|
"الإرادة" العربيّة |
|
العدد الرابع أكتوبر 2007 الصراع بين فتح وحماس إلى أين؟ من الحقائق التي لا يمكن إنكارها هو أن "حماس" جاءت إلى السلطة بشكل ديمقراطي عندما منحها الشعب الفلسطيني ثقته في انتخاب المجلس التشريعي ليصبح من حقها تشكيل حكومتها وهو ما فعلته. مع العلم وأنّ هذه الانتخابات قد دارت في ظلّ الاحتلال وضمن اتفاقيات أوسلو. ولقد اجتمعت أسباب وراء هذا التصويت وأولها معاقبة الناخب الفلسطيني لسلطة "فتح" على سوء تصرفها في إدارة الحياة العامة والحياة السياسية وما صحب هذا الأداء من فساد مالي مكشوف. ثاني هذه العوامل اعتقاد الشعب الفلسطيني أن حماس تمثل خيار المقاومة من خلال العمليات النوعية التي تقوم بها داخل الأرض المحتلة . هذه الحقيقة توازيها حقائق أخرى أفرزتها الوقائع الجديدة في الأراضي الفلسطينية وخاصّة منها قطاع غزة الذي شهد صراعا داميا على السلطة بين الفصيلين انتهى بسيطرة حماس ومسكها بدواليب الحياة السياسية والإدارية وحتى الاجتماعية. وأول هذه الحقائق، أن الصراع من أجل السلطة ألهى "حماس" عن صراعها مع العدو الصهيوني، فتقلصت العمليات النوعية ضدّ هذا العدو إلى حدّ بعيد إلاّ أحيانا حفظا لماء الوجه أو ردّا على اغتيال بعض كوادرها لا استمرارا في مشروع المقاومة الذي بقي على الورق ولا نرى له ترجمة صريحة على الأرض ومعنى هذا أن الحسابات السياسية وحساب السلطة والمحافظة عليها طغى على المشروع الوطني الذي بموجبه حصدت أصوات الناخبين الفلسطينيين. ثاني هذه الحقائق أن "حماس" كشفت في خضم الصراع مع "فتح" عن وجه مرفوض لدى الشعب الفلسطيني ولدى كل شعوب الأرض وهو وجه العداء للممارسة الديمقراطية إذ اعتمدت الدموية والانقلاب مبادرة به وقد حاول كل من خالد مشعل وعبد الحميد الزّهار الدفاع عن هذا الخيار والترويج له على أنّه اضطرار. أضف إلى ذلك عمليات التنكيل والترهيب التي تقوم بها "القوة التنفيذية" التابعة لـ"حماس" ضدّ كل من رفض هذا الأسلوب معتمدة نفس أسلوب الحكومات الاستبدادية العربية وخطابها في تبرير الفضائع مقدّمة الضحايا على أنهم مجرمو حق عام لا خصوما سياسيين وهو تبرير طالما أبدى المواطن العربي في أي قطر امتعاضا وسخرية منه. ولم تتوقف "حماس" عند هذا الحدّ بل صادرت كسائر الحكومات الاستبدادية حقّ التظاهر وحقّ التعبير عن الآراء واعتدت مليشياتها على الصحافيين واعتمدت الاغتيالات وتشويه الصورة وكلنا يتذكر كيف تهجّم سامي أبو زهري أحد القياديين في "حماس" على الموظفين الذين أضربوا عن العمل دفاعا عن حقوقهم ورفضا للتمييز بين الموظفين التابعين لـ"حماس" وسائر الموظفين في الأجر والرتب ... فقد ورد على لسانه في تصريح لقناة الجزير: "إن هؤلاء المضربين مخربون تحركهم أياد آثمة". وقد كشفت "حماس" أيضا على أن الذي يعنيها هو المشروع المجتمعي أكثر من المشروع الوطني فقد انشغلت لاحقا بمحاولة تطبيق أحكام الشريعة عوضا عن بناء المؤسسات الوطنية الاقتصادية والسياسية والمدنية على قاعدة البرنامج الانتخابي وعلى قاعدة إقامة حياة ديمقراطية يشارك فيها الشعب ومختلف الفصائل الوطنية في تسيير الحياة السياسية والإدارية ورسم طريق المقاومة بمختلف أوجهها. هذا الوجه كشف عنه محمود الزّهار إذ قال :" الآن انتهت كل الاتجاهات الإيديولوجية والفكرية الأخرى...والآن نقيم حكم الدين... والآن انتهت العلمانية وكل أنواع الزندقة" (التنوع الفكري والسياسي يعتبر لدى "حماس" زندقة). وفي الطرف المقابل لم تدّخر سلطة محمود عباس جهدا في تقديم التنازلات تلوى الأخرى إرضاءً للأمريكيين والأوروبيين أصحاب مشروع التسوية (مؤتمر الخريف) الرامي إلى تصفية القضية الفلسطينية مستغلين حالة الصراع القائمة فبادروا إلى الإعلان عن تأييد عباس وحكومة سلام فياض وتقديم الدعم المادي في شكل تجهيزات أمنية ومساعدات مالية بالتنسيق مع الصهاينة الذين قدموا بدورهم "هدايا" تساعد على الإيهام بأن سلطة عباس أقدر على تحقيق "المكاسب" لفائدة الشعب الفلسطيني وبالتالي تسويق خياراتها السياسية المتخاذلة فتمّت بموجب هذا التوجّه لقاءات بين عباس وإيهود أولمرت وقد كانت لقاءات حميمية تناقلتها كل فضائيات العالم. وبدأ الإعداد والترويج لمؤتمر دولي جديد ينتهي باتفاق ينهي حالة الصراع المستمرّة مع الصهاينة ويصفّي نهائيا القضية الفلسطينية. صحيح أن عديد أجهزة وكوادر السلطة مورطون هم أيضا في ممارسات قمعية وأخرى تآمرية وهذه حقائق لا يمكن إخفاؤها ولكن اتخاذها ذريعة لتنفيذ مخطط الاستيلاء على السلطة والاستحواذ على الحياة السياسية والاجتماعية وإقصاء كل المخالفين غير مقبول وتحويل الصراع من جانبه السياسي إلى جانبه العقائدي ومن جانبه الديمقراطي إلى جانبه الدموي هو الخطّ الأحمر الذي تجاوزته "حماس" وهو ما خلق حالة من التمزق والاقتتال الداخلي الذي استغله الصهاينة بإحكام لتنفيذ مخططاتهم وساهم في توفير الأرضية الملائمة للامبريالية الأمريكية لتقديم مشروعها التصفوي. إنّ الوضع الذي وصلت إليه الساحة الفلسطينية والمخاطر التي تتهدد القضية تتقاسم مسؤوليته كل من "فتح و"حماس" بصراعهما الدموي على السلطة وهو ما دعا بعض القوى وخاصة منها التقدمية والديمقراطية إلى إطلاق صيحة فزع لإنقاذ الوضع وإغلاق باب المؤامرات عبر تصحيح المسار وحشد كل القوى للتصدي للعدو. ولعلّ ما حدث من إطلاق المقاومة للصواريخ ومظاهرات شعبية ضدّ الجدار العازل في بعض البلدات والقرى الذي أجبر العدو على التراجع الجزئي عن مواقع هذا الجدار خير نموذج على المسار الذي لا يمكن أن يتنامى إلا في ظلّ الوحدة الوطنية على قاعدة البرنامج الوطني وفي ظلّ التوقف عن الاقتتال الداخلي المدمّر. |