"الإرادة" الدوليّة

العدد الرابع أكتوبر 2007

الأزمة النوويّة الإيرانيّة :

المحور العدواني الغربي يفشل في إستصدار قرار جديد من مجلس الأمن يشدّد العقوبات على إيران وفرنسا تلتحق بأمريكا لتشديد الخناق على النظام الإيراني من خارج منظمة الأمم المتحدة

 

سعت الإمبريالية الأمريكية وكلاب حراستها أنجلترا وفرنسا وألمانيا لجرّ مجلس الأمن الدولي إلى أن ينفذ قرارا جديدا  يضاعف من العقوبات المتخذة ضد إيران لكنها فشلت لمعارضة كل من روسيا والصين العضوان الدائمان في هذا المجلس. وقرر هذا الأخير في جلسة عقدها يوم 28/09/2007  تمكين الوكالة العالمية للطاقة النووية من تنفيذ برنامج العمل الذي اتفقت عليه مع الحكومة الإيرانية في 21/08/2007 إلى غاية موفى شهر نوفمبر القادم .

ويحقّ لقراء جريدة '' الإرادة '' الأعزاء والأوفياء أن يفهموا '' الأزمة النووية الإيرانية '' وتداعيتها ومواقف مختلف القوى العظمى منها.

الإنطلاق سيكون من المعاهدة الدولية لحظر إنتشار الأسلحة النووية وهي معاهدة تحجّر على الدول ما عدى الخمس دول الكبــــرى ( أو المسماة هكذا ) وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا )  الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي امتلاك السلاح النووي والقنبلة الذرية بدعوى أن في العالم يكفي من مثل هذه الأسلحة وأن الدول الكبرى لها من حصانة الرأي والرصانة ما يحول دون استعمال تلك الأسلحة بخفة بينما يؤدي امتلاكها من كافة الدول إلى تفاقم خطر الحرب في العالم ، ويهدّد السلم والأمن العالمين وكان من الأفضل والأجدى أن تقرّر كل الدول التخلص من تلك الأسلحة وتدميرها .

وأوكل مجلس الأمن الدولي للوكالة العالمية للطاقة الذرية مسؤولية مراقبة تنفيذ هذه الإتفاقية وجرّ كل دول العالم (ما عدى الدول الكبرى طبعا)  للتصديق عليها.

الكيان الصهيوني ودول أخرى رفضت ذلك إذ أن هذا الكيان يمتلك السلاح النووي منذ سنوات دون الإعلان رسميا عن ذلك . وأصبحت باكستان والهند دولتين نوويتين ولم تتعرضا لعقوبات طالما أنها لم تصنفه ضمن صنف ''الدول المارقة '' من قبل الولايات المتحدة إذ أنهما حليفتان قويتان لها.

والإتفاقية المشار إليها لا تمنع الدول من إكتساب الطاقة النووية وإستغلالها في أغراض سلمية مثل إنتاج الطاقة الكهربائية . لذا فإن العديد من دول العالم تمتلك محولات نووية منتجة للكهرباء .

بل إن الدول المتقدمة مثل روسيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة تتنافس على بيع المحوّلات النووية المنتجة للطاقة للدول لأن هذه المحولات باهضة الثمن. وفي هذا السياق نذكر مثلا أن فرنسا وأمريكا عرضتا على ليبيا والجزائر والمغرب شراء تلك التجهيزات.

ونظرا وأن الدول البترولية تخشى من نفاذ مواردها من النفط وإعتبارا أن إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية أقل تكلفة من إنتاجه بالنفط أو الغاز، اتجهت هذه الدول إلى شراء مفاعلات نووية لذلك الغرض .

إيران وقبل الإطاحة بالشاه عام 1979 بدأت برنامجا نوويا ولم يثر هذا البرنامج أي تحفظ أو اعتراض من قبل الدول الكبرى الذي كانت عالمة به لكن الولايات المتحدة وحليفاتها غيرت موقفها من هذه القضية عام 2002 حينما ادعى إيرانيون فروا إلى الولايات المتحدة أن النظام الإيراني بدأ منذ 1985 في القيام بعملية تخصيب للأورانيوم بهدف إمتلاك القنبلة النووية بصورة سرية .

ورغم جميع عمليات التفتيش التي قامت بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي يرأسها المصري محمد البرادعي لم يقع التوصل لإثبات مزاعم هؤلاء الأعوان الإيرانيين .

وثارت ثائرة الدولة الأمريكية وصنيعتها '' إسرائيل '' وحلفاؤها من أروبيين وغيرهم حول الخطر الذي يمثله الإمتلاك المحتمل للسلاح النووي من قبل إيران .

الولايات المتحدة ورغم المساندة الضمنية والمعلنة التي تلقتها من النظام الإيراني عند غزوها وإحتلالها للعراق ورغم أن نظام العمالة في هذا البلد الشقيق يرتكز على تحالف طائفي وعرقي تشارك فيه قوى سياسية لا تخفي علاقتها الوطيدة بالنظام الإيراني ورغم المساندة التي أبدتها إيران لإسقاط حكم الطالبان في أفغانستان واحتلال هذا البلد من قبل قوات حلف الناطو أصبحت قلقة من امتلاك إيران للسلاح النووي لعدة أسباب منها بالخصوص :

* هاجس ضمان أمن '' اسرائيل '' وضرورة ضمان تفوقها العسكري على بلدان وشعوب بالمنطقة .

* الخوف من إتساع النفوذ الإيراني في منطقة الخليج التي تعتبرها الولايات المتحدة منطقة داخلة في مجالها الطبيعي والحيوي لما تزخر به من موارد نفطية وغازية وغيرهما ولموقع إيران الإستراتيجي .

* الخوف من أن تتكبد القوات الأمريكية خسائر فادحة إن فكرت يوما ما في إحتلال إيران .

في هذا الإطار صرّح بوش الإبن خلال الأيام الأخيرة الماضية عند لقائه بقدماء المحاربين في مدينة رينو من ولاية نفادا الأمريكية في إشارة إلى إيران '' بأنه لا يمكن القبول بإرهابيين لهم مطلق الحرية في مراقبة الشرق الأوسط مما سيمكنهم من مراقبة جزء حاسم من الطاقة وبالتالي يستعملون الإقتصاد العالمي كرهينة ''.

 

في مارس 2007 إتخذ مجلس الأمن الدولي القرار عدد 1747 يدعو بموجبه إيران بأن توقف عمليات تخصيب الأورانيوم ويفرض عليها حظرا على مستوى شراء الأسلحة.

ومنذ ذلك التاريخ لم تنفك الولايات المتحدة تقوم بحملة تلو الحملة ضد خطر إمتلاك إيران السلاح النووي وتزرع جوا من الرعب في العالم بأسره وبالخصوص لدى الأنظمة العربية الحليفة لها التي تحكم بلدان الخليج ويضاف إليهما مصر والأردن .

ولم تتورع الولايات المتحدة عن استعمال الخلافات الدينية القائمة بين السنة والشيعة وخلفت في هذا الإطار حلفا ''عدوانيا '' يضمّ كلا من إيران وسوريا و '' حزب الله '' و''حماس'' يهدد حسب زعمها أمن وإستقرار الأنظمة السنية المعتدلة في البلدان العربية أمن ربيبتها وقاعدتها المتقدمة أي الكيان الصهيوني .

وتهدف الولايات المتحدة من خلال هذه الحملة إلى عزل مكونات ذلك المحور وتبرير كل عدوان وكل العمليات الإجرامية تقوم بها هي نفسها أو بتحالف مع حلفائها وفي مقدمتها الكيان الصهيوني هذا من جهة وإلى خلق جو من الرعب يبرر ترويج أسلحتها إلى الأنظمة العربية وإغداق الإعانات بدون مقابل إلــى '' إسرائيل '' حتى تضمن حركية قطاع صناعة وتجارة الأسلحة الأمريكية .

وفعلا عرضت الإدارة الأمريكية على بلدان مجلس التعاون الخليجي المتكون من السعودية ودولة الإمارات وقطر وعمان والبحرين والكويت شراء أسلحة بقيمة 20 مليار دولار.  وهي أسلحة وإن قيل أنها متطورة سوف تخضع للمراقبة الأمريكية من حيث الإستعمال والصيانة ولن توجّه أبدا للعدو الصهيوني بالطبع وقررت في الآن نفسه إسناد مساعدة بـ 30 مليار دولار للدولة الصهيونية بزيادة 25 بالمائة في حجم الإعانة العسكرية التي تلقتها إسرائيل خلال العشر سنوات الماضية .

ووجدت الإدارة الأمريكية في إدعائها أن إيران تعتزم إمتلاك السلاح النووي مبررا جديدا لبقائها في العراق اذ أنه وحسب النازي الجديد بوش الإبن '' سيخلف أي إنسحاب للقوات الأمريكية من العراق انطباعا بضعف الولايات المتحدة وسيشجع ايران على امتلاك أسلحة نووية الأمر الذي سيؤدي إلى كارثة نووية في المنطقة ''

إيهود أولمرت رئيس حكومة '' إسرائيل '' مقتنع بدوره بأن الأسلحة التي ستشتريها البلدان العربية الموضوعة بالإعتدال والحليفة للولايات المتحدة سوف لن توجه ضد الإحتلال الصهيوني .

والجديد في الملف النووي الإيراني هو الموقف الفرنسي المتشدد والمنادي بتسليط عقوبات إضافية ضد إيران حتى وإن تم ذلك خارج إطار مجلس الأمن الدولي مع التلويح بشن حرب ضد إيران .

بدأت اللهجة العدوانية الفرنسية تتصاعد من خلال تصريح وزير الخارجية برنار كوشنار لراديومونتكارلو حين عبر عن '' إستعداد فرنسا للتفاوض إلى آخر لحظة مع إيران حول ملفها النووي مع ضرورة استعدادها للأسوأ والأسوأ هو الحرب ''.

وفي نفس السياق صرح الرئيس الفرنسي ساركوزي بما يلي :'' إن العالم مخير الآن بين أمرين إثنين إما القنبلة النووية الإيرانية أو تدمير إيران ''.

إن قرع طبول الحرب من قبل فرنسا يعبّر عن هواجس أربعة للإمبريالية الفرنسية :

1- ضمان أمن الكيان الصهيوني وهذا ما أكده الرئيس الفرنسي خلال خطاب توجه به لرؤساء البعثات الدبلوماسية الفرنسية في بداية سبتمبر 2007.

2- رغبة فرنسا في أن تكون أكثر حضورا في بؤر التوتر حتى تعبر عن ذاتها كدولة عظمى لها قوة وقدرات عسكرية يجب أن تختبر فاعليتها .

3- تأمين حصة لفرنسا من الغنائم التي تنجر من الحرب ضد إيران وإحتلال هذا البلد .

4- التعبير عن صداقة فرنسا لأمريكا وعزمها على انتهاج سياسة خارجية جديدة قوامها العمل في إطار الحلف الأطلسي والعودة إلى جميع هياكله بعد أن قرّر الجنرال دي غول مغادرة الحلف منذ 1966 حتى يتسنى لفرنسا انتهاج سياسة خارجية وعسكرية مستقلة عن الولايات المتحدة وتخدم مصالحها كدولة كبرى ولا تخضع لإملاءات واشنطن ورغبتها في إذلال وإضعاف حتى حلفائها .

وقد جاءت تأكيدات فرنسا عن عزمها على استعادة مكانها في هياكل الحلف الأطلسي العدواني على لسان وزير الدفاع الفرنسي أمام الإطارات العسكرية الفرنسية في اجتماع لها تم في بداية شهر سبتمبر 2007 ، وانتقد خلاله عدم قدرة الطائرة الحربية الفرنسية نوع '' رافال '' على مزاحمة الطائرة الأمريكية '' ف 16 '' كما دعا إلى ضرورة التقليص من عدد المدرعات نوع '' لوكلارك '' المتطورة التي تقرر تزويد جيش البر الفرنسي بها في وقت سابق  هذه التصريحات أثارت إمتعاضا في أوساط كبار الضباط الفرنسيين ومسؤولي شركة '' داسو '' الفرنسية المختصة في صناعة الأسلحة خاصة وأن هذا البلد توصل إلى الإتفاق مع ليبيا والمغرب لتزويدهما بطائرات '' رافال'' .

هذه الأوساط تخشى أن تصبح فرنسا تحت وصاية الولايات المتحدة الأمريكية من حيث السياسة الدفاعية إن هي رجعت إلى هياكل حلف الناطو وتخشى أن تتراجع الصناعة الحربية الفرنسية وتستبدل معدات الجيش بأسلحة أمريكية عوضا عن أسلحة فرنسية  .

على صعيد آخر نادت فرنسا حلفائها الأروبين إلى اتخاذ عقوبات مشتركة في إطار الإتحاد الأروبي ضد إيران أي من خارج مجلس الأمن بعد أن اقتنعت أن روسيا والصين سترفض مساندتها في إطار مجلس الأمن وتتمثل هذه العقوبات في :

- توسيع قائمة المؤسسات الصناعية والمالية في إيران والشخصيات الرسمية الإرانية التي شملتها قرار تجميد أرصدتها بالبنوك الدولية أو التي يمنع التعامل معها .

- مطالبة المؤسسات والبنوك الأروبية بالتوقف عن إستثمار أموالها في إيران أو التعامل مع المؤسسات الإيرانية.

وفي هذا الإطار جمدت فعلا مؤسستا طوطال وغاز فرنسا استجابة لمطالب الرئاسة الفرنسية استثماراتها الجديدة في ايران.  وهي إستثمارات التي شرعت فيها في قطاع التنقيب عن البترول والغاز برا وبحرا بعد أن كانت طوطال مثلا تعتزم استثمار 3 مليار دولارا لإستخراج الغاز الطبيعي وتحويله إلى غاز سائل .

الدعوة الفرنسية لاقت ترحيبا وتجاوبا من قبل بريطانيا وهولاندا فيما تحفظت ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا عليها خوفا من تضرر مصالحها الإقتصادية والمالية ، فألمانيا هي المصدر الأول للبضائع نحو إيران .

والمسعى الفرنسي لفرض عقوبات على إيران من خارج مجلس الأمن جاء متزامنا مع قرار مجلس الشيوخ الأمريكي القاضي بسن تشريعات جديدة تهدف إلى تسليط عقوبات ضد الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران .

وهكذا تلتحق فرنسا بالولايات المتحدة الأمريكية في الخروج عن  الشرعية الدولية  وعن نظام الأمم المتحدة الذي ينص على أنه لا يمكن أن يتخذ أي إجراء ضد دولة ثبت أنها تهدد الأمن والسلم العالميين إلا في إطار هياكل منظمة الأمم المتحدة وحسب ميثاقها مما يزيد الوضع الدولي المتوتر اضطرابا والحكومة الفرنسية لم تتمالك عن التهجم على محمد البرادعي واصفة الإتفاق الذي توصل إليه في 21/08/2007 مع إيران والذي بموجبه يلتزم هذا البلد باطلاع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المعلومات المتعلقة ببرنامجها النووي خلال المدة المتراوحة بين 1985 و2002 بـ''صفقة الأغبياء'' تمكن إيران من ربح الوقت لتفادي عقوبات إضافية في حين يصر البرادعي على إستكمال البحث عما إذا كان لإيران فعلا برنامج لصنع السلاح النووي أم لا وهو الذي سبق له أن أصر على إتخاذ نفس الموقف تجاه العراق لنزع فتيل الحرب لأن كل الدلائل كانت تؤكد عدم إمتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل خلافا لما ادعته الولايات الأمريكية آنذاك وقد أكدت الأيام كذب المزاعم الأمريكية وصحة موقف البرادعي .

إن الأزمة النووية الإيرانية تكشف أن عوامل الحرب وعوامل تفاديها موجودة وإن كانت الأولى أقوى من الثانية لكن الحرب ليست قدرا محتوما ان وقفت القوى المحبة للسلم والرافضة لمنطق القوة والهيمنة وقفة جدية .

إننا في حزب العمل الوطني الديمقراطي نرى :

- أولا : ضرورة أن تتخلص كل الدول من أسلحة الدمار الشامل وفي مقدمتها الأسلحة النووية والذرية والكيماوية والبيولوجية لما تمثله من خطر على الإنسانية والبيئية وعلى السلم في العالم .

- ثانيا : طالما لم تدمر الدول التي تملك هذه الأسلحة بما في ذلك الكيان الصهيوني فإنه يحق لأي بلد أن يطور كافة وسائل الدفاع عن حرمة ترابه والقوة الرادعة لكل عدوان محتمل عليه .

- ثالثا : ضرورة بناء جبهة عالمية معادية لسياسة الحرب والهيمنة التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها لعزل هذه القوى وتجنيب العالم كارثة عالمية جديدة أشد خطرا من الحربين العالميتين الأولى والثانية.

- رابعا : حق كل الدول في إمتلاك التكنولوجيا النووية السلمية وتطويرها خدمة لمصالح شعوبها على أن يحضى هذا القطاع بإجراءات حمائية تقي البيئة وحياة البشر .

- خامسا : واجب مساندة إيران إن تعرضت لعدوان أجنبي أمريكي أو أطلسي.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org