|
"الإرادة" الإجتماعيّة |
|
العدد الرابع أكتوبر 2007 الأدوية في تونس : تصنيعها ، ترويجها واستهلاكها صناعة الأدوية صناعة '' استراتيجية وحساسة لما لها من علاقة على صحّة سكان كلّ بلد وأمنه وكلّما تحكّم قطر في صناعة الأدوية وطورها كسب معركة توفير أمن مواطنيه من الناحية الصحية واستقلاله تجاه الاحتكارات الدولية المهيمنة على صناعة الأدوية . فصناعة الأدوية في العالم تنتج ما قيمته 492 مليار دولارا تساهم في انتاجها مؤسسات أمريكا الشمالية (وخاصة الولايات المتحدة) بـ49 % والمؤسسات الأروبية بـ28 % واليابانية بـ11 % أما بقية بلدان العالم فلا تساهم إلا بنسبة 11% . الإحتكارات العالمية أصبحت تستعمل براءات الاختراع كورقة ضغط على الدول وخاصة الفقيرة منها والمتخلفة لحرمانها من الإستفادة من التقدم الإنساني والإكتشافات التي تحقّق في ميدان الأدوية في مقاومة الأمراض الفتاكة التي تعصف بالخصوص بشعوب تلك البلدان . ما هو وضع قطاع صناعة الأدوية في تونس؟ هل تحقق صناعتنا اكتفاءنا الذاتي من تلك المادة ؟ ما هي كلفة صحة التونسي ؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال الأوليّ. توجد حاليا بتونس 27 وحدة تتولى صناعة الأدوية منها مؤسسة عمومية واحدة وهي الصيدلية المركزية و4 فروع لشركات عالمية و 22 وحدة على ملك التونسيين وبلغ حجم الإستثمار في هذا القطاع عام 2006 ثلاثمائة مليون دينارا وكان في حدود 35,3 م د عام 1989 . وتشغّل هذه المؤسسات 3000 شخصا . تستورد هذه المصانع المواد الأولية ممّا يؤثر على كلفة انتاج الأدوية وثمن بيعها للمستهلك وتحتاج المواد الموردة إلى ظروف تخزين ذات مواصفات محددة نظرا لحساسيتها مما يزيد كلفتها ارتفاعا. والمؤسسات الأجنبية المشار إليها تنحدر من أروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، منها شركات أوبسا وأفنتيس الفرنسيتين . أنتجت كلّ المؤسسات ما قيمته 212 م د عام 2006 لكنّ الانتاج التونسي المتكوّن أساسا من أدوية مضادة للتعفن وللالتهاب والتلاقيح والمهدئة للأوجاع وتلك المتعلقة بأمراض القلب والشرايين غير كاف مما اضطر البلاد إلى أن تستورد باقي حاجياتها من الأدوية. ارتفع حجم الواردات من 105 م د عام 1993 إلى 246 م د عام 2003 ثم قفز إلى 300 م د سنة 2007 . وارداتنا من الأدوية تفوق ما يصنع في بلادنا بنسبة 127% رغم تطور الإستثمارا في القطاع من 35,3 م د عام 1989 إلى 300 م د سنة 2006 . تقوم الصيدلية المركزية باستيراد 80 % من الأدوية فيما يتولى الخواص استيراد العشرين بالمائة المتبقية كما تتولى نفس المؤسسة العمومية توريد التلاقيح وترويجها بعد أن كان معهد باستور هو الذي يقوم بذلك مما أثر على المعهد ماليا (اذ حرم من المال الذي يوفره له هامش الربح) وبشريا (التحق عدد هام من إطارات المعهد بالادارة في الصيدلية المركزية فتبقرطت) وعلميا إذ أنّ المعهد لم يعد يقوم بمراقبة التلاقيح والبحث. ويتولى توزيع الأدوية 51 متداخلا وهم الصيدلية المركزية و50 طرفا من الخواص يشغلون 1000 عونا، الصيدلية المركزية هي المزود الوحيد والحصري للمؤسسات الإستشفائية العمومية أما بائعو الجملة الخواص فهم يزودون الصناعيين المحليين بالمواد الأولية والصيدليات الخاصة بالأدوية ويحققون هامش ربح نسبته 8 % . وتشير الأرقام الرسمية المتوفرة لدينا أن إستهلاك الدواء من المواطنين في تونس إرتفع من 346 م د عام 1990 إلى 464 م د في 2006 أي معدّل 46,4 دينار لكل ساكن . ومن بين أسباب هذه الظاهرة هو إرتفاع أسعار الأدوية وإرتفاع مصاريف المعالجة بالمؤسسات الخاصة والعامة إذ أصبح المواطن حتى وان كان منخرطا بأحد صندوقي الضمان الإجتماعي وعالج نفسه بالمؤسسات الإستشفائية العمومية مطالبا بأن يدفع جزءا من تكلفة المعالجة كان معفًا منه قبل سنوات . المعطيات التي أوردناها تبرز ضرورة تطوير قطاع صناعة الأدوية في إطار سياسة صحية شاملة تهدف إلى جعل الحق في الصحة للمواطن حقا من حقوقه الأساسية بغض النظر عن مستوى عيشه ودخله هذا من جهة ومن جهة أخرى عدم النظر للمرفق العام للصحة من وجهة نظر اقتصادية بحتة مع السعي إلى تحقيق توازن بين المداخيل والمصاريف. فالصحة كمرفق عام وكحاجة ضرورية للبشر لا يمكن أن ينظر إليها كسلعة تدرّ ربحا، وتطوير صناعة الأدوية مسؤولية ملقاة بالدرجة الأولى على الدولة وهذا لا يعني تحجير تدخل المستثمرين الخواص في هذا القطاع . حسب رأينا هناك ثوابت يجب احترامها في هذا القطاع تقوم على ما يلي : * 1- الدولة مطالبة بدعم منتوج الأدوية بواسطة القطاع العمومي وذلك إمّا بدعم طاقة انتاج الصيدلية المركزية أو باقامة وحدات صناعية جديدة ممولة بالمال العام . بهذا الإجراء سنوفّر الشغل لعدد من الصيدليين والفنيين المتخرجين من كلية الصيدلية والمعاهد العلمية وستحدّ من إستيراد كميات من الأدوية من الخارج مما يقلّص من تبعيتنا للإحتكارات الدولية ويجنّب البلاد بذل العملة الصعبة فضلا على أن تطوير قطاع صناعة الأدوية سيؤدي إلى تطوّر البحث العلمي والمعرفة. انتاج الدواء من طرف مؤسسات القطاع العام سيمكن من بيعها بأسعار معقولة مع الحرص على ضمان التوازن المالي للمؤسسات وتوفير هامش معقول من الربح يمكّن من دفع البحث العلمي دون اثقال كاهل المواطن. * 2- الدولة مطالبة كذلك باعادة الإعتبار لمعهد باستور كمؤسسة مختصة في صناعة التلاقيح وتوريد ما لا يصنع أو لا يمكن إعداده في تونس ، وكمؤسسة قادرة على انجاز الأبحاث العلمية المتعلقة بالصحة وتطوير ميزانية هذه المؤسسة سيمكن هو بدوره من إستيعاب طاقات بشرية وعلمية هامة من خريجي الجامعات ومن الأطباء والصيادلة الأكفاء التي تزخر بهم تونس والمشهود لهم بالكفاء وطنيا وعالميا. * 3- أما الإستثمار الخاص فهو رديف للقطاع العام لا يجب أن يصبح المعوض له لأن توفير الصحة والأمن الصحي هو من مشمولات السلطة العمومية أساسا. على هذا القطاع أن يعمل وفق المخططات التي ترسمها الدولة وأن ينتج الأدوية التي لا تنتجها المؤسسات العمومية أو التي ليس بوسع هذه المؤسسات انتاجها بنفسها، كما عليه أن يطوّر صناعة الأدوية العامة ( Médicaments Génériques ) ذات السعر المنخفض وعلى المستثمرين المحليين إيلاء البحث العلمي أهمية وتوفير الإمكانيات المالية والبشرية لذلك. أما بالنسبة للمستثمرين الأجانب فعلى الدولة مراجعة سياستها تجاههم فهؤلاء ينشؤون مؤسسات تعمل أساسا للتصدير أي أنهم يستثمرون في بلادنا للامتيازات المالية التي توفّرها لهم الدولة ولوجود يد عاملة وكفاءات مختصة يدفعون لها أجورا بخسة دون أن تستفيد البلاد من إنتاجهم أو من أبحاثهم، فرأس المال الأجنبي عندما يقرّر الانتصاب في تونس إنما يقوم بذلك ليس لأنه يريد أن يساعد البلاد على حلّ أزمة البطالة بل لأنه يبحث عن الضغط على سعر تكلفة الإنتاج بالضغط على أجور الأجراء الذين يشغلهم حتى يصبح منتوجه أكثر قدرة على المنافسة فيباع في السوق العالمية فاذا قبلنا جدلا بأن يواصل رأس المال الأجنبي في قطاع صناعة الأدوية بتونس علينا أن نضع له شروطا جديدة للنشاط مثل أن يمكّن البلاد من انتاج الأدوية التي يصنعها إذا ما كان لنا فائدة في ذلك وأن يموّل البحث في مخابره للتونسيين الذين يشغلهم، هذا فضلا عن ضمان حقوق الأجراء وتحسين ظروف تأجيرهم لأنه ما قدم إلى بلادنا إلا لإقتناعه بكفاءة أبنائها . * 4- وأخيرا وفي ميدان توريد الأدوية وترويجها نرى من وجهة نظرنا أنّه يجب الإبقاء على الدور الرئيسي للصيدلية المركزية وتمكينها من مراقبة ما يستورده الخواص ضمانا لسلامة المواطن وحفاظا على قدرته الشرائية حتى نحول دون سلعنة المرفق العام. |