"الإرادة" العربيّة

العدد الرابع أكتوبر 2007

مؤتمر الخريف والفشل الحتمي

تتكثف الجهود الأمريكية هذه الأيام استعدادا لعقد مؤتمر متعلق بالشرق الأوسط وتحديدا القضية الفلسطينية دعا إليه جورج بوش.

فما هي الظروف التي جاء فيها؟

لا يخفى على المتتبعين للأحداث أنّ الامبريالية الأمريكية تعيش صعوبات عديدة في أنحاء متفرقة من العالم مثلما يحصل لها في أفغانستان أو في الساحة العراقية حيث أجبرت المقاومة الإدارة الأمريكية على سحب عدد من جنودها وهي تبحث اليوم عن مخرج "غير مهين" من المأزق العراقي أضف إلى ذلك حالة القلق الذي يسببه التغلغل الإيراني في العراق وعزم إيران على الاستمرار في تنفيذ برنامجها النووي وهو ما يجعل أمريكا تحاول تهدئة الأجواء في هذه الساحات المذكورة للتفرّغ للملفّ الإيراني مستعينة بعملائها الخليجيين خاصة. ولا يتسنى لها ذلك ما دامت القضية الفلسطينية تراوح في مكانها رغم التحولات الحاصلة في الداخل الفلسطيني نتيجة الصراعات بين فتح وحماس وما يمكن أن يوفّره هذا الصراع من فرص تمرير حلول تصفوية إذا ما تواصل، وهو ما يفسّر سعي الامبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني إلى منع أي مصالحة بين الأطراف المتصارعة من خلال الضغط المباشر ومن خلال توفير المزيد من أسباب الخلاف .

كل هذه الظروف مجتمعة جعلت إدارة الرئيس بوش ترى أن الوضع ملائم لتمرير مشروعها. ومن هنا نفهم المساعي الحثيثة التي تبذلها وزيرة خارجيتها كونداليسا رايس والزيارات المتكرّرة التي تقوم بها للمنطقة لتهيئة الأرضية الملائمة لنجاح المؤتمر بحسب الرغبة والرؤية الأمريكية التي لا تخلو من التفكير في بعض " التنازلات " لفائدة السلطة الفلسطينية غير التي يراها الصهاينة.

فماذا يراد من هذا المؤتمر؟                        

التقت كل الأطراف الراغبة في المؤتمر على ضرورة إنهاء الصراع العربي الصهيوني بكل ما يمثله من خطورة التفجّر من حين إلى آخر وما يفتحه هذا التفجّر من تعبئة شعبية في الأقطار العربية ومن مزيد العداء للامبريالية الأمريكية ومزيد تعرية الأنظمة العربية. هذا الصراع الذي تراد له نهاية لا تخرج عن الخطّ الامبريالي الصهيوني العام إلا أن التفاصيل هي التي بقيت محلّ تجاذب إلى حد التباين أحيانا وفق مصلحة كل طرف ووفق قدرته على توظيف الوضع القائم لفائدته .

فالامبريالية الأمريكية ترغب كما أشرنا في إيجاد ظروف إقليمية ملائمة لشن هجوم عسكري على إيران لإيقاف طموحها النووي وطموحها في السيطرة على الساحة العراقية. وهذا يستوجب الحصول على تأييد الأنظمة العربية وخاصة منها الخليجية التي يجب أن تضع كل إمكانياتها على ذمّة المؤسسة العسكرية لنجاح العدوان المزمع شنّه وهو ما لا يمكن لهذه الأنظمة القبول به حاليا طالما بقيت القضية الفلسطينية بلا حلّ يمكن الدفاع عنه. وإدراكا منها للوضع الحرج الذي تعيشه الإدارة الأمريكية فإن هذه الأنظمة تبدي تمنّعا تسميه تحفظا للضغط على هذه الإدارة حتى تضغط هي بدورها على الكيان الصهيوني لإجباره على "تنازلات مقبولة" يسميها بعض القادة الصهاينة بـ"المؤلمة" وهو ما عبّر عنه وزير العدل الصهيوني في تصريح دعا فيه إلى تمكين الفلسطينيين من حكم إداري على جزء من مدينة القدس. هي "تنازلات" تراها الأنظمة العربية المتواطئة تاريخيا مع الامبريالية الأمريكية حيوية لتلميع صورتها وإخراجها من حالة الحرج التي طالما رافقتها على مرّ التاريخ وأوقفتها عارية أمام الجماهير العربية. من أجل هذا فهي تؤكّد أنها لن تحضر المؤتمر ما لم يحصل اتفاق حول بعض القضايا التي تعتبرها جوهرية، اتفاق لا يخلو من "إيجابيات" ولو جزئية تسمح بالدفاع عنه وينهي حالة سببت على مدى عقود وجع رأس بالنسبة لها وكانت مصدر توتّر داخلي يشتّد ويخفت بحسب درجة حدّة الصراع مع العدو الصهيوني في الأراضي المحتلّة.

من جهتها تحاول سلطة محمود عباس في الضفة الغربية السير على نفس النهج بحكم ارتباطها بالأنظمة المتواطئة مستفيدة هي أيضا من الوضع الذي تعيشه الامبريالية الأمريكية عربيا وعالميا  إلا أن قدرتها على المناورة وعلى فرض بعض شروطها محدودة بسبب الموقف الذي وضعت فيه نفسها من خلال تفجير الصراع مع حماس وبلوغ نقطة اللاعودة في العلاقة معها على الأقل في الوقت الراهن. هذا الصراع الذي تغذيه أمريكا والكيان الصهيوني من خلال تقديم "هدايا" هي عبارة عن رشاوى في شكل مساعدات مالية وتدريب عناصر الشرطة وتجهيزات أمنية وإطلاق سراح بعض الأسرى.

وفي الطرف الآخر من اللعبة يحاول الصهاينة بدورهم الاستفادة من الأوضاع القائمة في الساحة الدولية وفي الساحة الفلسطينية فيبدون تمسّكا برؤيتهم الخاصّة وهي رفض التنازلات المتعلّقة بالقدس والحدود والمياه وحقّ العودة ورفض إدراجها في جدول أعمال المؤتمر. هو رفض يدرك الصهاينة إمكانيته نظرا لحاجة الامبريالية الأمريكية لوقفة إسرائيلية حيوية في صورة شنّ العدوان على إيران، كما أن تجربة الصهاينة المريرة في حرب جويلية 2006 في لبنان والتي اعتبرها الكثير منهم حربا أمريكية بالوكالة ضدّ إيران على الأراضي اللبنانية أسفرت عن اهتزاز صورة الكيان الصهيوني في العالم وخلقت نتائج وخيمة يعاني منها العدو إلى يومنا هذا وبالتالي أصبح الصهاينة أكثر عزما على عدم الارتهان المطلق للحسابات الأمريكية الصرفة وأكثر عزما على توظيف اللوبي الصهيوني للإفلات من كل الضغوطات التي يمكن أن تمارسها إدارة الرئيس بوش في سبيل تقديم " التنازلات" المطلوبة لتمرير الاتفاق وإنهاء حالة الصراع . تقول كونداليسا رايس يوم 5 أكتوبر 2007: "إنني متفائلة بنجاح المؤتمر في إزالة الصراع نهائيا". كل هذه المعطيات الموضوعية والتجاذبات المحكومة بمصالح الأطراف لا توفّر إلا عواملا لفشل المؤتمر المؤامرة. هذا الفشل يمكن أن يشكّل صفعة على وجوه أطرافه وفرصة للعودة القوية إلى ممارسة الصراع مع العدو عبر توحيد الصفوف وتجاوز حالة التآكل استنادا إلى برنامج وطني وعبر تصعيد المقاومة التي خبرها الشعب الفلسطيني وتكيّف معها وأصبحت جزءا من حياته ونمط عيشه باعتبارها خيارا مشروطا بوحدة الفصائل رغم كلّ المآخذ والتحفظات التي نبديها تجاه أي فصيل لا يدرك حجم الأخطاء التي يرتكبها في حقّ القضية الفلسطينية كلما حاد عن المسار الوطني أو عن حقيقة الصراع  مع العدو.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org