|
"الإرادة" الإقتصاديّة |
|
العدد الرابع عشر جوان 2010
قراءة في الظرف الاقتصادي العالمي والقطري 1- أهم تطورات المحيط الدولي: تميّز الظرف الاقتصادي العالمي باستمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية على مختلف اقتصاديات دول العالم وإن كان بدرجات متفاوتة... فقد انعكست الرجّة النظامية التي عرفها القطاع المالي على نسق النشاط الاقتصادي والطلب الدولي بفعل انهيار عديد المؤسسات المصرفية والمالية وتقلّص السيولة، إضافة إلى انعدام الثقة لدى المستثمرين والمستهلكين على حد السواء. ولقد تسبب ذلك في انكماش النمو في اقتصاديات البلدان المصنّعة ومراجعته نحو الانخفاض لدى البلدان الصاعدة وفي طريق النمو لا سيما التي يرتبط اقتصادها بالتصدير وبإنتاج المواد الأساسية. وقد أثّر هذا الوضع على المستوى الاجتماعي حيث بلغت نسبة البطالة عتبة 10% بل وتجاوزتها في أهم البلدان المصنّعة على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، مما أثّر على تطور الاستهلاك وذلك بالرغم من انخفاض مستوى الأسعار وباستثناء الصين والهند، فقد تأثرت المبادلات العالمية بالانكماش الاقتصادي الذي شهدته أهم الأقطاب التنموية في العالم، وقد أدى تقلّص الطلب الخارجي بالنسبة للبلدان التي تعتمد على التصدير في منوال تنميتها والمندمجة بدرجة عالية في الاقتصاد العالمي، سواء على مستوى صادرات المنتجات المصنّعة والخدمات أو المواد الأساسية، إلى بروز صعوبات لدى المؤسسات الاقتصادية، وهو ما نتج عنه فقدان عدد كبير من مواطن الشغل في كثير من البلدان وفي القطاعات المتضررة كالقطاع المالي وقطاع السيارات وقطاع الأشغال العامة والبناء ...الخ وتقلصت من ناحية أخرى تدفقات الاستثمارات الدولية المباشرة في ظل مناخ عالمي يتسم بتراجع الثقة لدى المستثمرين، فيما شهدت أهم البورصات الدولية تراجعا لمؤشراتها إلى أدنى مستوياتها في الثلاثي الأول من سنة 2009.وفيما يتعلق بأسواق الصرف، فقد اتّسمت بتواصل التقلبات مع ارتفاع قيمة الأورو إزاء الدولار الأمريكي بالخصوص ثم بتراجعه تراجعا مذهلا في الأشهر الأخيرة. وبالتوازي مع برامج الدفع المالي للحكومات، خاصة في البلدان المصنّعة، لمعاضدة نسق النشاط الاقتصادي، فقد تدخّلت أهم البنوك المركزية لمزيد تيسير السياسات النقدية عبر تخفيض نسبة الفائدة الرئيسية التي كانت تراجعت إلى مستوى الصفر في الولايات المتحدة واليابان منذ نهاية سنة 2008. وللإشارة فإن مجابهة انعكاسات الأزمة المالية العالمية بواسطة برامج دفع مالي هامة أدت إلى إثقال المديونية العمومية وتفاقم عجز الميزانية في عديد من البلدان وقد تحمل كاهل هذه السياسات الطبقة الشغيلة والفئات الفقيرة... وفيما يتعلق بأسعار المواد الأساسية في السوق العالمية، وبعد تراجع مستواها منذ نهاية سنة 2008، فقد شهدت توجها نحو الارتفاع خاصة بداية من شهر ماي 2009، بعلاقة مع بعض مؤشرات انتعاشة الاقتصاد العالمي وتدعم الطلب الدولي. وأقفلت أسعار النفط الخام سنة 2009 في حدود 77.93 دولار لبرميل البرنت و79.36 دولار للخفيف الأمريكي مسجّلة ارتفاعا بحوالي 71% و78% على التوالي مقارنة بسنة 2008. وتعزى هذه الزيادة إلى انتعاشة الطلب العالمي واستمرار التوترات الجيوسياسية وضعف سعر صرف الدولار الأمريكي. أما بالنسبة للمواد الأساسية الأخرى، فقد سجّلت الأسعار زيادة ملحوظة في سنة 2009 لتبلغ مستويات قياسية بالنسبة لبعض المواد، على غرار السكر (138%+) والنحاس (153+%) وبخصوص المعادن النفيسة، فقد بلغ سعر الذهب مستوى قياسيا بـ1216 دولار للأوقية مسجلا بذلك ارتفاعا بـ27% مقارنة بنهاية سنة 2008. ويفسّر هذا التطور بالخصوص، بانخفاض سعر صرف الدولار وبقيام صندوق النقد الدولي ببيع كميات من الذهب للبنوك المركزيّة لبعض البلدان وخاصة الهند وبفقدان الثقة في العملتين المهيمنتين في العالم أي الدولار والأورو. وفيما يتعلق بالتضخم، وبعد فترة طويلة نسبيا من التراجع، عادت أسعار الاستهلاك إلى الارتفاع في أهم البلدان المصنعة بداية من شهر نوفمبر 2009. 2- تطور الظرف الاقتصادي القطري: اعتبارا للنسبة العالية لتبعية الاقتصاد القطري في الدورة الاقتصادية العالمية، فقد تأثّر بتداعيات الأزمة المالية العالمية على مستوى تطوّر إنتاج وصادرات الصناعات المعمليّة وعلى نسق النشاط في قطاع السياحة والنقل الجوي. لذلك فإن نسبة النمو الاقتصادي لم تبلغ إلا 3.1% وهي نسبة وإن مكّنت من الحفاظ على التوازنات العامة فإنها لم تكن كافية للمحافظة على عديد مواطن الشغل فضلا عن استيعاب الطلبات الإضافية لطالبي الشغل وخاصة منهم أصحاب الشهادات العليا. وبخصوص القطاعات المساهمة في نسبة النمو المذكورة فإن قطاع الفلاحة والصيد البحري وإن مكّنت الأمطار المسجّلة في أغلب مناطق البلاد منذ أواخر شهر ديسمبر 2009 من التقدم في انجاز عمليات بذر الحبوب [حيث ارتفعت المساحات المبذورة إلى حوالي 1.254 ألف هكتار] فإن قطاع الزراعات الكبرى واجه صعوبات بسبب النقص الذي شهدته مختلف الجهات على مستوى كميات الأمطار، حيث تسبّب هنا في تقلص المراعي الخضراء وأصبح المربون يواجهون صعوبات لتأمين حاجيات قطعانهم من المواد العلفية بسبب الاحتكار الذي ينتعش في مثل هذه الظروف. وبخصوص قطاع الأشجار المثمرة، فقد سجّل إنتاج زيت الزيتون انخفاضا محسوسا إذ بلغ 150 ألف طن مقابل 160 ألف طن في الموسم السابق. وبالنسبة لقطاع تربية الماشية، فلئن سجّل إنتاج الحليب الطازج ارتفاعا بـ3.7% فإن الكميات المجمّعة انخفضت بـ1% مما سبّب تقلّص إنتاج الحليب المعقّم بـ3.5% مقابل ارتفاع مبيعات الحليب الصالح للشراب بـ1%. وبخصوص قطاع الصيد البحري وتربية الأسماك، فقد انخفض الإنتاج بحوالي 1% ليتراجع إلى 93 ألف طن وشمل الانخفاض خاصة الصيد الساحلي (4-%) والصيد الجرّ القاعي 5-% وعلى مستوى المبادلات التجارية مع الخارج، تراجعت واردات الحبوب خلال سنة 2009 إلى حوالي 23.1 مليون قنطار مقابل إنتاج جملي بـ25.3 مليون قنطار وقد شمل تقلّص الكميات الموردة كل أنواع الحبوب، ولا سيما الشعير (حوالي 66 ألف طن مقابل 510 آلاف في السنة السابقة). أما صادرات زيت الزيتون فإنها سجّلت خلال سنة 2009 انخفاضا ملموسا لتبلغ 142 ألف طن (بقيمة 533 مليون دينار) مقابل 169 ألف طن (بقيمة 759في سنة 2008) . وتبعا لتقلص مستوى الإنتاج وتواصل ارتفاع الاستهلاك الوطني، انخفضت صادرات منتجات البحر، خلال سنة 2009 بحوالي 20% في الكمية و 23.5% في القيمة لتتراجع إلى حوالي 16ألف طن و 182 مليون دينار. وبصفة جملية فقد سجّل الميزان الغذائي مع الخارج، في سنة 2009 فائضا بحوالي 48 مليون دينار مقابل عجز بـ751 دينار في السنة السابقة وذلك نتيجة تراجع الواردات بنسق أسرع من الصادرات أي 39.1-% و11.8-% على التوالي. وتبعا لذلك ارتفعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات لتبلغ 103% مقابل 71.1% قبل سنة. وبخصوص النشاط الصناعي، الأكثر تأثرا بتداعيات الأزمة المالية العالمية فقد تراجع المؤشر العام للإنتاج الصناعي إلى حدود شهر نوفمبر 2009 بـ3.5% (ضعف التراجع المسجل في سنة 2008)، وشمل هذا المسار التراجعي على حد السواء الصناعات المعمليّة (2.9-%)، والطاقة (3.2- %) والمناجم (23.4-%) ويعزى تراجع إنتاج الصناعات المعملية إلى تراجع صناعات النسيج والملابس والجلود والأحذية (18.2-%) وصناعات مواد البناء والخزف والبلور (4.6-) وعلى عكس ذلك تتقدم الإنتاج في قطاع الصناعات الكيميائية (31.2+%). وبالنسبة لصادرات الصناعات المعملية، فقد تراجعت خلال سنة 2009 بـ13.7% مقابل ارتفاع بـ19.8 % في العام السابق وشمل هذا الانخفاض كل القطاعات ما عدا الصناعات المختلفة (4.5+%) ولا سيما الصناعات الكيميائية (43-%) و الصناعات الغذائية (-17.5%) وصناعات النسيج والملابس والجلود والأحذية (8.9-%) والصناعات الميكانيكية والكهربائية (3.7%). في نفس المسار الانخفاض، فقد سجّلت صادرات قطاع الطاقة تراجعا بـ35.3 % مقابل زيادة بـ30% بالنسبة لسنة 2008، وذلك بسبب تراجع الأسعار في السوق العالمية وقد انخفضت مبيعات النقط الخام بـ 35% كما تراجعت صادرات القطاع المنجمي بـ56% مقابل ارتفاع بحوالي 127% في السنة الفارطة بسبب تقلّص مبيعات الفسفاط 44.2-% في الكمية و 69.6-% في القيمة. وكنتيجة لتراجع إنتاج وصادرات الصناعات المعملية، انخفضت واردات المواد الأولية ونصف المصنعة خلال سنة 2009 بـ21% مقابل ارتفاع بـ30.2-% في السنة السابقة. واعتبارا لأهمية القطاع السياحي في بنية الاقتصاد الوطني فقد سجّل عدد السياح الأجانب خلال كامل سنة 200انخفاضا بـ2.1% مقابل زيادة بـ4.2% في السنة السابقة ليتراجع إلى 6.9% ملايين ويعزى ذلك إلى تقلص وفود الأوروبيين (8.8-%) وخاصة الايطاليين (13.7-%) والألمان (7.3-%) والفرنسيين (3.6-%) وعلى عكس ذلك شهدت وفود السياح المغاربة ارتفاعا بـ7.9% نتيجة ازدياد عدد الليبيين (12.9%). ونتيجة لذلك انخفضت البيتات السياحية الجملية بـ8.2% مقابل ارتفاع بـ2% السنة السابقة، وقد يشمل هذا الانخفاض جل المناطق السياحية، اذ تراوحت نسب التراجع بين 4.4% في منطقة تونس– زغوان و10.3% في منطقة جربة–جرجيس كما سجّل معدل الملء النسبي تقلصا بـ3.7% مقابل زيادة بـ 1.1% في سنة 2008 (8.8-%) في منطقة ياسمين الحمامات. وبخصوص أسعار الاستهلاك، فقد سجّل المؤشر العام لأسعار الاستهلاك العائلي في شهر ديسمبر 2009 ارتفاعا بـ0.5 % ويعود ذلك أساسا إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والترفيه والثقافة (0.7% لكل منهما، تبعا خاصة لارتفاع أسعار السكر (11.7%) و زيت الزيتون (4.5%) واللباس والسكن (0.5%) لكل منهما لا سيما أسعار الايجار (2.3%). وبحساب الانزلاق السنوي، بلغت زيادة المؤشر العام للأسعار 4.3% ويفسر هذا الارتفاع بارتفاع أسعار التغذية (7.2 % مقابل 3.7 لسنة 2008) والترفيه والثقافة وغيرها (6.5% مقابل 2.2%.) ويبقى المؤشر العام للأسعار في حاجة إلى إعادة المراجعة حتى يبقى يعكس الغلاء الحقيقي للأسعار وخاصة منها المتعلقة بالمواد الأساسية كالغذاء والصحة والسكن والتعليم... |