"الإرادة" الإقتصاديّة

العدد الرابع عشر جوان 2010

 

الأزمة المالية في اليونان وتداعياتها

 

مازالت أزمة الدين العمومي اليوناني تثير موجة من التخوف باعتبار أن تداعياتها هزّت اقتصاديات عدة دول أوروبية كاسبانيا والبرتغال وايطاليا في انتظار البقية، مما دفع المستشارة الالمانية "مركل" إلى تحذير مواطنيها من خطورة الوضع على مستقبل الاقتصاد الألماني الذي يعتبر الأقوى في أوروبا، ولا يخفى أن هذا التحذير هو بمثابة تهيئة للرأي العام لقبول مزيد من التضحيات الموجعة انقاذا لمصالح البورجوازية التي تحكمه.

وللتذكير فإن الأزمات الأخيرة لا تنحصر أسبابها فقط في اشكالات التصرف في النظام الرأسمالي وغياب الحكم الرشيد واعتماد سياسات اقتصادية تتنافى مع الشفافية ومتطلبات التوازنات المالية بين مؤسسات الانتاج والتسويق بل في جوهر النظام الرأسمالي نفسه.

وبخصوص الأزمة اليونانية فالمتسبب فيها أساسا الهبات الجبائية الممنوحة للمؤسسات الكبرى والتمويل العمومي لرأس المال اليوناني، والنفقات المرتفعة للمساهمة في برامج التسلح للحلف الأطلسي والنفقات غير المنتجة للألعاب الاولمبية الأخيرة التي أقيمت على أرضها، وباختصار فإن اليونان ـ الحلقة الأضعف في الاتحاد الاوروبي، كانت بمثابة الضحية للتنافس بين البورجوازيات الاوروبية .

وكتطور سريع للأزمة اليونانية شهدت عملة الاورو هذه الأيام انهيارا محسوسا أمام كل من الدولار الأمريكي، واليان الياباني والجنيه الاسترليني وصل مستويات قياسية عكست حالة انعدام الثقة لدى المستهلكين حيث تراجعت نفقاتهم بـ 1.9% في فرنسا على سبيل المثال... ومن المنتظر أن يتواصل انهيار العملة الاوروبية لفترة أخرى قد تطول. وفي المقابل فإن الولايات المتحدة خرجت المستفيدة الأولى من هذا الانهيار، فقد استرجعت عملتها الدولار عافيتها الأمر الذي مكنها من بلوغ نسبة نمو مقدرة بـ3.2% لهذا العام مقابل 1.2% فقط لمنطقة الأورو...

وهكذا نجحت الولايات المتحدة في تصدير أزماتها وحالة الانكماش التي طالت اقتصادها إلى بقية منافسيها في الدول الاوروبية وتدل حالة ازدهار قطاع العقارات وهو المتسبب الرئيسي في الازمة المالية العالمية التي اندلعت في 2007 على ذلك.

وبخصوص انعكاس الأزمة اليونانية وانخفاض عملة الاورو على الاقتصاد التونسي، فقد صرّح وزير التجارة أن التأثير متعدد الجوانب وسوف يطال الميزان الغذائي وديوان التجارة وديوان الحبوب (حيث لم تبلغ صابة الحبوب لهذا الموسم المستوى المنتظر) وسوف تتراجع نفقات صندوق التعويض.

ومن المنتظر أن تسجل موارد التصدير انخفاضا هاما، فضلا على أن القدرة التنافسية للمؤسسات المصدرة ستنخفض في الأسواق الاوروبية الشريك الأساسي في المبادلات التجارية التونسية...

واعتبارا أن الدين العمومي يسدّد في غالبيته بالدولار الامريكي الذي يشهد اتجاها في الارتفاع، فمن الأكيد أن حجم المديونية بالدينار سيرتفع إلى حدود ستساهم في تعميق العجز...

ولتمويل هذا العجز فإن الاقبال على الأسواق الرقاعية سيتدعم أكثر، وللعلم فإن هذا النوع من الافتراض الذي يتمثل في رهن سندات عمومية قابلة للتسديد دفعة واحدة عند حلول الأجل (من 10 إلى 20 سنة) بفوائض مشطة تبلغ أضعاف الدين الأصلي وهو ما يعتبر مساسا بحقوق الأجيال المقبلة.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org