"الإرادة" الدوليّة

العدد الخامس ديسمبر 2007

أمريكا وباكستان: هل يكون تبديل السروج فيه راحة؟

 

تسارعت الأحداث في باكستان بشكل يبدو وكأنه فجئ إلا أن هذا التسارع له عوامله مهدت له. فحالة الاحتقان في هذا البلد تعود بوادرها إلى ما قبل تكشير برويز مشرف عن أنيابه تجاه كل المخالفين له في الرأي من قوى سياسية وهيئات حقوقية ومكونات مجتمع مدني حتى تلك التي تشكل رمزا للدولة (القضاة). هذا الوجه الشرس لرجل عسكري اغتصب السلطة بالانقلاب تزامن مع مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية وهي مرحلة: النظام العالمي الجديد الداعي لاستبدال الدكتاتوريات المفضوحة بتحالف ليبرالي مع الإسلام المعتدل في الشرق. ورغم مراهنة الامبريالية الأمريكية على مشرّف في صراعها مع تنظيم القاعدة فإن هذا الأخير أتى من الأعمال القمعية ما يحرج أمريكا ويحدث نوعا من الجفاء مع أوراقها البديلة في هذا البلد فيصبح وضعها أكثر تعقيدا خاصة وأنها مقبلة على مرحلة جديدة من الصراعات في الشرق ارتباطا بالملف الإيراني وبتصاعد القوى الاقتصادية المهددة للمصالح الأمريكية (الصين خاصة).

وهو ما حدا بها إلى التمهيد للتخلي عن مشرف بعد أن كانت داعمة له وممارسة ضغوط عليه للإذعان لمطالب "المعارضة" والتي ترى أن الوقت قد حان لبروزها أكثر على مسرح الأحداث لتكون البديل الأمثل في هذه المرحلة. إلا أن التركيبة السياسية الباكستانية غير مريحة بالشكل الذي تريده الإدارة الأمريكية فهي تشكل فسيفساء من القوى السياسية التي تختلف في درجة ارتباطها بالامبريالية الأمريكية. ومن هنا فهذه الأخيرة تحاول أن توجد توليفة سياسية مشكّلة من هذه القوى تضمن هيمنتها على الأوضاع مهما كان مآل الجنرال مشرف. ويبدو أن هذه الإدارة وجدت في "بني ظير بوتو" الشخصية القادرة على لعب دور الريادة في هذا المسعى. وقد راوحت "بني ظير" بين التحالف مع مشرّف وتقاسم السلطة معه على أساس مسكها بدواليب السياسية ومسكه هو بدواليب الجيش وهو ما كان يروق للإدارة الأمريكية أن يتمّ باعتبار التجربة العسكرية لهذا الرجل خاصة في قيادة الصراع الدموي مع القبائل الداعمة لتنظيم القاعدة على الحدود مع أفغانستان. غير أن تعنت مشرف وهروبه إلى الأمام معلنا حالة الطوارئ وما يصاحبها من إجراءات قمعية صارخة جعلت الجميع يتجهون إلى تشكيل تحالف سياسي بديل لا يخرج عن التوجه الأمريكي العام بل شجعته إدارة بوش من خلال دفع التقارب بين "بني ظير بوتو" الليبرالية والمرتبطة على الدوام مع المنظومة الغربية وبين "نواز شريف" الإسلامي "المعتدل" ومن خلال محاولة ترويض سائر الفصائل الإسلامية التي تراوح بين التعاطف مع القاعدة وبين الانخراط في المشروع الأمريكي. وتلعب السعودية دورا بارزا في انجاز ذلك الترويض وتحقيق مخارج أمريكية تستفيد من أخطاء الماضي في مرحلة تبدو فيها المنطقة مقبلة على هزات عنيفة محورها التصادم بين رغبة الشعوب في التحرر وامتلاك مقدراتها، ومساعي الامبريالية للهيمنة والسيطرة على ثروات الشعوب بالمناورات السياسية والحروب العدوانية.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org