|
"الإرادة" السياسيّة |
|
العدد الثاني ماي 2007 الطبقة العاملة والشأن السياسي العام
لا حديث هذه الأيام إلا عن ارتفاع حرارة الجبهة الاجتماعية بما تشهده من اضرابات وتجمعات ومفاوضات وليس في نيتي متابعة هذا الجانب فقد تكفل الرفاق في ركن متابعات الإرادة بانجاز ذلك. ولكنّي سأتوقف عند الدلالة السياسية لهذه التحرّكات. 1- إنّ هذه التحرّكات هي تحرّكات مطلبية أساسا مدارها المطالبة بتحسين المداخيل المادية للعاملين وتثبيت حقوقهم في العمل القار وتحسين ظروف العمل. 2- إنّ أغلب هذه التحرّكات قد اقترنت بالدفاع عن المؤسسة العمومية وتأهيلها (التعليم / الصحة) وعدم التفريط الكلي في ملكيتها للخواص (الاتصالات). وفي هذا الجانب يقترن المطلب الاقتصادي ببعد سياسي يتعلق بالتوجهات الاقتصادية الكبرى للبلاد. 3- لقد اقترنت جلّ هذه التحرّكات بالتأكيد على ضرورة تشريك ممثلي الأعوان المنتخبين وخاصّة هياكلهم النقابية المنضوية تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل في صياغة سياسات القطاعات الكبرى التي جدت فيها التحرّكات. وهذا مطلب نقابي ذو بعد سياسي كذلك يتوق إلى اشراك العمال في سن السياسات المتعلقة بأوضاع مؤسساتهم، عبر القناة النقابية أساسا. ما من شك في أهمية هذه التحرّكات وجدواها وما تفرزه من ثقة في مؤسسات المجتمع المدني وما تكسبها من مصداقية ( والحديث هنا خاصّة عن هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل) وما تفرضه من تقاليد التعامل البناء والمسلكية النضالية والتمشي الديمقراطي الأمر الذي ينعكس ايجابا على مجمل الوضع الاجتماعي بكل مكوناته هذه المكونات مدعوة إلى تجديد خطابها وأساليب تعاملها، مدعوة خاصّة إلى الاقلاع عن الأساليب البالية التي تعتمد على التشكيك والتهرءة من الداخل والتعنت في رفض حل المشاكل والتعويل على الحلول الفوقية والتسلطية التي فات أوانها ولم تعد تخدم أحدا. وإذا كنا نلمس نوعا من الوعي بمثل هذه التوجهات يجب أن يدعم وينمّى ويعمل الجميع على اقراره من خلال الطرح المقنع والعقلاني، ولكن أيضا من خلال الجهد النضالي الضروري الذي بدونه لا يمكن لأي توجه إيجابي أن يترسخ. فإنّنا نلمس كذلك نقيصة كبرى في التعاطي مع الدلالة السياسية لهذا الحراك الاجتماعي المشهود. فالكثير من العمال وإطاراتهم مازالوا يحصرون النضال في أفقه الاقتصادي والاجتماعي الضيق دون تحقيق ذلك الربط الضروري بينه وبين الأفق السياسي. وأنا لا أتحدث هنا عن أولئك الذين يفعلون ذلك بوعي وعن سابق تخطيط وتدبير وأقصد بهم دعاة الحياد ومنظري العفوية والاقتصادوية ممن فاتهم الزمن. فالأولون يفعلون ذلك حفاظا على مصالحهم وامتيازاتهم التي حقّقوها بحكم تخندقهم في معسكر العداء لسياسة الطبقة العاملة، أما الآخرون فقد فاتهم الزمن وبقوا متقوقعين في شرانق حلقية بائدة يفزعون للاحتماء بها حتى يحجبوا نور ارتقاء الوعي السياسي المقترن ببلورة الذات السياسية الحزبية الواعية للطبقة العاملة، ويبررون بذلك استقالتهم الدائمة. كلا الفريقين لا شأن لي بهما الآن إذ لا يسمح المقام بمجادلتهم إذ هناك ما هو أكثر استعجالا من ذلك. يهمني الحديث عن محدودية الوعي العام بضرورة الربط بين البعد الاقتصادي والاجتماعي في النضال وبين بعده السياسي. بل تهمني الإشارة إلى ما يشعر به الكثيرون من خوف إزاء البعد السياسي سواء أكان ذلك بشكل عفوي أو تحت وطأة دعاة التشكيك المحذّرين من الانزلاق نحو المشاغل السياسية وكأن العمال والأجراء والكادحين عموما ليسوا مواطنين ولا علاقة لهم بالشأن السياسي الذي هو في لب مشاغلهم الاقتصادية والاجتماعية. إنّ عدم رؤية ذلك الترابط هو الذي يبقى النضال الاقتصادي قاصرا دون تحقيق تغيير ايجابي حقيقي ودائم في حياة الكادحين ويبقيه عند حالة رد الفعل الجزئي والهامشي والذي قد يستعمل زخمه النضالي لخدمة أهداف معادية لمصالح الطبقة العاملة وشديدة الخطورة على مستقبلها، وليس أدل على ذلك مما تحفل به دعاية بعض الأطراف السياسية الليبرالية والظلامية من إعلام عن تلك النضالات وذكر لنسب الاضرابات الناجحة ونقل لوقائع التجمعات الحاشدة والتنافس في إظهار التملق لرموز الحركة الاجتماعية الصاعدة، ولكن هل يعلم العمال أن ما يحتجون عليه ـ عن حقّ ـ من سياسات السلطة المطبقة لإملاءات صناديق النهب الامبريالية والتي تدفع نحو الخصخصة، والضغط على التكلفة بالضغط على الأجور والحد من الانفاق الاجتماعي واقرار اجراءات "المرونة" في العلاقات الشغلية أي ضرب حقّ الاستقرار في العمل وإقرار الأشكال الهشة والمناولة الخ... هي في جوهر البرامج والمواقف السياسية المعلنة لمن باتوا يقدمون أنفسهم رموزا لليبرالية وحلفاء الليبرالية الجديدة عالميا إنّهم يمثلون الصوت السياسي لتحالف طبقي ربط مصالحه بمصالح الرأسمال العالمي وصاغ خطابا سياسيا يمزج بين المقولات الليبرالية والمرجعيات الدينية المستعملة بمكر لصياغة بديل منسجم مع مصالح الطبقات المستغلة محليا ومراكز النفوذ الامبريالي العالمي. وهكذا يصبح إطراء هذه الأطراف على التحركات الاجتماعية ضربا من النفاق السياسي الذي يريد تأبيد الاستغلال وحرمان الطبقة العاملة من استقلاليتها السياسية الحقيقية، وايهامها ببدائل هي من جنس استبدال الرمضاء بالنار أو استبدال القطرة بالميزاب كما يقول مثلنا الشعبي التونسي. فإذا كان من حقّ الطبقة العاملة أن تحتج على الاستغلال وترفض التفريط في المكاسب الاجتماعية وتناهض الخوصصة التي ينتهجها الحزب الحاكم فليس من الحكمة أن تنساق وراء الليبراليين أو الظلاميين الذين وإن كانوا يناهضون بعض وجوه السياسات الاستبدادية فإنّهم يعلنون باستمرا أنهم أكبر إيمانا من الحزب الحاكم بالخوصصة والليبرالية الاقتصادية وأكثر حماسا منه واندفاعا للانخراط في مشاريع العولمة الامبريالية، ويزعمون أنهم على الأقل انجع منه في تأطير الجماهير وترويضها وجعلها تتقبل تلك السياسات باستعمال خداع سياسي متشعب تمتد أحابيله من الديمقراطية الجلبية إلى الاسلام السياسي المعتدل بكل تلويناته واستغلال تعطش الناس الحقيقي إلى الحرّية والعدل وقيم المواطنة ونقمتهم على الحيف والإهانة القومية والدينية بمختلف أشكالها. ولهذا السبب نرى كل هذه القوى تريد إبقاء الطبقة العاملة أسيرة قمقم النضال الاقتصادي وتريد إبعادها بكل الوسائل عن التطلع لامتلاك استقلاليتها السياسية والارتقاء بوعيها إلى ما هو بديل سياسي مجتمعي شامل. فهي تريد أن تستعملها حطب محرقة تأجج حرائق اجتماعية تطبخ عليها هي مشاريع استفادتها التسلطية، وبنفس القدر تسعى أطراف عديدة في السلطة إلى منع التطور السياسي للطبقة العاملة، واستمرار تهميش قواها الفاعلة والسعي لتسخير طاقاتها لتكون احتياطيا مسلوب الوعي والإرادة سهل التوظيف والانقياد. وحتى وإن اعترف بعض العقلاء بحيوية هذه الفئات ونجاعة قواها اليسارية في الدفاع عن قيم التقدم والعدل والعقلانية والاستنارة فإنّها تنكر عليها دورها السياسي وتقصر دورها على ما هو ثقافي أي أن دورها لا يتجاوز أن يكون رديفا ثقافيا في مناهضة النكوس الظلامي الرجعي ضمن مشروع سياسي للسلطة الحاكمة. ولكنّنا نقول بوضوح إنّ كل هذه الحسابات لم تعد مجدية، بل إنّ انعكاساتها الضارة بدأت تتجلّى للعيان، فكلما استمرت مصادرة الوعي السياسي للطبقة العاملة وعموم الكادحين وكلما استمر تهميش قواها الحية وتعبيراتها اليسارية الجدية الواعية والمستنيرة كلما تفاقمت سطوة قوى الهيمنة والتخلف، كلما ازدادت الأوضاع تعفنا وترديا وكلما تسارعت وتفاقمت مناورات ومؤامرات التقاطع مع مشاريع الهيمنة الأجنبية والاستبداد المحلي، كلما ازداد ضياع وتهميش القوى الحية في مجتمعنا، كلما ازداد ضياع شبابنا وراء متاهات التفسخ وأوهام البدائل الظلامية. وإنّ خطوات شجاعة لمواجهة هذه الأوضاع باتت متأكدة ـ حتى وإن كانت مكلفة، ومن أوكدها إعلان نهاية زمن يتم الطبقة العاملة، وانتهاء قصور جهودها، عند ما هو مطلبي واقتصادي، فهي اليوم ترفع صوتها لتعلن برنامجها السياسي واستقلاليتها السياسية عن كل الاستغلاليين، عن كل الليبراليين والظلاميين، لتخطو خطوات ثابتة نحو رشدها الذي يؤهلها لامتلاك زمام أمرها في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة على وجه الخصوص، ولتدافع مع كل جماهير الشعب من أجل قضايا التحرّر الاجتماعي والوطني ولتلتقي مع كل الوطنيين الصادقين رفضا لكل وصاية أجنبية هيمنية، وتطلعا لعدل حقيقي وتقدم مدني يتصدى لرياح الارتداد والظلام ويقيم المساواة على أسس قانون وضعي تعاقدي بين مواطنين أحرار في وطن حرّ. وذلك هو جوهر مشروع حزب العمل الوطني الديمقراطي، ومشروع الطرح اليساري والوطني الذي نسعى لبنائه مع كل أبناء تونس المخلصين. أبو خالد |