح لها بالسعر الأدنى للكلفة (وخاصة كلفة اليد العاملة) ولا تتورع الإنتقال من بلد إلى آخر، اذا وفّر لها البلد الجديد سلما إجتماعيا أضمن ويدا عاملة أرخص ومنافع جبائية أكبر وتسهيلات لنقل الأرباح ولإنتصاب أفضل، مثال ذلك إنتقل عدد من مراكز النداء من إرلندا إلى الهند بعدما توقف الإتحاد الأروبي عن تقديم إعاناته إلى ارلندا، لكنها غادرت الهند لتنتقل إلى الفليبين نظرا وأنّ الأجراء في الهند شنوا إضرابات وخاضوا حركات إجتماعية إحتجاجا على استغلالهم المفرط من طرف مراكز النداء الأجنبية. كما قرّرت أخيرا الشركات الفرنسية الإنتقال من المغرب إلى السينغال والجزائر وتونس بسبب ارتفاع أجور الشغالين مما يقلص من هامش ربحها.
II- مراكز المكالمات في تونس أو المراهنة على قطاع مرتفع الكلفة للبلاد ولا يحلّ أزمة بطالة حاملي الشهادات . ظهر أول مركز نداء في تونس عام 1999 عندما بعثت أكبر المؤسسات الفرنسية الناشطة في القطاع شركة تيليبارفورمانس فرعا لها في بلادنا. يبلغ عدد هذه المؤسسات حاليا 102 بعد أن بعث خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2007 اثنا عشر مركزا جديدا أغلبها فرنسية الجنسية وتأمل السلط أن يبلغ عدد المراكز في نهاية هذه السنة 103 مركزا. جنسيات هذه المراكز بالأساس فرنسية وألمانية وإيطالية وتشغل حوالي بين 7000 و8000 أجيرا وتحتل المؤسسات الفرنسية المركز الأول . معدل سعر كلفة اليد العاملة المشغلة في هذا القطاع يتراوح بين 12 و 16 أورو يصرف منها فقط 1,5 أورو أي يدناران ونصف بعنوان أجر في الساعة الواحدة . أجراء هذا القطاع يتقاضون معدل تقريبا 400 دينارا في الشهر في حين يتقاضى نظارؤهم في فرنسا 1600 أورو (أي 2800 دينارا) شهريا . أجورهم منخفضة وتشغيلهم هش اذ أن أغلب هذه المؤسسات تنتدب الشبان بموجب عقود شغل محددة المدة وظروف عملهم قاسية جدا لأنهم يعملون بمعدل 9 أو 10 ساعات يوميا ويتمثل عملهم في ''بيع منتوجات أو اسداء خدمات لحرفاء المؤسسات'' الموجودين في فرنسا أو ألمانيا أو ايطايا الخ كلّ ذلك عن بعد وعن طريق الهاتف. وهم يخضعون لمراقبة رؤسائهم مراقبة شديدة ومطالبون في العديد من الأحيان بأن يحقّقوا عددا معينا من المبيعات وتجبرهم المؤسسات على أن لا يتجاوزا مدة زمنية محددة في اتصالاتهم للحد من الكلفة. لقد أثبتت دراسة أنجزتها النقابات الفرنسية أن 72 % من أجراء هذه المؤسسات يخشون على صحتهم من جراء العمل المرهق إذا لم تتحسن ظروف عملهم. وصرح 91 % من المستجوبين أن العمل في مراكز النداءات يسبب ضغطا نفسيا عاليا عليهم وأكد 56 % منهم أنهم لايستطيعون النوم أو ينامون نوما مضطربا نظرا لطبيعة العمل والضغوطات المسلطة عليهم وما يتعرضون له من رجات سمعية. في تونس لم تجر دراسة واحدة حول العمل بهذه المراكز لا من طرف الدوائر الحكومية المختصة ولا من طرف المركزية النقابية . أجراء هذا القطاع وكلّهم من الشبان الذين تخرجوا من الكليات أو معاهد التعليم العليا لا يخضعون لإتفاقية مشتركة ونسبة الإنتماء إلى الإتحاد العام التونسي للشغل ضعيفة جدا إذ لا توجد سوى نقابة أساسية في مؤسسة واحدة من بين 102 مؤسسة الموجودة. ويبدو أم مسيري هذه المؤسسات شديدي الحساسية للعمل النقابي وللعمل المنظم والمؤطر قانونيا . الشركات الأجنبية لا تشغل فقط شبابنا الذي بات البحث عن موطن شغل هاجسه الأول حتى وان كان مضنيا ووقتيا ولا يوفر أجرا محترما بل إنها تنعم كذلك بالعديد من الإعفاءات الجبائية (الإعفاء من الأداء على المرابيح بالخصوص والإعفاء من دفع معاليم الديوانة عند الإستيراد والأداء على القيمة المضافة) وغير الجبائية (الإعفاء من دفع مساهمات المؤجر لصندوق الضمان الإجتماعي) فضلا عن التسهيلات الأخرى. تكلفة اجتماعية مرتفعة ضحيتها شبابنا الذي قضى السنين للظفر بشهادة تؤهله للعمل القار والكريم في ظروف تراعي فيها انسانيته وفاتورة مالية باهضة على البلاد تلك حصيلة تشجيع مراكز المكالمات العالمية على الإنتصاب في بلادنا . أجراء هذا القطاع سيهبون حتما للنضال في أجل : 1- تحسين أجورهم وظروف عملهم . 2- فرض اتفاقية مشتركة للقطاع . 3- احترام ممارسة الحقّ النقابي من طرفهم. 4- بتوفير الشغل القار لهم . 5- تطوير التكوين المهني ليطوروا مهاراتهم. |