|
"الإرادة" الإقتصاديّة |
|
العدد الرابع أكتوبر 2007 لمحة عن سياسة القروض البنكية المتأمّل في تطوّر القطاع البنكي يلاحظ تغيرا هاما في سلوك البنوك تجاه المقترضين. ففي مجال قروض السكن مثلا يلاحظ أن نسبة الفائدة الموظّفة على هذا النوع من القروض تمتاز بإرتفاع مشطّ مقارنة مع ما هو موجود في العديد من البلدان حتى الرأسمالية الكبرى منها ، فالبنوك التونسية توظف نسبة 8,85 % ويمكن أن تصل إلى 11,84 % على قروض السكن (إقتناء سكن، بناء مسكن، أو شراء أرض صالحة للبناء) علما وأن سعر الفائدة العادي ارتفع من 8,85 % بداية من 01/07/2007 بعد أن كان 8,5 % في موفى جوان من نفس السنة والحال أن نسبة القرض السكني لا تتجاوز 4 % في العديد من الدول . هذه النسبة تثقل كاهل المقترض ويرتفع حجم الفوائض بالتمديد في مدّة إرجاع القرض وهذا يعني أن التمديد في مدة إرجاع القرض ليس رحمة للمقترض بل نقمة عليه، ارتفاع نسبة الفائدة وتراجع دخل المواطن وتدهور مقدرته الشرائية والركود الذي يشهده قطاع البناء كلها عوامل تفسّر تراجع نمو قروض السكن من 13,4 % عام 2005 إلى 9,8 % سنة 2006، ومقابل ذلك عرفت قروض الإستهلاك ارتفاعا ملحوظا بنسبة 25 % من حيث الحجم خلال عام 2006 مقارنة مع 2005 كما انخفضت نسبة الفائدة من 10,39 % إلى 10,34 % . إرتفاع قروض الاستهلاك يفسّر بحاجة المقترض للمال نظرا لتدهور وضعه المادي هذا بالنسبة لصنف من المقترضين كما يجب تفسيره بإنتشار ثقافة الإستهلاك بين المواطنين عموما والتي تشجع عليها البنوك نفسها . أمام تراجع الإستثمار في القطاعات الإقتصادية طافت تبحث عن بدائل لضمان تحقيق أرباح لها فوجدت في الحث على قروض الإستهلاك وتسهيل إسنادها أحد الحلول الذي يمكنّها من سدّ النقص في الفوائض التي كانت تحصل عليها من القروض المسندة في قطاع الإستثمار . القروض الإستهلاكية بالنسبـة للبنوك لها مردودية عالية (نسبة فائض من 10,34 % إلى 13,78 % ) وتسند عادة لأشخاص يوفرون ضمانات وتسمح للبنوك بأن تقتطع كامل الفوائد عند حصول المقترض على القرض ومن مبلغ القرض نفسه. فمثلا عندما يسند بنك قرضا لشراء سيارة بمبلغ 18600 يقع تسديده على 5 سنوات يربح البنك قرابة 5600 دينار بعنوان فوائض وعمولة . تشجييع قروض الإستهلاك (لشراء السيارات وللقيام بالرحلات الخ ...) من شأنه أن يساهم في إرتفاع نسبة التضخّم المالي، ويمكن أن يضرّ بالمقترض نفسه خصوصا وأنه لا يوجد هيكل يراقب تداين العائلات في بلادنا . هذه القروض ولأنها تشجع على الاستهلاك تغالط المراقب للأوضاع إجتماعية اذ أنها تعطي الإنطباع بأنّ المواطن في تونس تمكّن من الحصول على مكونات '' الرخاء '' لكنّه رخاء '' بالطلوق '' مائة في المائة يخفي حقيقة مرّة متمثلة في أن شريحة المواطنين أصبحت تعيش دون مراعاة لإمكانيتها الحقيقية وتحت ضغط تسديد القروض. مجتمع الإستهلاك ليس له مستقبل كما أن إقتصاد الإستهلاك لا يمكن أن يطوّر البلاد إذا لم يتطوّر قطاع الإنتاج الوطني . المطلوب إذن مراجعة القروض البنكية مراجعة جذرية ومقاومة ثقافة الإستهلاك التي تقف على نقيض الإدخار الذي من شأنه أن ينمي الإستثمار. |