|
ملفّ "الإرادة" |
|
العدد الثاني جوان 2007 فرنسا: التيّار الأطلسي انتصار "ساركوزي" في الانتخابات الفرنسيّة يمثّل منعطفا في تاريخ فرنسا الحديث اذ أنّه قد يطوي الصفحة الـ"ديغوليّة" التي صبغت بدرجات مختلفة السياسة الفرنسيّة منذ الحرب العالميّة الثانية و التي كرّست انتصار الائتلاف بين الديغولية والشيوعيّة على النازيّة و أسّست الخصوصيّة الفرنسيّة القائمة على نظام رأسمالي غير خاضع للتوجّهات الأطلسيّة و على مكتسبات إجتماعيّة جاءت كنتيجة لدور الحزب الشيوعيّ في مقاومة الإحتلال و الغطرسة النازيّة. فالرئيس الجديد معروف بتعاطفه مع غلاة المحافظين الملتفّين حول "جورج بوش" و الإدارة الأمريكيّة و بانحيازه للصهيونيّة و بتعلّقه بالتوجّهات الليبراليّة المتوحّشة و بقربه من الاحتكارات العابرة للقارّات و بميله للطرق الأمنيّة المتغطرسة. و سوف يعمل "ساركوزي" على تجميع كلّ القوى الأطلسيّة على اختلاف إنتماءاتها الحزبيّة لانجاز برنامجه المتمثّل على المستوى المحليّ في ضرب المكاسب الإجتماعيّة و حقوق العمّال و الشبيبة و المهاجرين و على المستوى الخارجي في تعزيز النفوذ الصهيوني و في ربط أوروبا و الوطن العربي و منطقة المتوسّط و افريقيا بركب القوى الأطلسيّة التي تقودها الإمبرياليّة الأمريكيّة. و سوف يعمل ما في وسعه ـ ضمن موازين القوى الداخليّة و ضمن الأوضاع الدوليّة المتميّزة بتراجع "جورج بوش" و اتباعه ـ لجرّ فرنسا للاصطفاف على غرار ألمانيا و بريطانيا وراء مواقف الإدارة الأمريكيّة بما فيها مشروع الشرق الأوسط الكبير. و لئن تراجعت أحزاب اليسار المناهض للعولمة الليبرالية فإنّه من المتوقّع أن تلاقي سياسة "ساركوزي" في الأشهر أو السنوات القادمة معارضة شديدة قد تؤدّي إلى هزّات و أزمات عميقة اذ أنّ الحركة الإجتماعيّة في فرنسا تستند الى تقاليد نضاليّة راسخة في التاريخ.
حكومة "مادام تاتشر" عيّن "ساركوزي" "فرنسوا فييون" وزيرا أوّلا و هو المعروف بدوره في تنقيح نظام التقاعد بما يلبي مطالب منظّمة الأعراف و غلاة التشدّد الليبرالي. و الملفت للانتباه في تركيبة الحكومة الجديدة هو تعيين الوزير الإشتراكي السابق "برنار كوشنر" وزيرا للخارجيّة. و "كوشنر" معروف بمواقفه الأطلسيّة و تعاطفه مع الحركة الصهيونيّة و ترويجه لحقّ التدخّل في شؤون بلدان العالم الثالث. و قد سبق له أن عمل مفوّضا للأمم المتّحدة في كوسوفو كما سبق له أن عرض خدماته على "جورج بوش" لتعويض "بول بريمر" في العراق المحتلّ. كما تمّ تعيين "ارفي موران" المنشقّ عن مجموعة "بيرو" وزيرا للدفاع. و بهذه الطريقة يسعى "ساركوزي" لتجميع القوى الموالية للحلف الأطلسي و لاختراق أحزاب المعارضة و اضعافها قبل الإنتخابات التشريعيّة و ذلك للحصول على أغلبيّة برلمانيّة مريحة تسمح له بإنجاز برنامجه الإنتخابي المتمثّل في ضرب المصالح العموميّة و المرافق الإجتماعيّة و تضييق الخناق على القوى التقدّميّة على غرار السياسة الحديديّة التي طبّقتها "مادام تاتشر" في بريطانيا.
من هو " ساركوزي" ولد "ساركوزي" بباريس سنة 1955. والده من أصل مجري، فرّ بلاده سنة 1944 عندما حرّر الجيش الأحمر السوفياتي المجرّ من الإحتلال النازي. و تطوّع والده ضمن "الفيلق الأجنبي" التابع للجيوش الفرنسيّة و عمل بالجزائر في "سيدي بالعبّاس" من سنة 1944 إلى سنة 1948. أما والدته فهي "أندري ملاّح" ابنة طبيب أصيل الجالية اليهوديّة باليونان اعتنق فيما بعد المسيحيّة. و له أخوان أحدهما "غليوم" الذي شغل منصب نائب رئيس منظّمة الأعراف الفرنسيّة بين سنتي 2000 و 2005 و الآخر "فرنسوا" هو طبيب و رجل أعمال. انخرط "ساركوزي" في العمل السياسي منذ صغره في سنة 1974 إلى جانب "شارل باسكوا" و "جاك شيراك" و "ادوارد بلدير". أصبح في سنة 1983 رئيسا لبلديّة " نويّي" الضاحية الباريسيّة التي يقطنها كبار رجال الأعمال و الفنّانين و الصحفيّين كما حصل على حقائب وزاريّة استراتيجيّة و هي حقيبة الميزانيّة و حقيبة الإقتصاد و الماليّة و الصناعة و حقيبة الداخليّة.
من صوّت لصالح "ساركوزي" أظهرت الدراسات أنّ "ساركوزي" حصل على أصوات : 1) المسنّين بنسبة 61 % من شريحة المتراوحة أعمارهم بين 60 و 69 سنة و بنسبة 68 % من الأشخاص التي تتجاوز أعمارهم 70 عاما. 2) الشبّان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 سنة و الذين منحوه أصواتهم بنسبة 58 %. 3) التجّار و الحرفيّين الذين صوتوا له بنسبة 82 %. 4) الفلاّحين الذين منحوه أصواتهم بنسبة 67 %. و في المقابل فإنّه لم يحصل على أصوات أغلبيّة القوى الحيّة كالعمّال (46%) و الأجراء (49 %) و المهن الوسطى (49%). |