"الإرادة" الثقافيّة

العدد الثاني  جوان 2007

مأساة ستار أكاديمي

كل الظروف ليلة غرة ماي 2007 كانت توحي بإمكانية حدوث كارثة في المسرح الصيفي بطريق سيدي منصور بصفاقس، رغم أن ذلك لم يخطر ببال المتابعين لحفل " ستار أكاديمي". لم يخطر ببال أحد أن يتحول "حفل غنائي" إلى مأساة، أن تتحول رقصات التخميرة إلى رقصات موت يحصد أرواح سبعة أشخاص دفعة واحدة ويخلف اثنين وثلاثين جريحا.

و "الإرادة" إذ تعرب عن مواساتها لعائلات الضحايا و الجرحى فهي تريد تبيان أسباب هذه الفاجعة.

فكيف ولماذا حدثت الكارثة؟

تقول التقارير الواردة من موقع الحادثة أن سوء التنظيم كان العلامة البارزة في الحفل من ذلك مثلا انطلاق الحفل قبل موعده مع ترك مدخل واحد مفتوح إضافة إلى تدخل قوات الأمن لترويع الراغبين في الإسراع بالدخول بدعوى "النظام". كل هذه العوامل أنتجت تدافعا وفوضى عارمة على المدخل نتجت عنها حالات إغماء عديدة. زد على ذلك أن عدد التذاكر فاق بكثير عدد المقاعد المحددة في المدارج مما يؤكد أن الربح هو الغاية القصوى من تنظيم الحفل فلا وقاية ولا احتياطات  ولا احترام  للتراتيب المعمول بها والأرواح البشرية تأتي في آخر اهتمامات مروّجي ثقافة التجارة.

حدثت المأساة وحفرت في ذاكرة الحاضرين وأذهانهم مشهدا مريعا وآثارا نفسية بالغة الخطورة كما خلفت أسئلة نرى ضرورة طرحها:

أولها: من المسؤول عما حدث؟ هل من تحقيق جدي يحدد المسؤوليات ويحاسب من تسبب في الكارثة؟ أم أن الضبابية والتعويم سيميزان التحقيق تحت غطاء " الجميع مسؤولون بما في ذلك الجمهور" كما ورد في جريدة الشروق وبالتالي لا توجه التهمة إلى طرف محدد فيحاسب على جريمته؟ أم توجه التهمة إلى كبش فداء حتى لا يتم الكشف عن المتسببين الحقيقيين في الكارثة لأن الكشف عنهم محرج جدا كما يتردد على ألسن المواطنين؟

سؤال آخر مثير للجدل: هل يمكن اعتبار الهالكين والجرحى ضحايا؟ إنهم فعلا ضحايا، ضحايا سوء التنظيم الذي يقف وراءه حب جمع المال من طرف شركات إنتاج ضخمة تمتلك سلاح الدمار الثقافي الشامل وتفبرك "نجوما" إمكانياتهم الصوتية لا يرتقي أغلبها إلى ما دون المتوسط، شركات إنتاج تتحكم في العقول والعواطف فتشدها إلى هؤلاء "النجوم" حتى أنهم لمّا يحلّون بيننا يخيل إلينا أنهم جاؤوا من كوكب آخر، فتعم الهستيريا ويتدافع الشباب نحوهم إلى حد الهلاك.

فالذين ماتوا في الحفل ضحايا والذين نجوا من الموت ضحايا والذين يتسمرون أمام التلفاز، يتابعون برنامج "ستار أكاديمي" وغيره ساعات طويلة فيخسرون أوقات ثمينة كان من المفروض ربحها في إبداع علمي وثقافي حقيقي لو توفرت إرادة سياسية لتوفير ظروف الإبداع، لكن التهميش الفكري مقصود؛ هؤلاء ضحايا. وكذلك الأجيال التي تفرض عليها البرامج التي تقف وراءها شركات الربح، ضحايا. والمحرومون عمدا من ثقافة إبداعية راقية تعبر عن مشاغل الإنسان وتنمي القدرة على الفكر العقلاني المستنير هم أيضا ضحايا، لأنهم في غياب هذا النوع من الثقافة والفن يبقون فريسة لثقافة الرداءة وانعدام الذوق.

سؤال آخر يطرح نفسه: هل نرفض هذا النوع من الفن، هذا النوع من الثقافة لنهرب إلى ثقافة الجهل والخرافة، نهرب إلى الفكر الذي يرفض الفن ويحرمه ويكفر الذين يمارسونه ويكفّر المجتمع، فنخلق جيلا من التكفيريين الذين يتحولون إلى متفجرات تدمّر نفسها وتدمّر من حولها؟

إن ما حدث مأساة وما هو إلاّ جزء من الدمار؛ دمار الذوق، دمار الفكر، دمار الثقافة. فلننتبه لخطورة الأمر ولنقاوم من أجل بديل فني معبر عن مشاغل الإنسان وطموحاته يربي الذوق ويمنع شبابنا من تخميرة الهيجان أو من الهروب إلى الخلف.

لقد قال مرسال خليفة في افتتاح حفله الذي أقامه على مسرح قرطاج :"...جئت لأقاوم الرداءة التي تنشرها الفضائيات العربية".

و سوف تسعى " الإرادة " لتكون أداة فعّالة بين أيدي المبدعين لنشر قيم الثقافة التقدّميّة و النيّرة.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org