|
"الإرادة" الوطنيّة |
|
العدد الثاني جوان 2007 قراءة في نتائج الإستشارة الشبابيّة الثالثة عند تصفحنا لنتائج الإستشارة الشبابية الثالثة التي قامت بها وزارة الشباب والرياضة و التربية البدنية تصطدمنا بعض الأرقام والمؤشرات. هذه الإستشارة إعتمدت فيما اعتمدت طريقة الإستبيان وقد شمل عينة من 10.000 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 عاما وتم إنجازه في 21 مارس و 12 أفريل من عام 2005. وتكونت العينة المستوجبة من تلاميذ وطلبة ومشغلين وعاطلين عن العمل نساءا وفتيات لا شغل لهن وينتمون إلى مختلف جهات ومدن وقرى البلاد ، ولهم حالات إجتماعية مختلفة ومستويات تعليمية متفاوتــة ( من التعليم الإبتدائي للتعليم العالي ). ونورد في البداية بعض النتائج التي أفضت إليها تلك الإستشارة لتخلص إلى بعض الإستنتاجات . 1- الحالة المعنوية للشباب التونسي تؤكد الدراسة أن درجة التفاؤل بالمستقبل لدى المستجوبين إنخفض بين عامي 2000 و 2005 إذ تراجعت نسبة المتفائلين كل التفاؤل بالمستقبل من 79,9 % إلى 50 % أما بالنسبة للذين لهم تفاؤل نسبي بالمستقبل فلقد إرتفعت من 4,6 % (عام 2000) إلى 36,4 % عام 2005 . وإرتفعت نسبة المتعاطيين للكحول من 75,2 % إلى 90,9 % بين عامي 2000 و 2005 كما إرتفعت عدد المتعاطين للمخدرات من 42 % إلى 69,4 % في نفس تلك الفترة أما عدد المدخنين فإنّه تضاعف خلال 5 أعوام إذ بلغت نسبتهم 89,7 % عام 2005 بينما كانت 44,5 % عام 2000 . 2- الشباب والمشاركة في الحياة السياسية والجمعوية أفادت الدراسة أن 16,7 % فقط من العينة المستوجبة ينخرطون في هياكل المجتمع المدني . وتبرز الدراسة عزوفا من الشباب عن المشاركة في الإنتخابات السياسية والإجتماعية إذ لم تتجاوز نسبة المستجوبين الذين شاركوا في تلك الإنتخابات 27,7 % . 3- الشباب الهوية والقيم ما يلاحظ هو أن الإنتماء إلى الدين الإسلامي وللفضاء الإسلامي لا يزال يمثل المحدد الأساسي لهوية الشباب في تونس ، أكثر من ذلك تطورت نسبة الشباب المتمسكين بهذه المرجعية الدينية من 30,8 % عام 2000 إلى 42,7 % سنة 2005 على حساب الإنتماء للفضاء العربي ( الذي تراجع إلى 22,6 % ) والإنتماء للإنسانية الذي تقلص من 16,4 % في عام 2000 إلى 4,9 % سنة 2005 . 4- الشباب والعمل أكد المستجوبون أن سبب البطالة المتفشية في البلاد تعود إلى عدم توفر مواطن الشغل بالدرجة الأولى ( 75,9 % من المستجوبين ) وعبر 45,5 % منهم عن رغبتهم في العمل بالوظيفة العمومية ( لم تتجاوز هذه النسبة 38,2 % سنة 2000 ) وتراجعت نسبة الراغبين في القطاع الخاص من 16,3 % إلى 8,5% ، فيما استقرت تقريبا نسبة الذين يستهويهم العمل للحساب الخاص ( 46 % ). وعبر 69,6 % من العينة عن رفضه للعمل بعقود شغل ذات مدة معينة أو بدون عقود شغل لأنها لا تضمن الإستقرار في العمل والإطمئنان على المستقبل .
ولا يزال قرابة
الثلث من ( 34,2
%
) من الشباب مقتنعا بأن التدخلات والعلاقات الخاصّة تمثل طريقة مناسبة للحصول
على شغل كما تقلصت ثقة الشباب في الحصول على عمل بالقنوات الرسمية كمكاتب
التشغيل وأخيرا يلاحظ أن 52,7 % من المستجوبين لم يستنكف من العمل اليدوي .
إن هذه المعطيات
الكمية التي إستقيناها من الخلاصة العامة لنتائج المسح الميداني للإستشارة
الشبابية الثالثة - أولا : بدأ الإحباط واليأس يتنامى في صفوف شبابنا ويرجع ذلك للبطالة المستفحلة في صفوفه وإلى المحسوبية أو ما يعبر عنه بالدارجة '' الأكتاف '' اللازمة للظفر بموطن شغل ولعدم الثقة في المسالك الرسمية للحصول على عمل وانعدام الآفاق الواعدة. إنّ البطالة وما ينجم عنها من تدهور في المعنويات وهشاشة الشباب النفسية وعدم الإستقرار في الشغل وضعف دخله أو إنعدامه علاوة عن صعوبة ظروف العيش هي من العوامل الأساسية التي تدفع بشبابنا باطراد نحو التدخين وتعاطي المخدرات وتناول الكحول. وما يلفت النظر أنه لا يمرّ يوم واحد تقريبا حسب أوساط حقوقية دون أن تنظر المحاكم في مختلف مدن البلاد في قضايا الإتجار بالمخدرات ومسكها وإستهلاكها اإنّ هذه الآفة تنتشر كالنار في الهشيم في صفوف شبابنا، وفي بلادنا و بكميات لم تنفك تكبر ولنا أن نتساءل عن مدى نجاعة مراقبة الحدود وعن مدى فاعلية الفرق المختصة في الكشف عن كبار الموردين المروجين للمواد المخدرة . - ثانيا : إنّ تراجع الأمل بالمستقبل لدى الشباب يقابله كذلك ومن جهة أخرى إنطواء على الذات والإعتقاد بأن التمسك بالهوية الإسلامية يحصن ضد خطر الإنحراف ليس هذا فقط بل يمثل بديلا للسياسات المتبعة وهنا يبرز تنامي دور الفضائيات المتخصصة في بثّ خطاب ديني محافظ ورجعي لم ولن تقدر إمكانيات النظام على إيقافه أو مواجهته . إنّ الردّ الصحيح والملائم لهذا الخطاب السلفي وكذلك لثقافة الإنحطاط التي تروج لها بالخصوص فضائيات يملكها نفس الأشخاص الذين يملكون العديد من الفضائيات الإسلاموية ( من شيوخ وأمراء وسلاطين ) هو رفع القيود والحواجز على العديد من الإصدارات والمنشورات وعلى المبدعين ومراجعة برامج التعليم ونشر ثقافة عقلانية تنهل من التراث الإنساني النير والتقدمي . - ثالثا : إنّ ضعف المشاركة الشبابية في الجمعيات والأحزاب السياسية وعدم إهتمامه بالشأن السياسي مرده قلة المنظمات المستقلة فعلا والتضييق على نشاط العدد المحدود من الجمعيات والأحزاب التي تتمسك بخط إستقلالي وإنعدام أي رهانات حقيقية في الإنتخابات الوطنية طالما أن نتائجها كانت منتظرة مسبقا. إنّ عزوف الشباب عن العمل الجمعوي والسياسي وعدم ثقته في النظام السياسي (systéme politique) سيساعد في دفع شرائح منه إما إلى مزيد من الإستقالة والإحباط أو إلى الإرتماء في أحضان المجموعات الدينية المتطرفة وهما حلان لا يرضى بهما إلا من كان لا يريد خيرا لهذه البلاد ولشبابها . إنّ الوضع على غاية من الخطورة ويتطلب مراجعة عميقة لكافة السياسات الموجهة للشباب ومن الخطإ أن تواصل السلطة في نفس المناهج أو أن تعتبر أنها قادرة لوحدها على مجابهة التحديات. لقد آلت الإختيارات الأحادية وسياسة تهميش الشباب وتضييق الخناق عليه ومجابهة كل تحرّكاته الهادفة إلى المطالبة بالعمل والكرامة وإلى الشفافية في التوظيف إلى أحداث مؤلمة التي جدت في نهاية عام 2006 وبداية 2007 فهل فهمنا الدرس ؟ |