"الإرادة" الإقتصاديّة

العدد الخامس ديسمبر 2007

هل كان الترفيع في أسعار الطاقة أمرا ضروريا

 

قرّرت الحكومة التونسيّة خلال شهر نوفمبر الجاري الترفيع مرّة أخرى في اسعار مواد الطاّقة. وهي ثاني زيادة تقرّرها منذ بداية السنة الحاليّة.

هل كان القرار ضروريا؟ قبل الاجابة على هذا السؤال نطرح مسائل أوّليّة وهي:

ما هو واقع انتاج المحروقات في تونس؟ وما هو حجم مدخرات بلادنا من هذه المواد؟

هل يشكو الميزان التجاري عجزا في هذا القطاع؟ وما هي ملامح سياسة الحكومة التونسية في هذا القطاع ؟

كيف يمكن أن نواجه تأثيرات الإرتفاع الجنوني لأسعار النفط ؟

بلغ انتاج تونس من البترول العام الفارط 3,4 مليون طنا بمعدل 80.000 برميلا يوميا و 1,8 مليار مترا مكعبا من الغاز الطبيعي. وحسب توقعات الميزان الإقتصادي لسنة 2007 ستنتج بلادنا 4 ملايين طنا من النفط هذه السنة. وتقدر الإحتياطات النفطية التونسية حسب الأرقام معطيات وزارة الصناعة والطاقة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بين 394 و 425 مليون طنا من النفط و100 مليار مترا مكعبا من الغاز الطبيعي .

تونس معروفة بأنها بلد منتج ومصدر من جهة وبلد مورد من جهة ثانية للبترول فهي تصدر 2,5 مليون طنا من الخام وتستورد مليون طنا من البترول الخام والمكرّر سنويا .

وبلغت قيمة الصادرات خلال الستة أشهر الأولى من هذه السنة 1406 مليون دينارا ( بزيادة 45,9 % مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2005 ) أما الواردات  فلم تتجاوز 1175,1 مليون دينارا ( مسجلة تراجعا بـ17,8 % بالنسبة للسداسية الأولى من 2006 ) الميزان التجاري في النفط سجل إذن فائضا بـ230,9 مليون دينارا .

ويستغل حاليا 800 بئرا من البترول منها 12 بئرا دخلت الإنتاج بداية من عام 1999 ، ومعدل إكتشاف آبار النفط الجديدة سنويا هو ثلاثة .

وتعتزم الحكومة إنجاز عمليات تنقيب لخمس وسبعين بئرا جديدة خلال المخطط الخماسي الجديد ( 2007-2011) بمعدل 15 بئرا كلّ عام حتى يستقر الإنتاج من النفط في 4 ملايين طنا سنويا وتنوي الحكومة اسناد 44 رخصة تنقيب عن المحروقات خلال هذه المدة خاصة في وسط البلاد وشمالها . علما وأنها أسندت في السنة الماضية 42 رخصة تنقيب .

وتملك الشركات الأمريكية العاملة في مجال المحروقات حصة بـ38 % من السوق التونسية انتاجا واستغلالا تليها المؤسسات الأروبية فالكندية ثم العربية ).

نشير أن المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية أبرمت أخيرا اتفاقية مع المؤسسة الأمريكية A.T.I petrolium ( أ-ت-إ بتروليوم ) للبحث واستغلال مجموعتين من آبار النفط أطلق عليهما اسمي '' عياشة ''  و '' قصر غيلان '' في منطقة تمسح 1540 كلم 2 تقعان في جهة قبلي . كما تستعد شركة أوروفاز كوربويشن للقيام بأعمال تنقيب عن الغاز أيضا .

ومن المعلوم وأن الدولة قررت إنشاء معمل جديد لتكرير النفط في جهة الصخيرة بالجنوب الشرقي من البلاد ستبلغ تكلفته بين 1500 و 2000 مليون دولارا أمريكيا ستتولى بناءه شركة قطر للبترول .

ترتكز توجهات سياسة الحكومة في قطاع المحروقات على المبادىء التالية :

- أولا : دعم الإستثمار في قطاعي البحث والتنقيب عن مواد الطاقة (بترول وغاز طبيعي) للحد من تأثيرات تراجع انتاج حقلي البرمة وعشتارت، هذا من جهة ولبلوغ حجم إنتاج سنوي يعادل 6,5 مليون طنا بين غاز ونفط.

- ثانيا : تطوير استعمال الغاز الطبيعي في مختلف القطاعات كالصناعة والنقل والإستعمال المنزلي.

- ثالثا : تطوير صناعة تكرير النفط وفي هذا السياق يندرج انشاء مصفاة الصخيرة المتحدث عنها سابقا التي ستنطلق بداية إنجازها خلال عام 2009 بطاقة انتاج تبلغ 6 ملايين برميل سنويا .

- رابعا : تطوير مصادر الطاقة البديلة والمتجددة ( الطاقة الشمسية، الطاقة التي تعتمد الرياح)

- خامسا : استغلال الطاقة النووية في انتاج الكهرباء .

 

ما يلاحظ في هذه التوجهات هو عدم التفكير مطلقا في تأميم قطاع النفط مثلما فعلت العديد من البلدان من العالم الثالث سواءً على مستوى البحث والتنقيب أو على مستوى الإستغلال والترويج. وعلى العكس من ذلك تنوي الحكومة خصخصة شركة عجيل وان كان ذلك على مراحل. ولا نعتقد أن هذا القرار صائب فان كانت الخصخصة تدر على الدولة أموالا قد تكون في حاجة إليها بصورة عاجلة، إلا أن الخصخصة مثل الدجاجة الأسعاورية التي كانت تعطي صاحبها بيضة ذهبية كل يوم فلجأ إلى ذبحها ليستعجل الحصول على كمية كبيرة من البيض الذهبي دفعة واحدة فلم يجد شيئا.

قطاع المحروقات قطاع استراتيجي وأساسي بالنسبة للإقتصاد الوطني وبالتالي للتنمية ومن واجب دولة مثل تونس أن تتحكم في مقدراتها وتخطط استغلاله بما يستجيب لحاجيات رفاه شعبها ونمو البلاد.

خطة الحكومة ينقصها كذلك دعم القطاع العمومي الناشط في ميدان البحث والتنقيب واستغلال الطاقة مثل المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، وكذلك تطوير سياسة تكوين الباحثين البيولوجيين والمهندسين المختصين لدفع عمليات البحث مما سيسمح بخلق مواطن شغل لشبابنا وبقائهم في البلاد عوضا عن الهجرة للعمل لدى مؤسسات عالمية بعد أن تكون المجموعة الوطنية قد بذلت أموالا طائلة في تكوينهم.

 

قبل أن نختم هذا المقال يحقّ لنا أن نتساءل إن كان الترفيع في أسعار المحروقات أمرا حتميا لا مفرّ منه؟

وما هي السبل لترشيد استهلاك الطاقة ؟

برّر مقال صادر عن وكالة تونس افريقيا للأنباء وقع تنزيله في كلّ الصحف اليومية تقريبا الزيادة الأخيرة في سعر المحروقات بارتفاع أسعار النفط عالميا وكذلك بارتفاع تكلفة دعم الطاقة على صندوق الدعم وبالتالي على ميزانية الدولة ويذكر المقال أن الدولة ستبذل دعما للمحروقات 1000 مليون دينار هذه السنة .

كنا لاحظنا أن الميزان التجاري في مادة المحروقات سجل فائضا بـ230,9 مليون دينار خلال السداسية الأولى من هذا العام ونضيف أنه حسب معطيات وزارة الصناعة والطاقة سوف يبلغ دعم المحروقات حجم 450 مليون دينارا هذه السنة فقط مقابل 782 مليون دينارا للسنة الفارطة .

ومن جهة أخرى تونس لا تستورد الغاز الطبيعي فمنتوجها الذاتي وما تحصل عنه من الجزائر من غاز مقابل مرور أنبوب الغاز الجزائري المصدر نحو إيطاليا يحقق لها الإكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي فلماذا يقع الترفيع اذن في سعر المحروقات؟

هل تم ذلك لمواجهة النقص المتزايد في مداخيل الجبائية للدولة ؟ نرجح هذا الإحتمال .

أما فيما يتعلق بترشيد استهلاك الطاقة فنرى أنه من الضروري إتخاذ الإجراءات التالية :

1- التقليص من عدد السيارات الإدارية والوظيفية الذي بلغ حدا مهولا وهو ما زاد في إنفاق استهلاك الطاقة ويحمل الميزانية أعباء مالية هامة خاصة وأن المتمتعين بالسيارات الوظيفية يحصلون على مقتطعات بنزين تتراوح من 200 إلى 400 ل شهريا.

2- تطوير النقل العمومي.

3- تحجير إستيراد السيارات الفخمة ذات الإستهلاك العالي من المحروقات والقوة الجبائية المرتفعة.

4- ترشيد بناء المساكن الفردية بما يتماشى وعدد الساكنين للحد من المساحات المبنية وبالتالي من إستهلاك الطاقة.

5- إسناد تشجيعات جبائية لكلّ من يستعمل الطاقة الشمسية والمواد والتجهيزات العازلة التي تخفض من استهلاك الطاقة.

6- إعادة الإعتبار للمخزون الوطني في الهندسة المعمارية والذي يساهم في الحد من إستهلاك الطاقة ومنح تشجيعات مالية وتسهيلات إدارية لكلّ من يلجأ إلى استعمال ذلك المخزون.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org