"الإرادة" العربيّة

العدد الثالث جويلية-أوت 2007

الوطن العربي بين: المقاومة الوطنيّة الصامدة والحرب الأهليّة المدمّرة

بعد أربعين سنة من هزيمة 6 جوان 1967، وفي ذكراها المرّة انفجر الاقتتال الفلسطيني بين حركة حماس وحركة فتح في وقت لم تنقطع خلاله جرائم الصهاينة قتلا وتنكيلا بالفلسطينيين في الضفة الغربية وغزّة على السواء.

ويكاد المشهد نفسه يتكرّر في مختلف ساحات المواجهة في كل من الساحة العراقية واللبنانية، فمع تصعيد المقاومة ضدّ الاحتلال الأمريكي وتصاعد الخسائر البشرية والمادية في صفوف الغزاة وتنامي الضغوط العالمية والمحلية في المجتمع الأمريكي المندّدة بتواصل الحرب والمطالبة بالانسحاب الأمريكي من العراق والذي أدى إلى استقالة وزير الحرب رامسفيلد وتراجع نفوذ صقور المحافظين الجدد في ظلّ كل ذلك انفجرت أكبر جرائم الاقتتال الطائفي بين أبناء الشعب الواحد في العراق بتفجيرات متزامنة ومتبادلة بين المناطق الشيعية والسنية.

من الكاظمية والأعظمية في بغداد إلى البصرة جنوبا والموصل شمالا في ذات الوقت التي تتواصل فيه غارات الغزاة البريّة والجويّة وقصفهم للمدنيين في إطار خططهم الأمنية المتعاقبة التي تنفذ بتنسيق بين جيوش الاحتلال والحكومة العميلة.

ويكاد شبح الاقتتال يتكرّر في لبنان، ففي الوقت الذي يتطلع فيه أبناء الشعب لرصّ الصفوف في مواجهة تحرشات الاحتلال واستعداداته المعلنة للحرب ضدّ كلّ من سوريا ولبنان بإجراء مناورات متكرّرة بالذخيرة الحيّة والتدرّب على مواجهات منتظرة تعدّل من خسائره المعنوية والمادية التي انتهت إليها حرب صائفة 2006 في تلك الظروف انفجرت المواجهات في مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وعناصر مسلحة مما يسمى بـ "فتح الإسلام" سرعان ما امتدّ شرارها إلى مخيم عين الحلوة ـ وبعض مناطق طرابلس، بل طالت بعض التفجيرات مناطق أخرى في بيروت، ومرة أخرى يطلّ شبح الاقتتال برأسه ليغطى واقع المقاومة وتستبدل فيه مواجهة العدو الامبريالي والصهيوني، بالتقاتل بين فئات الشعب المضطهد تحت عناوين طائفية مدمرة لوحدة الصف الوطني.

يحدث كل ذلك رغم أن الشعب لم يفقد صموده ولم يفقد قدرته على العطاء ولم يستسلم لأعدائه من امبرياليين وصهاينة وعملاء. فما الذي تغير إذن فأوصل الأوضاع العربية إلى هذا الحد من التردي؟

ما من شكّ في أن الأمة العربية قد عاشت ومازالت تعيش مخاضا حضاريا عسيرا بكل مكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأنها ظلت تكافح منذ ما يزيد عن القرن من أجل تحررها من الهيمنة الامبريالية وبناء وحدتها وتقدمها الاقتصادي والاجتماعي والقضاء على مظاهر التخلف السياسي ببناء كيان موحّد وتقدمي على أسس مدنية حديثة.

غير أن هذا الهدف اصطدم بعراقيل كبيرة أولها المناهضة للاستعمارية لهذا المشروع الذي كان يهدد مصالح الدول الامبريالية الراغبة في الاستحواذ على خيرات المنطقة ومقدراتها. وفي طليعتها النفط والموقع الاستراتيجي.

وثانيها التكالب الرجعي المحلي للطبقات السائدة والتي كانت ترى في المشروع التحرري التحديثي كنسا لها ولمصالحها.

ولقد وظفت الامبريالية العالمية المشروع الصهيوني والذي انتهى بإقامة كيان استيطاني عنصري على أكثر من نصف فلسطين التاريخية بعد هزيمة 48 وتشريد أصحاب الأرض وشكل ذلك الكيان قلعة متقدمة للامبريالية العالمية في المنطقة وضمانة لتأبيد التجزئة والتخلف.

ولكن المقاومة الوطنية الشعبية لهذا الوضع لم تفتر بل كان لنكبة 48 انعكاسات حاسمة على موقف الجماهير من القوى الاستعمارية الحامية للعدوان الصهيوني، ومن الأنظمة الفاشلة في مواجهته. وترافق ذلك مع حركة مدّ عالمي صاحبت هزيمة النازية والفاشية وصعود المعسكر الاشتراكي الحليف الاستراتيجي لحركات التحرر الوطني التي اكتسحت أغلب مواطن الاستعمار القديم.

وأفضى ذلك لطرد الاستعمار المباشر من كل الأقطار العربية مشرقا ومغربا وتجدد الأمل في بناء كيان عربي موحد على أسس وطنية وتقدمية حداثية وكانت الفترة الممتدة بين خمسينات وستينات القرن الماضي فترة حافلة بالمعارك الوطنية، وبالإنجازات التحررية التي كان محورها التصدي للنفوذ الامبريالي والصهيوني في المنطقة وحشد الطاقات لتحقيق نقلة حاسمة في بنية المجتمع وشكل الدولة الحديثة الجديدة، وانجاز التنمية الوطنية الشاملة. كل كذلك لم يتحقق لعدة أسباب ليس هنا مجال شرحها ولكن أهمها ضعف الطابع الطبقي التقدمي والديمقراطي في تلك التجارب. وكانت هزيمة جوان 67 ضربة قاسمة لهذا المشروع قيادة وأهدافا.

ورغم محاولات الصمود وتطور مظاهر المقاومة الشعبية، فإن مرحلة من الجزر بدأت تتبلور انتهت باستسلام السادات وخروج النظام المصري من المواجهة بتوقيعه لاتفاقيات كامب ديفد وعادت موجة النفوذ الامبريالي والأمريكي للتفوق إزاء تقهقر المشروع الاشتراكي اليساري والوطني التحرري في المنطقة، واستنهضت الحركات الأصولية والتيارات الرجعية على اختلاف مشاربها لملئ الساحة. واستبدل تدريجيا الخطاب التقدمي، بخطاب رجعي مستتر بالدين يستبطن المعاني التكفيرية والطائفية. ولقد غذت الامبريالية الأمريكية ذلك وشجعته في كل الساحات ووظفته في معركة الهيمنة العالمية في أفغانستان والخليج وفلسطين ولبنان وبلدان المغرب العربي.

لقد كانت الحركات الدينية ذات الطابع السلفي تستبدل الانتماء الوطني بالانتماء الطائفي حليفا ثابتا للاستعمار الأمريكي في مواجهة اليسار الاشتراكي وقوى التحرر الوطني، وانتهت الأوضاع إلى إخضاع لكامل المنطقة للنفوذ الأمريكي في ظل النظام العالمي الجديد والعولمة الامبريالية. وطرحت الإدارة الأمريكية مشاريع للهيمنة متطورة ومتناسبة مع متطلبات المرحلة عنوانها الأبرز مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا في مواجهة مشاريع أوروبية مرافقة ومنافسة من آخرها مشروع الاتحاد المتوسطي الفرنسي، والتي لا يخرج مدارها عن نهب ثروات المنطقة وإخضاع شعوبها حتى وإن كان ذلك لا يتأتى إلا بالاستعمار المباشر (مثلما هو الشأن في العراق ممارسة وتهديدا والاستعمار الاستيطاني( في فلسطين والجولان) وإدامة دوامة الحرب وممارسة الهيمنة على المقدرات الاقتصادية والسياسية للمنطقة من خلال دعم قوى طبقية وسياسية متحالفة مع الامبريالية الأمريكية والأوربية.

وفي هذا الإطار تأتي المراهنات على القوى المروّجة للفكر الطائفي الذي يمثل مدخلا لتفتيت الصف الوطني، وتلغيم قوى المناهضة الشعبية للاستعمار والصهيونية وتحويلها للاقتتال بدل مواجهة المحتل وهذا ما يحتم على القوى التقدمية والوطنية وعلى قوى اليسار تحديدا أن تنهض بواجب بناء الذات والإسهام الفاعل في النضال الوطني من منطلقات تقدمية وديمقراطية تناهض الهيمنة الامبريالية وتتصدى للتخلف الطائفي خاصة في ظل ظروف تشهد نوعا من عودة الانتعاش لقيم التحرر والتقدم واستعداد فئات واسعة من الجماهير للمساهمة في معارك التحرر والعدل الاجتماعي.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org