"الإرادة" الدوليّة

العدد الثالث جويلية-أوت 2007

أمريكا الجنوبية المتمردة ـ الحلقة 3 : أراضي فينيزويلا الموعودة لمزارعيها

بالرغم من العراقيل التي وضعتها المعارضة فإن تنفيذ العديد من الإجراءات المنتظرة من طرف الشعب ابتداء بالحملة الواسعة لتعليم الأمين وصولا على الإصلاح الزراعي المهم، زاد من دعم الطبقات الشعبية للحكومة البوليفارية بقيادة شافاز.

قال احد مزارعي فينزويلا: إني فلاح بلا أرض  إن لي قطعة أرض لكن في المقبرة. إنه عهد ما قبل الثورة حيث يعتقل ويسجن كل مزارع يستغل أرضا مهملة. إنه زمان يتقاضى فيه العامل الفلاحي أجرا زهيدا قيمته 1.69 أورو. وفي قطع أرض مساحة كل واحدة منها هكتارا، يزرع لفلاحون آخرون الذرة التي لا تكفي لسد رمقهم لكن الجوع لا ينتظر، ففي 14 أكتوبر 2000 استحوذ السيد فسكاز برفقة 25 رجل وامرأة على قطعة أرض منسوبة لشركة خفية الاسم "التاج البريطاني" فطلبت منهم الحكومة تقديم شهادة ملكية، فلم يقوموا بذلك لأنها ببساطة أراضي دولية.

ولكن البحث الذي أجراه المعهد الوطني للأراضي وفق قرار صادر عن الرئيس شافاز ثبّت حوزة الأرض لهؤلاء الفلاحين. ومنذ ذلك التاريخ أسند جزء من ملكية هذه الأراضي إلى 800 عائلة مجتمعة في 24 تعاونية، وفي مدة وجيزة أصبحت حقول الذرة والفول والخضر والمانيوك تحيط بالمدرسة التي شيدها المزارعون بأنفسهم من اللوح. كما بنوا بأنفسهم الجسور المؤدية إلى المنطقة فتراهم ينظرون باعتزاز للجرارات والشاحنات المارة التي تحصّلوا عليها بفضل القروض المسندة من الحكومة. وقال السيد جوزي فسكاز: لقد جنينا في السنة الفارطة 2 طن من الذرة، ونأمل بلوغ 6 أطنان هذه السنة وأكثر في المستقبل. إن الناس ينتجون ويوفرون غذاءهم بصدق إنه تحوّل رائع.

وبتآمر مع السلط السابقة استحوذ ملاكو الأراضي على ملايين الهكتارات لكن فينيزويلا بقت تستورد 70 بالمائة من غذائها.

وحسب آخر إحصاء فلاحي لسنة 1988 فإن 70 بالمائة من الأراضي الخصبة الجيدة توجد بين أيدي 20 بالمائة من الملاكين أصحاب أكثر من هكتار وفي المقابل 75 بالمائة لا يملكون سوى 6 بالمائة من المنتجون القرويون ليس لهم أي عقد ملكية للأراضي التي يستغلونها.

وعلى سبيل المثال إن ملاكي البيرة (بولار) ثاني صناعة في البلاد بعد البترول يستوردون كل حشيشتهم من الولايات المتحدة. كما إن فينيزويلا تنتج جزءا كبيرا من الذرة التي تستهلكها لكن الذرة المعلبة تأتي من الخارج. إنها لمفارقة عجيبة ! فإذا كانت هذه الوضعية تزيد من ربح عمالقة التوريد والتوزيع فإنها أضرت بالشرائح الأكثر فقرا وخاصة المنتجين الصغار، وحكمت على مئات الآلاف من المزارعين بالبطالة. في 13 نوفمبر 2001 أعلن الرئيس شافاز عن قانون جديد للأراضي الغاية منه معالجة انعدام العدالة الاجتماعية وتطوير الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي لفينيزويلا. إن هذا القانون لا يمس إطلاقا الضيعات المستغلة لكن يسعى لوضع حد للأراضي المهملة وغير المنتجة بإقرار أداء عليها أو انتزاعها ومنع أن يمتلك شخص واحد مساحة أكبر من 5000 هكتار. كما يعمل نفس القانون على استرجاع أراضي الدولة التي وقع الاستحواذ عليها بصفة لا قانونية وتوزيع كل هذه المساحات على الفلاحين وتشجيع تكوين التعاونيات الزراعية لكن بدون فرضها.

وفي 08 ديسمبر 2001 ترك أكثر من 20 ألف مزارع ضيعاتهم وركبوا الحافلات والشاحنات ليزحفوا على العاصمة كاراكاس ويجوبوا شوارعها بثيابهم الوسخة ولحيهم الكثة وعضلاتهم القوية احتفالا بالحدث، "الأرض" صرخة مدوية سمعت في النهاية وعقبها العديد من مظاهرات الدعم والتأييد للثورة البوليفارية... وبهذه الإصلاحات الراديكالية دخلت الثورة في صلب الموضوع.

كما دخلت كذلك في مواجهة بلا رحمة مع المعارضة إذ أعلنت منظمة أعراف فينيزويلا وجمعية مربي الحيوانات "إن قانون الأراضي الجديد يتسم بتدخل كبير للدولة في الاقتصاد وبالتأميم ولا يعترف بحق الملكية الذي هو حق أساسي للإنسان... كما أن فرض ضريبة على الأراضي المهملة إجراء لا دستوري وينم عن خلفية شيوعية..".

واستنادا لنفس الحجج أعلنت كنفدرالية عمال فينيزويلا، المنظمة العمالية الأكثر فسادا أول إضراب عام يوم 10 ديسمبر 2001 تبعته محاولة انقلاب في 11 افريل 2002. لقد دقت طبول الحرب في فينيزويلا. لكن الشعب هب لحماية الرئيس شافاز الذي انتخبه وليدافع عن البرنامج الوطني الديمقراطي الذي اختاره بكل حرية. إن صمود الشعب في غاية التنظيم، فالسد "جوزي بنمتيال" كان الرجل المكلّف بتعبئة الحافلات والشاحنات بالأنصار كلما كان هناك تنقل نحو العاصمة كاركاس لدعم الرئيس.

إن الديمقراطية هي ميزة الثورة البوليفارية فهي لم تقطع الرؤوس ولم تطارد المعارضين. إنها نقطة عظمتها وفي نفس الوقت نقطة ضعفها ففي 06 فيفري 2003 تنقل الرئيس شافاز إلى أراضي تعاونية "جاكوا" عبر الطريق الجديدة وسلم ثلاث جرارات وقرض قيمته (390000أورو) إلى 500 مزارع قد استحوذوا على هذه الأراضي المهملة من طرف ملاكي الأراضي الكبار. لكن بعد 7 أشهر يقول أحد المزارعين "إن قائدنا يتصور أن كل شيء على ما يرام. لقد وقع إخفاء الأرقام الحقيقية عليه. لا أحد يقول له الحقيقة. هنا لم يقع استغلال 500 بل 15 هكتار فقط" وقد أكد المعهد الوطني للأراضي هذه الصعوبات وأعطيت تعليمات لتجاوزها من الرئيس مباشرة. فالحكومة لم تعمل على توزيع الأرض فقط بل كذلك الآلات والقروض وتوفير البنى التحتية المتطورة والمنازل والمدارس ومراكز الصحة. لكن الهياكل البيروقراطية والموظفين الذين هم أعضاء في الأحزاب القديمة منذ حوالي عشرين سنة يقومون بكل شيء لعرقلة هذا المسار الجديد للتنمية.

لكن لأول مرة يجتمع المزارعون في مساكن الطين وينتظمون ويقرؤون القانون لمعرفته.  إنهم يدركون أن لهم حقوق، ولمواجهة المصاعب وتأخير الإجراءات الجديدة يردون الفعل بطريقة سياسية. إذ قال أحدهم في أحد الاجتماعات لرفاقه " لا تسقطوا في الاستفزاز يجب أن نناضل بعقولنا إن القانون هو سلاحنا".

ولإجهاض المسار الديمقراطي توجد عصابات منظمة ومجموعات قتل وتصفية جسدية ممولة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وملاك الأراضي الإقطاعيين أساسا في ولاية زوليابار يناس وتأشيرا ابيرو قاموا باغتيال 130 مزارعا سنة 2006.

وبالرغم من هذه الجرائم وبالرغم من سفك الدماء، يتجاوز الحماس الثوري الخيال في هذه السهول الشاسعة أين تعانق الأرض السماء وأين نسمع دعما لا يلين "للرئيس القائد هيقو شافاز" ففي كل مكان يتحدث الناس عن الذرة والخضر والغلال والانعام والإنتاج والمدارس والمساكن الجديدة. ففي بداية سنة 2006 وحدها وزعت الدولة 2800000 هكتار من الأراضي على 130000 عائلة فلاحية. لكن لا أحد نسي أن أول إجراء للدكتاتورية الصاعدة على اثر انقلاب 11 أفريا 2002 ـ الذي أحبطه الشعب ـ كان شطب القانون الجديد للأراضي.

فالكل يتابع باهتمام الأزمة السياسية في البلاد حيث تسعى المعارضة بكل الوسائل لإخراج السيد شافاز من الحكم قبل أن يتمكن من تطبيق إصلاحاته على أرض الواقع وقال أحد المزارعين "إن سحبو من كل الحقوق الجديدة ستقع هنا حب أهلية".

·            المرجع

1-                الشعب ينقذ هيقو شافاز لومند ديبلوماتيك ماي 2002  (Hugo chavez sauvé par le peuple)

2-                روبرتو قيوستو الانيفرسال، كاراكاس 24 مارس 2003

3-                موريس لموان ـ لومند ديبلوماتيك ـ ديسمبر 2006

4-                فينيزويلا على عتبة تحول كبير ـ ارثير ازلاز بياثري

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org