|
"الإرادة" الثقافيّة |
|
العدد الثاني جوان 2007
الشيـخ إمام دائــما في البـال يوم 6 جوان 2007 تكون قد مرّت 12 سنة على رحيل الفنان القدير الشيخ إمام عيسى تاركا لعشاقه رصيدا هائلا من الأغاني الملتزمة تميّزت بانحيازها لقضايا الوطن والحرية وكانت مرآة عاكسة لهموم وآلام وآمال العامل والفلاح والجندي الحامل للسلاح وصرخة احتجاج على غياب العدالة الاجتماعية وانتشار الفساد ونهب المال العام وتحويل الأوطان إلى ممتلكات خاصّة لهذا الملك أو ذلك الرئيس. هذه الأغاني جمع فيها الشيخ بين الأسلوب الفني الساخر واللحن الشجي الراقي والكلمة الهادفة. مما جعلها تنفذ بسرعة إلى قلوب وعقول كل الأحرار في العالم الذين يرددونها في كل المناسبات النضالية داخل الحقول الطلابية والنقابية والسياسية رغم الحصار المضروب عليها آنذاك إذ كان تداول أشرطة الشيخ إمام يتمّ في كنف السرية باعتبارها مصنفة ضمن الممنوعات وتعرّض حاملها إلى التوقيف والمساءلة والمحاكمة تماما مثلما حصل للشيخ إمام ذلك الكفيف النحيف الذي تحول إلى صخرة عملاقة تكسرت عليها كل محاولات الترغيب والترهيب خلال السنوات الطويلة التي قضاها في غياهب السجون بمعية رفيق دربه الشاعر أحمد فؤاد نجم الذي نظم كلمات أغلب أغانيه... وفي أواخر الثمانينات أفرج عن الشيخ إمام وعلى أغانيه معه وجاءت الانتفاضة الثانية والحرب على العراق والمظاهرات العالمية المنددة بما سمي بالنظام العالمي الجديد وما بدأ يخلّفه في ظرف قصير من أمراض واخلالات اجتماعية واقتصادية وثقافية. ومع عودة الحركة الاحتجاجية العالمية عاد الأمل وعاد معه الاهتمام بالشيخ إمام كظاهرة فنية وبات عشاقه ينظمون الاحتفالات السنوية احياء لذكرى وفاته وعادت بعض الفرق الملتزمة إلى النشاط وبعثت فرق أخرى جديدة مثل مجموعة العودة وهي امتداد للنهج الفني الذي أسسه الشيخ إمام وغيره من رموز الأغنية الجادة... وهو ما يدفع إلى التساؤل ماذا لو تتوفر ظروف التلقي الطبيعي لأغاني الشيخ إمام عيسى وبقية الفنانين والفرق الملتزمة مثل ما يتوفر "للنجوم" الآفلة. نشأة الشيخ إمام عيسى ولد الشيخ إمام عيسى في 02 جويلية 1918 بقرية أبو نمرس من محافظة الجيزة بصعيد مصر كما كان الشيخ ينتمي إلى عائلة فقيرة جدا فقد الشيخ إمام بصره في سنته الأولى وانضم مبكرا على جوقة القرية بفضل صوته الجميل وفي سنة 1930 انتقل الشيخ إلى القاهرة ليواصل دراسة العلوم الدينية بالأزهر بعد أن تولّت الجمعية الشرعية رعايته ولكن سرعان ما تمرد ورفض الدروس التي اعتبرها تحلّق بعيدا ولا تلامس الواقع التعيس الذي يعيشه الشعب العربي المصري في ظل الاحتلال الانقليزي. وأمام غياباته المتكررة تم طرده من الجمعية مما أثار غضب والده وتبرأ منه، فأصبح بلا مأوى وبلا عائل وعاش أياما من الجوع والتشرّد إلى أن علم أن لديه أقارب يقطنون بحي الغورية، فاتجه إليهم حيث أقام في غرفة فوق السطوح. وفي هذا الحي الشعبي تتلمذ الشيخ إمام وتعلم أصول الموسيقى آنذاك من أمثال علي محمود ومحمود صبيح والحريري وفي سنة 1945 احترف الشيخ إمام الغناء وبرع في ذلك وأصبح مطلوبا بدرجة كبيرة في الحفلات والموالد كما أسند له لقب فتى الإذاعة والتلفزيون وفي سنة 1962 التقى بالشاعر أحمد فؤاد نجم الذي نحت مع الشيخ إمام ملحمة فنية رائدة كانت أولى ثمارها الفنية أغاني تعكس واقع الجماهير الشعبية وتحرّض على رفضه الظلم وتدعو للتغيير نحو الأفضل، فكان أن تعرضا إلى محاولات الاحتواء والإغراء كما سبق التعرض لذلك وعندما لم يفلح معهما هذا الأسلوب الترغيبي أدخلا السجن لأول مرة سنة 1969 إلى غاية 1971 ليعودا من جديد في أكثر من مرة كان آخرها سنة 1979 وفي السجن قدّما أعظم وأجمل أعمالهما وبعد ذلك تمكن الشيخ إمام ونجم من مغادرة مصر في اتجاه فرنسا ومنها إلى عديد البلدان العربية والعالمية لتقديم سلسلة من العروض الفنية بدعوة من القوى المناضلة والديمقراطية في هذه البلدان وفي 6 جوان 1995 رحل الشيخ إمام بعد صراع طويل مع المرض. |