"الإرادة" الإجتماعيّة

العدد الرابع عشر جوان 2010

 

متابعات "الإرادة"

سماسرة اليد العاملة ينتعشون

يعتبر التعديل الذي أدخل على عقد الشغل أثناء المفاوضات الاجتماعية الأخيرة لا سيما في ما يتعلق بأولوية التشغيل أهم انجاز حققه الاتحاد العام التونسي للشغل في الجولات التفاوضية الأخيرة لما له من تأثير على الحد من هشاشة التشغيل التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم في العقد الأخير خاصة أنه ليس من السهل أن يترك صاحب المؤسسة مركز عمل شاغر لمدة 6 أشهر إذا رغب في إنهاء عقد الشغل كما ينص على ذلك التعديل الأخير.. إلا أن الأعراف وبعد أن ورّطتهم منظمتهم ووضعتهم في هذا المأزق الذي سيفرض عليهم الترسيم الآلي للعمال، هرعوا كعادتهم لإيجاد الحيل للتهرب من احترام مقتضيات أولوية التشغيل. فعمدوا إلى التعاقد مع سماسرة اليد العاملة المسماة "المناولة" وذلك كلّما انتهى عقد العامل مع الشركة المستفيدة فيتمّ تحويل عقده على اسم شركات أغلبها وهمية وقائمة الشركات التي بدأت في الأشهر الأخيرة التعامل مع هؤلاء السماسرة لا تحصى ولا تعد، وفيها ماهو مهيكل نقابيا ومن هو غير مهيكل وهو السواد الأعظم للأسف من المؤسسات وإن تمكنت النقابات أو البعض الغالب منها من التصدي للأعراف الذين حاولوا الالتفاف على القانون الجديد ونجحت العديد من النقابات في ابقاء العقود الشغلية مع الشركات المستفيدة إلا أن البعض الآخر والتي لا توجد بها نقابات تبقى حتما خارج دائرة الاتحاد العام التونسي للشغل وبالتالي خارج القوانين والتشريعات الشغلية والاعتقاد السائد هو أن سماسرة اليد العاملة انتعشوا بشكل كبير وازداد عدد المؤسسات المتعاملة معهم مثلما ازداد عدد السماسرة وهو ما يجعل وسيجعل نسبة عالية جدا من العمال والعاملات في أوضاع مهنية شبيهة بأوضاع الطبقة العاملة عند ظهور الصناعة تلك الأوضاع الشبيهة بوضع العبيد تعرف بالرؤية على محدوديتها، ولا تعكس حقيقة المجهود المبذول من طرف العامل ولا تعكس مستوى الكفاءة المهنية المكتسبة لديه.

ظروف عمل قاسية تفتقر لأبسط قواعد الصحة والسلامة المهنية، والعامل عليه أن يعمل ويصمت وإلا وجد نفسه خارج المؤسسة، غياب التغطية الاجتماعية وهو ما يفسر أيضا العجز الذي باتت تشكو منه الصناديق الاجتماعيةـ غياب المنح والرخص السنوية وإجبار العمال على العمل أيام الراحة الأسبوعية وأيام الأعياد الدينية إن اقتضى الأمر ذلك..

وكان حريا بالاتحاد العام التونسي الاستفادة من هذا التعديل عبر القيام بحملات توعوية وتحسيسية قصد رفع نسبة الانتساب وجلب العمال إلى حضيرة المنظمة الشغيلة، والعمل على هيكلة الشركات.

وهو ما يدعو الاتحاد أولا إلى ضرورة تفعيل لوائح مؤتمراته الداعية لمقاومة غول "المناولة" مقاومة جماعية وليس جانبية محدودة التأثير والفاعلية مثل التلويح بحمل الشارة الحمراء في قطاع معين أو تنظيم حملة في جهة معينة ومعزولة ـ التركيز في المفاوضات الاجتماعية القادمة على مسألة "المناولة" وتوضيح ما علق بها من لبس وتأويل. وما المقصود بمناولة العمل ومناولة اليد العاملة و إيجاد آلية قانونية تحد من استغلال الفصول 28، 29 و30 من مجلة الشغل هذا الاستغلال الذي تضرر منه عشرات آلاف العمال تماما مثلما تضرر منه الاقتصاد الوطني.

 

أعراف فوق القانون

يعتبر وكيل شركة "كاتشكي كومبونت تونس" بزغوان وهو ألماني الجنسية نفسه فوق القانون والمؤسسة التي يديرها منذ أكثر من 16 سنة خارج القوانين والتشاريع الشغلية. إذ عمد ومنذ أن بلغه نبأ اعتزام العمال والعاملات الانخراط في الاتحاد العام التونسي للشغل بالبحث عن العناصر التي كانت وراء الدفاع لبعث نقابة أساسية وبعد أن عرف هؤلاء "الزعماء" قام بطردهم جميعا إلا أن هذا لم يثني العمال عن مواصلة تجربتهم وعقدوا مؤتمرهم واختاروا العناصر التي طردها العرف، كما أن رد العمال فاق المتوقع وكان في منتهى الجرأة والمسؤولية فأضربوا عن العمل ورفضوا العودة إليه دون اعضاء النقابة الوليدة وما كان على العرف إلا الاستجابة لطلبهم وأعادهم إلى سالف عملهم بعد سلسلة من الجلسات معه. وفور عودتهم قام أعضاء النقابة بتقديم لائحة مطالب اقتصرت على ثلاث مطالب من بين أكثر من 10 مطالب وكان في طليعتها ترسيم العمال الذين يعملون منذ زهاء الـ12 سنة بعقود وهو ما يعد إخلالا لمقتضيات الفصل 6 /4 من مجلة الشغل، إلا أن وكيل هذه المؤسسة واصل تعنته ورفضه لهذا المطلب الأساسي الذي سيضمن ترسيم هؤلاء العمال مما استوجب اصدار برقية التنبيه باضراب أولي تعهد أثناءها بالنظر في وضعيتهم ولكنه لم يفعل شيئا بل قام بحملة تشكيك ضد النقابة الأساسية والاتحاد العام التونسي للشغل. وهو ما جعل الاتحاد الجهوي للشغل يصدر من جديد برقية التنبيه بالاضراب ورفض العرف على اثرها حضور الجلسة الصلحية التي أقيمت بمركز ولاية زغوان رغم حضور كل الأطراف الأخرى. ومنذ الصباح الباكر لليوم الأول من الاضراب وكعادة نقابي جهة زغوان وخاصة أعضاء الاتحاد الجهوي كانوا متواجدين حتى قبل قدوم العمال والعاملات وقد فوجئوا بما شاهدوه حيث وفدت عناصر غريبة عن المؤسسة وهم أكثر من 20 شخصا يتمتعون ببنية جسدية قوية مسلحين بهروات وسلاسل، وذلك على مرأى ومسمع من رجال الأمن وهو ما استفز النقابيين الحاضرين وطلبوا من الأمن طرد هؤلاء الغرباء إلا أن أعوان الأمن تعاطوا مع المسألة بنوع من اللامبالاة وهو ما جعل النقابيين يدخلون في مواجهة كلامية مع العصابة وسرعان ما تحولت إلى تبادل العنف وتحول موقع الاضراب إلى حلبة ملاكمة ووسط أجواء امتزج فيها تبادل العنف مع الصراخ ورفع الشعارات التي كانت تنادي بحياة الاتحاد العام التونسي للشغل وباحترام القانون. وأمام استبسال النقابيين الذين كانوا يدافعون عن قضية مشروعة والتصدي لعرف داس القوانين لمدة 16 سنة ولم يكفه ما توفره الدولة من امتيازات وإعفاءات خيالية، حتى وصل به الأمر لتجييش عصابات لتعنيف العمال. وفي حدود الساعة الحادية عشرة من ذلك اليوم تمت دعوة جميع الأطراف في جلسة استعجالية بمقر ولاية زغوان حضرها هذه المرة وكيل المؤسسة، وبإشراف والي الجهة والمعتمد الأول ومعتمد الشؤون الاجتماعية وهو ما أفضى إلى حل أرضى الطرف النقابي وقبله العرف على مضض.

***************************************

 

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org