|
"الإرادة" الإجتماعيّة |
|
العدد الثاني جوان 2007 هجــرة لايكاد يمر يوم واحد إلا وتطالعنا الصحف اليومية التونسية بخبر إما عن موت شبان تونسيين " حارقين " أوحاولوا إجتياز المتوسط للإلتحاق بإيطاليا ، أوعن محاكمة شباب وقع إيقافهم من الدوائر الأمنية قبل أن يحقّقوا " حلمهم" في الهجرة إلى ذلك البلد علما وأن "الحرقة" أو ما يعبر عنه قانونا بالهجرة السرية تعتبر جناية منذ عام 2002 بعد أن كانت مجرد جنحة بسيطة قبل صدور قانون مكافحة الهجرة السرية وغسل الأموال المتسم بجزريته المفرطة. جاء هذا القانون تماشيا مع "روح" مسار برشلونة واتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأروبي الذين أطلقا العنان لتنتقل البضائع والراسميل الأروبية نحو تونس وطالبا من البلدان المتوسطية الشريكة للإتحاد الأروبي بمزيد من الحزم تجاه "الهجرة السرية" ويؤكد الإخصائيون أن رأس المال الأروبي واقتصاد بلدان الإتحاد الأوربي يجنيان مغانم كثيرة وكبيرة من الهجرة عموما بما في ذلك الهجرة السرية. فعلى سبيل المثال ساهم المهاجرون بنسبة 1,1% في نمو الإقتصاد الإسباني. ويقدر عدد المهاجرين " غير القانونيين" في بلدان الإتحاد الأروبي بين 3و6 ملايين، ويزداد عددهم بـ 350000 و 500000 سنويا من بينهم عدد هام من مواطني المغرب العربي ، وتساهم اليد العاملة السوداء (المهاجرون غير الشرعيين) بنسبة تتراوح بين 7% و16% من الانتاج الداخلي الخام لبلدان الإتحاد الأروبي ويشتغل هؤلاء المهاجرون السريون خاصّة في قطاعات الفلاحة والبناء والخدمات (عمل منزلي، المطاعم ، التنظيف) . ويخضع هؤلاء العمال لاستغلال فاحش من قبل رأس المال الأروبي إذ أنهم يتقاضون أجورا زهيدة ولا يتمتعون بتخطية إجتماعية علاوة عن تردي أوضاعهم المعيشية وعيشهم تحت الخوف الدائم من ترحيلهم. وبالنسبة لبلادنا تفيد الاحصائيات أنه وخلال المدة المتراوحة بين 1998 و2003 وقع إيقاف ما لا يقل عن 40000 شخصا من 50 جنسية مختلفة حاولوا إجتياز الحدود بصورة غير قانونية من تونس نحو أوربا ، ومن بين هؤلاء يوجد 30% من التونسيين. وعن أسباب التفكير في الهجرة أفاد استطلاع قامت به منظمة اليونساف مع 3000 شاب تونسي حول دوافع الهجرة أن: - 12,5% منهم يبحث عن حياة أفضل بالخارج -31،5% منهم يعتبر أنه ليس هناك مستقبل في تونس - 9% منهم يرى أنه يمكن الحصول بصورة أسهل عن العمل بأروبا - 10,3% منهم يعتبر أن كسب الثورة أيسر خارج تونس . وأكد الإستطلاع أن 20,4% من المستجربين يفكرون في " الحرقة " مشيرا أن 15,2% من هؤلاء الشبان يتمتع بمستوى تعليمي عال. ومن الواضح أن السبب الأول لهذه الهجرة السرية هو البحث عن العمل بعدما استفحلت البطالة وأصبحت ظاهرة مزمنة بلغت نسبتها بـ14,4% حسب المعطيات الرسمية ، وسوف لن تقدر نسبة النمو المرتقبة خلال المخطط القادم من القضاء عليها، إذ أن هذه النسبة ستكون في حدود 6,1% سنويا حسب أهداف الدولة والحال أن نسبة النمو القادرة على إمتصاص البطالة يجب ألا تكون أقل من 10% حسب الأخصائيين. وتثير فينا النسبة الهامة من الشباب (31%) الذين برروا خيار الهجرة بانعدام آفاق مستقبله في تونس، عميق الإنشغال، إذ هذا يعني أن جزءا هاما من شبابنا أصبح يشعر بأن لا شيء يربطه ببلده وأن لا أحد يعير اهتماما بوضعه وبمأساته وبمستقبله. إنّ عدم توفير الشغل القار واللائق لشبابنا سيرمي بعدد متزايد منه لليأس والإحباط مما سيؤهله معنويا لقبول الحلول المغلوطة كالإنخراط في الجماعات المتطرفة أو المجازفة بحياته من أجل الهجرة بأي ثمن نحو " الجنة الأروبية" أو سيرمي به في أحضان تجار المخدرات. إنّ حل مشاكل الشباب وصعوباته مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى ولن تستطيع الحلول الترقيعية والجزئية تجاوز هذا الوضع الخطير.
|