"الإرادة" الوطنيّة

العدد الثالث جويلية-أوت 2007

المعارضة السياسية في تونس و فن الممكن السياسي في ظل الأوضاع القائمة

إذا كانت السياسة هي فنّ الممكن و إذا كان هذا الممكن متوفرا في الواقع الملموس و ليس في مستوى الذهن الافتراضي فانّ السياسة تصبح فنّا قائما لصياغة التحالفات السياسية الممكنة والتي تلبي ضرورات اللحظة التاريخية في بعديها الزماني والمكاني بعيدا عن تسطيح الواقع أو التحليق فوقه ...وحتى نجعل من الكلمة قوّة فاعلة في الواقع علينا بالتوجّه إلى هذا الواقع والفعل فيه......نودّ الحديث عن واقعنا السياسي الآن وهنا أي في هذه الفترة الزمانية وتحديدا هذه السنة 2007  وفي هذا المكان أي في تونس ...ونودّ التطرّق إلى موقف المعارضة السياسية من السلطة الحاكمة ومن بقيّة مكونات المشهد السياسي القائم وكيف تتفاعل مع الممكن السياسي وكيف تصوغ تكتيكاتها وتحالفاتها.

يتّسم الوضع السياسي في تونس مثلما هو الشأن في بلدان عدة بالتعقيد حيث يصعب تفكيكه وتحليله  بيسر فمن ناحية يجري الحديث في الآونة الأخيرة عن إجراءات متخذة من قبل السلطة الحاكمة يمكن أن تؤدي إلى انفراج سياسي محتمل ويتمّ ذكر جملة من المؤشرات الدالة تتعلق بالإفراج عن الأموال المجمدة لفائدة جمعية "النساء الديمقراطيات"...وعن تمكين "فرع منظمة العفو الدولية"...من عقد جلسة عامة ب"بورصة الشغل"على اثر لقاء مع السيد " منتصر الرويسي"...وعن لقاء هذا الأخير مع السيد "مختار الطريفي"عن الرابطة التونسية لحقوق الإنسان و عن تمكين بعض المعارضين من جوازات سفر وعن غضّ النظر عن أنشطة سياسية مختلفة لمعارضين دون التعرض لهم ...هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يقلل البعض من شان المؤشرات المذكورة أعلاه ويعتبرون إن المؤشرات الدالة على تشدّد السلطة وانغلاقها وهم ويذكرون ما تتعرض له الرابطة من ضغوطات على مقراتها ومنع لأنشطتها (ما جدّ بالقيروان أخيرا)...كما يذكرون الإيقافات ذات العلاقة بملف "الدعوة والقتال" وما تعرض له بعض النقابيين من قطاع التعليم الابتدائي أخيرا (أحداث القصرين) ...فهل نحن إزاء مزيد من الانغلاق والتشدّد أم نحن بصدد بداية انفراج سياسي ربما بمناسبة الإعداد لعشرينية  7/11 ... وفيما يتعلّق بالمعارضة السياسية فإننا إزاء تعقيدات من نوع آخر حيث تتضارب المواقف في صلب الحزب الواحد وتبدو أحيانا التحالفات غير مستساغة ولا تجد لها تفسيرا إلا في الارتباك السياسي الذي تتصف به بعض الأحزاب في الساحة السياسية فإذا اعتبرنا أحزاب "اللقاء الديمقراطي"أحزاب موالاة للسلطة هي في قطيعة مع المعارضة الفعلية فان هذه الأخيرة تتشكل في توجهين كبيرين ...تكتل 18/10 والائتلاف الديمقراطي التقدمي والأطراف غير المنظمة والشخصيات السياسية المستقلة ذات العلاقة بهذا التكتل أو ذاك...

ويمكن حصر الاختلافات بين هذين التوجهين في المسائل التالية:

1-       استقلالية القرار السياسي للمعارضة عن السلطة وعن الدوائر الأجنبية

2-       تقدمية المشروع السياسي للمعارضة فيما يتعلق بالقضايا الكبرى على غرار المساواة التامة بين الجنسين وتوطيد أسس العمل السياسي المدني بعيدا عن أي توظيف للدين في السياسة و دون نكوص وارتداد.

3-       ترسيخ المشاركة الشعبية في العمل السياسي للمعارضة

4-       ضرورة العمل المشترك في صلب تحالفات ممكنة وفاعلة

ولئن كان أغلب الفاعلين يعلنون التوافق حول عديد المسائل فإنهم يتبادلون التهم فيما بينهم حول عدم احترام هذا الطرف أو ذاك لها إلا أن المتتبع للشأن السياسي في تونس يمكن أن يلاحظ الاختلافات بجلاء فبالنسبة للمسالة الأولى ذات العلاقة باستقلالية القرار السياسي للمعارضة فان تكتل 18/10 لا يرى مانعا في تحمل الدوائر الأجنبية مسؤولياتها للضغط على السلطة في تونس من اجل إحداث التغيير المنشود وفي هذا الإطار يندرج تحرك "إضراب الجوع" الذي تزامن مع عقد قمّة المعلومات بتونس...أما التوجه الثاني والمتمثل في مكونات الائتلاف الديمقراطي فان بعض الأطراف فيه ترفض رفضا تاما الارتباط بالدوائر الأجنبية (الدول الكبرى والمنظمات الممولة من قبلها في إطار مشروع الدمقرطة و الإصلاح في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا)

على غرار حزب العمل و الاشتراكي اليساري بينما يرى غيرهم إمكانية التنسيق وتبادل الآراء مع بعض هذه الأطراف الأجنبية (سفارات مثلا )إذا كان ذلك في مصلحة المعارضة ودون التدخّل في شؤونها.

أما بالنسبة للمسالة الثانية وهي المعارضة تحت راية التقدم فان تكتل 18/10 يعتبر نفسه معنيا بهذه المسالة حيث أن الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يعدّ العمود الفقري لهذا التكتل يورد هذا المبدأ في اسمه وفي ذلك  دلالة واضحة ولذلك سعى هذا الحزب إلى ضمان انخراط النهضويين في صياغة "وثيقة المرأة" ولكن تمّ ذلك على مضض بل واعتبره قياديون في الديمقراطي التقدمي من قبيل المطاردة الفكرية للنهضويين هؤلاء الذين وضحوا موقفهم من مثل هذه المسائل بمناسبة انعقاد مؤتمرهم الأخير بلندن حيث أكدوا تمسكهم "بما هو مضمن في النصوص الشرعية القطعية ...".ويعتبر بعض قيادات الديمقراطي التقدمي هذا القرار تمسكا بالمنهج الأصولي (انظر المقال بعنوان"أجندا "النهضة" وأجندا المعارضة الديمقراطية متباعدان" الموقف عدد 412 )إذا هناك اخذ ورد بشان هذه المسألة في صلب 18/10 ...ويرد هذا المبدأ كذلك في اسم الائتلاف الديمقراطي التقدمي وتتمسك مختلف مكونات الائتلاف بهذا المبدأ ولا تقبل التنازل عنه وتعتبره علامة بارزة في تحديد هويتها بل ويتهمهم البعض بالمبالغة في تبني المساواة التامة بين المرأة والرجل دون قيد أو شرط...

أمّا بالنسبة للمسالة الثالثة فان الاختلاف بين التوجهين كبير وهو اختلاف تكتيكي بالأساس فتكتل 18/10 يولي أهميّة قصوى للفعل النخبوي وما تحرّك "الإضراب النخبوي" إلا تكريس لهذا التكتيك ويبرّر أصحاب هذا التكتيك اختيارهم له بانعدام المشاركة الشعبية ولا مبالاة أوسع أبناء الشعب بالشأن السياسي حيث مازال المواطن التونسي "يعاني في بلادنا من حالة إحباط مزمنة ...ولّدت لديه شعورا بعدم الجدوى بل بضرر الانخراط في أي شكل من أشكال المعارضة السياسية للسلطة..." (الموقف...عن السيد نجيب الشابي عدد410) كما أن مختلف مكونات هذا التكتل تتبنى مثل هذا التكتيك الاستعراضي سواء تعلق الأمر بالشأن السياسي الصرف أو في المجالين الحقوقي والنقابي حيث نلاحظ ميل البعض للعمل الفردي البطولي اللافت للنظر نيابة عن بقية المعنيين بذلك الأمر ومع احترامنا لجميع المعارضين إلا أننا نرى أن الاقتصار على العمل النخبوي لا يكرّس إلا النزعة البطولية الفردية التي تخلف الحالات الزعاماتية المتكبرة والمتعالية على الجميع نخبا وجماهير...وحول هذه المسالة يرد موقف الائتلاف واضحا لا لبس فيه حيث يحتل مبدأ المشاركة الشعبية في الشأن السياسي مكانة بارزة ولو استدعى ذلك وقتا طويلا(انظر –الطريق الجديد-عدد مارس 2006 ) فالتغيير الديمقراطي أما أن يكون شعبيا أو لا يكون ومع أهمية دور النخب المناضلة إلا أن الكلمة الحاسمة يجب أن تكون للشعب وفي هذا المستوى تتنزّل أهميّة الاقتراع العام وأهمية المشاركة الشعبية في الانتخابات والإدلاء بالأصوات ولتحقيق ذلك لابد من إصلاحات دستورية مؤكدة ولابد من تنقيحات في المجلة الانتخابية حتى تتوفر الشروط الضرورية لانتخابات حرّة ...وتفعيلا لمبدأ الاقتراع العام أسلوبا للتغيير الآن وهنا لابدّ من صياغة تحالفات قوية ومبدئية على أرضية المبادئ المشار إليها أعلاه...

وحول مسالة التحالفات ذات الأهمية في الشأن السياسي فان التباين بين التوجهين واضح وجلي فتحالف 18/10 ضمّ أطرافا يصعب الجمع بينها من قبل وتشكّل على أرضية هي حقوقية أكثر منها سياسية وهي ما عبر عنه بعضهم "بالسميق الديمقراطي" ثمّ تحوّل إلى حلف سياسي بصدد تشكيل "عهد ديمقراطي" لكن هذا الحلف يشكو من تناقضات داخلية ظهرت على السطح بمناسبة "ندوة القاهرة" انظر الموقف عدد407 حيث عبر القوماني عن انحراف هيئة 18/10 عن برنامجها الأصلي وتحوّلها إلى هيئة تعمل على إحداث القطيعة مع الحكم وهو ما لا ينسجم الآن مع أجندة الإسلاميين عموما وجماعة النهضة بالخصوص(باستثناء جماعة الدعوة والقتال)...وتتمثل هذه الأجندة  الآن في التهدئة والمصالحة مع السلطة بعيدا عن أية توترات واحتقانات واردة بينما يدفع البعض الآخر من داخل هذا التوجّه إلى التصعيد والمواجهة ...أما التحالف الثاني فانه تشكّل على أرضية المبادئ المشار إليها أعلاه وهو لم يحل كما يتصور البعض بل مازال قائما وسوف يستأنف نشاطه ما إن تنتهي حركة التجديد من عقد مؤتمرها وينتهي حزب العمل والحزب الاشتراكي اليساري من ترتيب الأمور داخل حزبيهما علما وان هذين الحزبين بصدد الإعداد لوثيقة عمل مشترك فيما بينهما تحت راية اليسار الديمقراطي الموحد وسوف يكون لهما برنامج مشترك للنضال في الفترة القادمة

وإذا كانت السياسة فنا للممكن فإنها كذلك تعبير عن الاقتصاد أي تعبير عن الأوضاع الاقتصادية القائمة وفي هذا المستوى يعبّر الوضع الاجتماعي المتحرك عن صعوبات كبيرة في الأداء السياسي للسلطة بهذا الشأن فتفاقم البطالة من ناحية وارتفاع الأسعار المشط من ناحية ثانية إذا أضفنا لهما تداعيات الخوصصة على التشغيل وعلى الأسعار بالنسبة لسلع المواد أو الخدمات المخوصصة..فإننا نفهم سبب الحراك الاجتماعي الواسع وحيث نشدّ على أيدي الشغيلة المناضلة ونقف إلى جانبها دون حسابات ضيقة إلا إننا ندرك أهمية المكاسب المحققة وبالتالي فإننا نهنئ كل قطاع توصل إلى تحقيق مطالبه أو جزء منها لان في ذلك دليل على جدوى النضال وعلى أهميته ونرفع عاليا راية النضال النقابي المستقل في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل من اجل مستقبل أفضل للشغيلة بعيدا عن التوظيف السياسي الضيق للنضال النقابي حتى لا نكرس حالات الفوضوية النقابية أو التعويض النقابي للفعل السياسي ...وفي هذا المستوى أيضا يختلف المعرضون كل طرف ينظر إلى الواقع من خلال مرجعياته الخاصة ووفق استراتيجياته المحددة. فهل تظل التحالفات القائمة ثابتة غير قابلة للتبدل أم أنها لن تصمد أمام التغيرات الجارية...وأي مستقبل للمعارضة التونسية ...في أفق استحقاقات 2009 القادمة....

أبو علي   تونس 07/07

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org