"الإرادة" العربيّة

العدد الرابع أكتوبر 2007

المغرب: الانتخابات التشريعية:

مشاركة شعبية ضعيفة تعكس عمق أزمة النظام السياسي المغربي
وانعدام ثقة المواطن في العملية الانتخابية وفي السياسيين وتهافت دعاوي البديل الاسلاموي

جرت في المغرب الأقصى هذا البلد الشقيق الذي يعد 30 مليون ساكن في 7 سبتمبر الماضي انتخابات تشريعية كان من المفروض أن يشارك فيها 15.5 مليون ناخب من بينهم 48% من النساء و 52.8% من الأميين لينتخبوا 325 نائبا في البرلمان يتمّ انتخاب 295 منهم على مستوى الدوائر الانتخابية (وعددها 95) أما الثلاثون مقعدا المتبقية فهي مخصصة للنساء ويقع انتخابهن على مستوى وطني. وشارك في هذه الانتخابات 33 حزبا فيما نادى لمقاطعتها بعض الأحزاب مثل حزب النهج الديمقراطي (وهو حزب يساري معترف به) وحزب العدل والإحسان وهو حزب ديني أصولي غير معترف به.

تابع هذه الانتخابات 3100 مراقبا ومرصدا مستقلا يضمّ عناصر من منظمات المجتمع المدني الديمقراطية المهتمة أساسا بحقوق الإنسان كما تابعها 50 ملاحظا أجنبيا.

سخّر النظام المخزني المغربي وسائل هائلة للدعاية لهذه الانتخابات ولحث المواطنين على المشاركة فيها مشاركة قوية. حتى يكسب رهانه السياسي في إقناع (الدوائر الأجنبية الغربية بطابعه الديمقراطي وبتطور الممارسة الديمقراطية في المغرب وليكسب مشروعية داخلية) خصّص النظام المغربي 3 مليارات درهم للدعاية لهذه الانتخابات وكان يأمل في ألا تقلّ نسبة المشاركة عن 50% وهي نسبة كان يعتبرها هامة وكافية لكسب معركة المشروعية الداخلية والخارجية رغم أنها تقلّ عن نسبة 51.61% التي تحقّقت خلال انتخابات عام 2002.

روّجت الدوائر الإعلامية الغربية وخاصة الأمريكية منها والفرنسية وبعض أبواقها العربية قبل الانتخابات لنجاح مذهل وكاسح مرتقب لقائمة حزب العدالة والتنمية وهو حزب أصولي قانوني. وأكّدت أن استطلاعات الرأي العام في المغرب تشير إلى هذا الانتصار التاريخي. والملاحظ أن بعض الاستطلاعات أجريت من قبل مؤسسات أمريكية أو مموّلة بالمال الأمريكي المخصّص لانجاز مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وتكهّن المراقبون الغربيون بأن يشارك حزب العدالة والتنمية في الحكومة التي ستتكون بعد الانتخابات. وسارع قادة الحزب إلى الإعلان عن استعدادهم للمشاركة في حكومة تضمّ أحزاب الائتلاف المتكون من الاستقلال والدستوري وحزب القوى الاشتراكية وحزب التقدم والاشتراكية. بل مضوا أكثر من ذلك بعد أن ركب الغرور رؤوسهم إلى حدّ التعبير عن استعدادهم لتشكيل حكومة لوحدهم طالما أنهم كانوا مقتنعين بأن قائماتهم ستفوز بما لا يقل عن 80 مقعدا.

رضاء الدوائر الامبريالية الغربية على حزب العدالة والتنمية مؤسّس على قناعتهم بأن هذا الحزب ليبرالي التوجهات ولن يغير الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

زعماء "حزب العدالة والتنمية" الأصولي زاروا البيت الأبيض وقدموا للأمريكان والأوروبيين كل التطمينات لضمان مصالحهم وتأبيد النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي القائم.

جاءت نتائج الانتخابات مخيبة لآمال أكثر من طرف، فنسبة المشاركة التي لم تتجاوز رسميا 37% (وهي في حدود 17 و20% حسب بعض الأحزاب والمراقبين) كانت فشلا للسلطة المغربية التي راهنت على نسبة 50% لتحقيق أهداف سياسية داخليا وخارجيا.

واهتزّت صورة النظام خلال هذه الانتخابات نتيجة العديد من التجاوزات والخروقات التي رافقت الانتخابات و شهّرت بها العديد من الأحزاب ومرصد مراقبة الانتخابات كشراء ذمم المنتخبين بالمال وهي عملية عرفت أوجها خلال الثلاثة أيام الأخيرة من الحملة ووصلت ذروتها يوم الاقتراع أمام أعين الجميع، وشراء بطاقات الاقتراع بالمال لتجنيد أصوات الناخبين وتوزيع ورقات الاقتراع خارج مكاتب الاقتراع والتصويت خارج هذه المكاتب واستمرار الحملة الانتخابية في جلّ الدوائر إلى يوم الاقتراع. واسقاط أسماء ناخبين من القوائم الانتخابية وعدم تمكين آخرين من بطاقات الناخب رغم وجودهم على القائمات الانتخابية. ومنع ممثلي الأحزاب من متابعة عملية الفرز وفي حين وقع تمكين ممثلي السلطة من حضور عملية الفرز، والإعلان عن نتائج الانتخابات في العديد من الدوائر قبل الانتهاء من عمليات الفرز واستغلال المساجد وصلاة الجمعة من قبل حزب العدالة والتنمية للقيام بحملة دعائية ... الخ.

هذه التجاوزات والاخلالات الخطيرة التي ندّدت بها العديد من الجهات السياسية والحقوقية في المغرب لم تمنع الدوائر الغربية من الإعراب عن رضاها عن تلك الانتخابات والتي مكنّت حسب رأي تلك الدوائر من تسجيل تقدّم في مسار البناء الديمقراطي حسب زعمها.

1.           نسبة المشاركة الشعبية الضعيفة جاءت لتؤكد اهتزاز ثقة الجماهير الشعبية في المؤسسات المنتخبة وأوّلها البرلمان الذي هو في الواقع مركز تقنين وتشريع لقرارات البلاط الملكي. علما وأن الحكومة في المغرب لا يقع تشكيلها اعتمادا على تمثيلية الأحزاب السياسية في البرلمان بل يعينها الملك وحده.

2.           انعدام ثقة المواطن في العملية الانتخابية نفسها التي تنظّم طبق قوانين غير ديمقراطية وتبدو معلومة النتائج مسبقا. ويكثر فيها الغش والتزوير ويمارس المال سلطته على الناخب وتتدخل فيها السلطة بأعوانها وأجهزتها لفائدة مترشحين معينين.

 

3.           حالة البأس والإحباط وخيبة الأمل التي أصابت المواطنات والمواطنين المغاربة من أغلب الأحزاب المشاركة في العملية الانتخابية وهي أحزاب قريبة من السلطة المخزنية لا تختلف عن أحزاب الإدارة في بلادنا.

وحزب الاستقلال واتحاد القوى الشعبية وحزب الأحرار وحزب التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية هي التي كانت تدير البلاد ضمن ائتلاف حكومي طوال 5 أعوام عرف فيها المواطن المغربي العصف بالقطاع العام وفتح مجال الخصخصة على مصراعيه وسنّ قوانين زجرية حدّت من الحريات العامة وتراجعت خلالها الخدمات العامة وتردّت المقدرة الشرائية للفئات الشعبية فيما ازداد الأغنياء غنى مما أدى إلى تفاقم الفوارق الطبقية.

جاءت نتائج الانتخابات لتؤكد تراجع أحزاب الائتلاف في مستوى التمثيل في البرلمان وخاصة حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية (الأول خسر 4 مقاعد فيما خسر الثاني 12 مقعدا).

أما حزب العدالة والتنمية الذي قدّم قائمات في 94 دائرة من أصل 95 دائرة انتخابية فإنه فاز بـ 48 مقعدا كاسبا 6 مقاعد جديدة.

لم يسجّل إذن حزب العدالة الذي راهن عليه المخزن والقوى الدينية المحافظة التي تدعمه والدوائر الامبريالية "الانتصار التاريخي الساحق" المنتظر والحال أنه تقدم في كل الدوائر تقريبا في حين أنه اكتفى بتقديم قوائم انتخابية في نصف الدوائر عام 2002.

ويعود السبب في ذلك إلى التجربة الفاشلة لحزب العدالة والتنمية في تسيير بلديات مدن مغربية هامة كمكناس وسلا وسطاط وعجزه على تلبية حاجيات المواطنين. وبات واضحا أن الخطاب الأخلاقي الذي يتميز به هذا الحزب لم يعد يقنع المواطن والمواطنة المغربية الذين يطمحون إلى التمتّع بالحقوق الاجتماعية الأساسية (التنقل والتعلم والصحة والسكن والتغطية الاجتماعية) إلى جانب الحقوق السياسية والاقتصادية.

الانتخابات التشريعية في المغرب جاءت مطابقة للانتخابات التشريعية التي جرت في الجزائر والتي شهدت بدورها مشاركة شعبية هزيلة وصوّت خلالها مليون ناخب تصويتا أبيض مما يؤكد تشابه الأوضاع في بلدان المغرب العربي الكبير ويثبت المقولة المشهورة بأن نفس الأسباب تعطي نفس النتائج.

تونس ستعرف بدورها في نهاية 2009 انتخابات رئاسية وتشريعية. فهل سيستخلص النظام هنا الدروس مما جرى في البلدين الشقيقين فيتخذ الإجراءات القانونية والسياسية التي تمكن من تلافي تكرار ما حدث لدى جيراننا أم ستبقى دار لقمان على حالها ونساير جيراننا عملا بالمثل الشعبي القائل: " اعمل كيف جارك وإلا حوّل باب دارك".

شعبنا جدير بانتخابات حرة ونزيهة تدور في كنف الشفافية والديمقراطية بعيدا عن الغش وتدخل الإدارة طبق قانون انتخابي عصري يضمن تمثيل الأحزاب كبيرها وصغيرها حسب إشعاعها الحقيقي لدى المواطنين ويقطع مع نظام التمثيل البرلماني الحالي الذي يضمن هيمنة حزب الدولة ويعطي مقاعد لبعض الأحزاب حسب درجة ولائها للسلطة. قانون انتخابي يؤمن التداول السلمي على السلطة.

فهل ستكون انتخابات المنعرج التاريخي للحياة السياسية في تونس أم ستكون مرة أخرى موعدا مهدورا؟ الأيام القادمة ستحمل في طياتها الجواب عن هذا السؤال.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org