"الإرادة" الدوليّة

العدد الرابع عشر جوان 2010

 

الحكومات الأروبية اليمينية والاشتراكية الديمقراطية
تحمل الطبقة العاملة والفقراء أزمة الرأسمالية

 

استأثر الوضع في اليونان باهتمام صناع القرار الإقتصادي والسياسي في بلدان الإتحاد الأروبي والولايات المتحدة والدوائر المالية العالمية من بنوك ومضاربين وبروصات نتيجة الأزمة المالية والإقتصادية الجادة التي لم تعرف البلاد لها مثيلا والتي وضعت البلاد على عتبة الإفلاس والإنهيار .

الاهتمام باليونان لم يكن نتيجة ذلك العامل وحده ولا بسبب برنامج " الإنقاذ" الذي أعده الإتحاد الأروبي وصندوق النقد الدولي فقط بل نتيجة لذلك بموجة الاحتجاجات المتواصلة التي ردت بها الطبقة العاملة اليونانية وعموم الكادحين في هذا البلد على الإجراءات التقشفية التي اتخذتها حكومة بابا ندريو " الاشتراكية الديموقرطية ".

لكن ماحدث في اسبانيا جاء ليؤكد أن باقي البلدان الأروبية وخاصة بلدان منطقة الأورو (وعددها 16 دولة) ليست في مأمن من الإنهيار المالي والإقتصادي ولا من الإنفجار الإجتماعي.

الأزمة اليونانية كان لها الفضل في كشف الأوضاع الإقتصادية والمالية الحقيقية التي تعيشها دول منطقة اليورو وهي أكبر شريك اقتصادي لتونس.

أما الإجراءات التي اتخذتها حكومات البلدان التي سنأتي عليها تحت ضغوطات الدوائر الرأسمالية والمالية منها بالخصوص جاء ليثبت أن الحكومات "الإشتراكية الديموقراطية "  تختلف جوهريا عن الحكومات اليمنية عندما يتعلق الأمر بالطرف الإجتماعي الذي يجب أن يتحمل الأزمة .

I/ انخرام المالية العمومية

السمة المشتركة الأولى لفرنسا وإيطاليا وإرلندا وإسبانيا والبرتغال هو ارتفاع نسبة الدين العمومي وعجز الموازنة مقارنة مع النانتج الداخلي الخام كما تثبته الأرقام الموالية والتي وقع ضبطها في نهاية 2009

نسبة عجز الميزانية مقارنة مع الناتج الداخلي %

نسبة الدين العومي مقارنة مع الناتج الداخلي %

البــلد  

13،9

124،9

اليونـــان

8

83,6

فرنســــا

9،8

64،9

اسبانيـــا

8،5

85،8

البرتغال

11،7

77،3

إرلنـــدا

5،3

118،2

إيطاليـــا

 

مع الملاحظة أن القواعد المتفق عليها تضخم الدين العمومي مرده بالأساس الإنفاق الهام في القطاعات غير المنتجة وغير الآجتماعية (قوات مسلحة، بوليس، بالخصوص) وكذلك الأموال السخية التي أغدقتها حكومات تلك البلدان على القطاع المالي ( بنوك، شركات تأمين) وبعض قطاعات الإنتاج (صناعة السيارات والبناء والأشغال العامة ) التي مرت ولا تزال تمر بصعوبات كبيرة جراء الأزمة المالية والإقتصادية التي انطلقت منذ منتصف عام 2007 . فالمال العام استعمل أساسا لإنقاذ رأس المال الذي ينطلق عليه المثل الشعبي التونسي "داخل في الربح خارج من الخسارة ".

وحسب جريدة لوفيقارو الصادرة يوم 9/05/2010 فإن دول منطقة الأورو مطالبة باقتراض ما لايقل عن 980 مليار أورو هذه السنة لمجابهة العجز في ميزانياتها وتسديد ديونها.

IIإجراءات معادية للكادحين وللفقراء

المؤسسات المالية الرأسمالية في تلك البلدان من جهة والبنك الأروبي الذي تهيمن عليه ألمانيا وفرنسا وهما تملكان على التوالي 27،9 و21 من رأس مال هذا البنك) من جهة ثانية والمفوضية بين بلدان الإتحاد الأروبي تقتضي أن لا يتجاوز عجز الميزانية نسبة 3% وأن لايتعدى الدين العمومي 60% من الناتج الإجمالي الداخلي.

من جهة ثانية مارست الموفوضية الأوروبية ضغوطات عديدة على كافة الدول لجبرها على الحد من عجز الموازنة والتخفيض من الدين العمومي والهدف واضح وهو تسديد ديون البنوك أصلا وفوائض في الآجال المحددة حتى ولو أدى الأمر إلى إتخاذ إجراءات تقشيفية تستهدف الشعب الكادح.

1) في فرنسا أعلن الوزير الأول اليميني عن التخفيض في ميزانية التصرف 10% (ما يقابل 800 أو 900 أورو) وعدم تعويض كافة الموظفين الذين سيحالون على التقاعد فيما تستعد الدولة إلى مراجعة نظام التقاعد بأكمالها.

الحكومة الفرنسية تهدف إلى " إدخار" 95 مليار أورو في ظرف 3 سنوات والتخفيض من نسبة عجزها تدريجيا من 8 سنة 2010 إلى 3 سنة 2013.

 2) أما الحكومة اليمينية الإيطالية برئاسة برلسكوني فإنها قررت التخفيض من الإنفاق العمومي بـ26 مليار أورو (أي 56 مليار دينار) في ظرف سنتين إلى أن يتراجع عجز الميزانية في نهاية 2012 إلى الحد المسموح به  أي (3%) . وستشهد القطاعات الإجتماعية وخاصة قطاع الصحة العمومية تراجعا في ميزانيتها وفي المقابل ستخفض الدولة من الأداءات على أصحاب الثروات أساسا. 

3) وفي إرلندا سارعت الحكومة منذ فيفري 2009 إلى الترفيع في الأداءات الموظفة على العمال ورواتب الموظفين بنسبة 7،5 ثم قررت التخفيض في أجور الموظفين بنسب تترواح من 5% و20% كالتخفيض من المنح الإجتماعية( المنح العائلية ومنحة البطالة ) فضلا عن التخفيض من الاستثمارات العمومية ونفقات التصرف كل ذلك بهدف أن يتراجع عجز الميزانية إلى 3% في أفق 2014

4) وفي البرتغال التي تقوده حكومة " اشتراكية ديموقراطية" بزعامة جوزي سوكراتاس ولنفس الغرض (التخفيض من عجز الميزانية تديريجيا من 8،5 % حاليا إلى 2،9% في سنة 2013) تقرر ما يلي :

- خصخصة مؤسسات عمومية

- الترفيع في الأداءات

- التخفيض من الاستثمار العمومي

- تجميد أجور الموظفين إلى نهاية 2013

- تعويض متقاعدين إثنين بانتداب جديد واحد

5)  وفي إسبانيا قررت الحكومة "الإشتراكية الديمقراطية " برئاسة خوزي لويس زاباتيرو  يوم 12/5 " إقتصاد" 50 مليار أورو بين 2010و2013 منها 40 مليارا ستخصم من ميزانية الدولة المركزية واتخذت الحكومة الإجراءات اللاشعبية التالية :

* سيقع تعويض 10 متقاعدين من الوظيفة العمومية بانتداب واحد فقط علما وأن 13000 موظفا عموميا يحالون على التقاعد سنويا في اسبانيا

* الترفيع في الأداءات المباشرة وغير المباشرة ومنها الأداء على القيمة المضافة من 16% إلى 18% مما سينجر عنه تدهور للقدرة الشرائية وتضخم مالي وارتفاع في الاسعار

* الترفيع في سن التقاعد من 65 إلى 67 سنة.

* تجميد رواتب الموظفين العموميين بداية من جوان 2010 إلى نهاية 2013 وهذا الأجراء يستهدف 2،5 مليونا من الموظفين العموميين.

 وتضاف هذه الإجراءات  إلى إجراءات أخرى سبق الاعلان عنها وتتمثل في :

·     إلغاء العمل بالترفيع الآلي في جرايات التقاعد

·     إلغاء منحة المولود الجديد

·     إلغاء مساعدات اجتماعية أخرى

وينتظر أن تتخذ الحكومة الاسبانية بإجراءات لادخال مرونة على التشغيل وتسهيل طرد الأجراء حتى ترفع في نسب اقتصادها.

III/ مسؤولية ألمانيا وفرنسا في الوضع المتردي الذي تعيشه بلدان منطقة الأورو.

تلعب ألمانيا وفرنسا دورا أساسيا في الاتحاد الأروبي وخاصة في دوائره الاقتصادية والمالية بحكم وزن كل واحدة منهما الاقتصادي في أروبا وفي العالم وبحكم هيمنتهما على البنك المركزي الأروبي.

 وكثيرا ما ينسق هذان البلدان مواقفهما في دوائر القرار الأروبية لفرض القرارات أو المواقف التي تقدم مصالحهما على بقية البلدان الأروبية.

 وقد استغلت ألمانيا العملة الأروبية وتوسيع الإتحاد الأروبي لبسط نفوذها وهيمنتها على اقتصاديات العديد من البلدان خاصة الأروبية كاليونان وبلدان أروبا الشرقية والوسطى وطورت ألمانيا صادراتها حيث أصبحت تمثل 50% من دخلها الاجمالي الخام وذلك أولا بالضغط على كلفة الإنتاج عبر تجميد الأجور وضرب الحقوق الإجتماعية للأجراء فالأجور لم ترتفع في ألمانيا إلاّ بـ15،8 % من سنة 2002 إلى سنة 2008 في حين أنها ارتفعت بـ35،9 % في باقي  بلدان الاتحاد وثانيا عبر تحطيم القطاعات المتجة في البلدان الأروبية الأقل نموا.

ولقد اعتبر محللون ومراقبون موضوعيون أن انهيار المالية العمومية لعديد البلدان الأروبية يعود السبب فيه للسياسة الإقتصادية والمالية العدوانية لألمانيا بالدرجة الأولى ولفرنسا بالدرجة الثانية.

فأروبا تمثل السوق الأولى لرؤوس الأموال الألمانية الصناعية والفلاحية والمالية.

ويؤكد المحللون أن العملة الأروبية الموحدة التي فرضت على البلدان الأروبية الأقل نماء من ألمانيا وفرنسا حرمت تلك البلدان من أن تطور تنافسيتها وذلك بالتخفيض من عملتها لو حافظ كل بلد على عملته الوطنية.

أن حكومة مركل تتبع خطى الإشتراكين الديمقراطيين الألمان وقبلهم حكومة كول من أجل أن تصبح ألمانيا قوة عالمية كبرى .

ألمانيا وفرنسا وجدتا نفسهما مضطرتين أمام استفحال الأزمة في اليونان والبرتقال وإسبانيا وغيرها من البلدان أن تبلورا برنامج إنقاذ بـ750 مليار أورو لمجابهة كل الاحتمالات ولكي تستطيعان أن تهيمنها على منطقة الأورو وتلعبا دورا مؤثرا في الاتحاد الأروبي.

واشترطتا أن تخضع بلدان الاتحاد الأروبي التي يهددها الإفلاس لمؤسسات الاتحاد الأروبي والبنك المركزي الأروبي التي تهيمنان عليها.

IV / فرحة في بروكسال واوشطن وغضب في الشارع الإسباني

لا أحد يشك أن كل بلدان منطقة اليورو أصبحت تخضع إلى سلطة المفوضية الأروبية والبنك الأروبي والكل يجمع حتى الصحافة اليمينية على أن القرارات المتخذة التي أتينا عليها جاءت نتيجة ضغوطات رأس المال المالي الأروبي والأمريكي وصندوق النقد الدولي.

ولقد سارعت المفوضية الأروبية والحكومة الأمريكية للتعبير عن فرحتهما إزاء ما اتخذته الحكومة الإسبانية من إجراءات لا شعبية . فلقد عبر " أولي ران " المفوض الأروبي (عن سعادته بتلك الإجراءات التي تتجه في المسار الصحيح).

واعتبر صندوق النقد الدولي أن ما أقرت الحكومة الإسبانية هو (أحسن طريق لتدعيم ثقة الأسواق المالية العالمية).

أما الأجراء ومنظماتهم النقابية فقد اعتبروا أن الإجراءات المتخذة من قبل حكومة زاباتيرو وضعت إسبانيا تحت الحماية وأشاروا بأصبع الاتهام إلى كل من ألمانيا وفرنسا مؤكدين أنهما التان فرضتا على الحكومة الإسباتنية اتخاذ تلك الإجراءات وحددا لها الأرقام التي يجب بلوغها والآجال التي يجب أن تحقق فيها.

النقابات والأحزاب اليسارية الاسبانية ترى أن الإجراءات لن تساعد على النهوض بالاستهلاك وبالتالي بنمو الدخل الإجمالي وكما أنها لن تغير في شيء من نمط التنمية الذي لا يزال يعتمد على القطاع العقاري وهو منطلق أزمة اسبانيا. وتؤكد تلك القوى الإجتماعية والسياسية أن إسبانيا لن تتوصل إلى التقليص من عجزها ولا من الحد من البطالة التي بلغت نسبتها 20%.

وكرد فعل على مجال سياسة الحكومة الاسبانية خرج آلاف الموظفين للشوارع الإسبانية للتظاهر والاحتجاج مذكرين بأنهم ليسوا مسؤولين عن الأزمة وأنهم لم يكونوا من المضاربين مطالبين في النهاية باستقالة الوزير الأول.

وأعلمت النقابات الإسبانية عن قرارها بخوض إضراب عام يوم 8/6/2010.

الأجراء الإسبان يسيرون على خطى رفاقهم اليونانيين. ونعتقد أن أوروبا ستدشن مرحلة جديدة من النضالات العمالية التي تقودها القوى اليسارية الجذرية من أحزاب عمالية ثورية ونقابات مناضلة.

هذه القوى ستلعب دورا هاما في الحياة السياسية في تلك البلدان وستكسر الإستقطاب الثنائي السياسي القائم في العديد من البلدان الأروبية بين أحزاب يمينية مفضوحة وأحزاب "اشتراكية" ديمقراطية ليس لها من " الاشتراكية " إلا الإسم.

 

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org