|
"الإرادة" العربيّة |
|
العدد الرابع عشر جوان 2010
الانتخابات العراقية بين الاحتلال الأمريكي والأطماع الإيرانية
جرت مؤخرا الانتخابات العراقية في ظل الاحتلال وفي محاولة لإيجاد مخارج للمأزق الأمريكي من خلال إضفاء شرعية مفقودة على عملاء انحصر نفوذهم في "المنطقة الخضراء ". وقد شكلت الانتخابات مرة أخرى فرصة لتجاذبات تحكمها مصالح القوى التي تريد أن تكون فاعلة في العراق بما تقتضيه مصالحها الخاصة كالامبريالية الأمريكية وإيران الساعية إلى التحول إلى قوة إقليمية في المنطقة. هذه التجاذبات عرفت التنافر الحاد أحيانا والالتقاء أحيانا أخرى. وقد استمرت التجاذبات خلال الانتخابات واحتدت بعد الإعلان عن نتائجها. وما سجلته الانتخابات الأخيرة هو تحول مجموعات سياسية سنية من موقف المقاطعة سابقا إلى المشاركة راهنا تحت تأثير السعودية المرتبطة هي بذاتها بالتأثير الأمريكي. وقد كان إياد علاوي واجهة لهذه المجموعات مقدما نفسه على أنه الخيار العلماني المتحرر من الطائفية. هذه المجموعات السنية التي ظلت متأرجحة بين تأييد المقاومة الوطنية دون الانخراط فيها وبين الانخراط في اللعبة السياسية التي يرعاها الاحتلال الأمريكي وتوفر لها إيران الغطاء السياسي. هذا التحول أثر في موازين القوى فأفرز تفوقا نسبيا للمجموعات السنية الملتحفة بعباءة العلمانية لاستمالة قطاعات هامة من الشعب العراقي المكتوي بنار الصراع الطائفي فراح إياد علاوي يؤكد في حملته الانتخابية على "علمانيته" تسويقا لنفسه ولقائمته الانتخابية المدعومة أمريكيا. لكن هذا التحول النسبي في موازين القوى لا يحجب حقيقة أخرى يدركها علاوي نفسه وهي حجم المجموعات السياسية الشيعية في العراق والتي غذى النظام الإيراني النزعة الطائفية لديها حين استشعر خطورة هذا التحول. وفي هذا السياق عبرت صحيفة "جمهوري إسلامي" عن الموقف الرسمي الإيراني قائلة :"حري بالأحزاب الشيعية العراقية أن تتحلى بالمسؤولية في التعامل مع نتائج الانتخابات... والتحدي يفرض تحالف الأحزاب الشيعية لتشكيل الوزارة والسيطرة على البرلمان". فهذا النظام يتعامل مع الشأن العراقي على أنه جزء من الشأن الإيراني فراح يمارس كل ضغوطاته من أجل تشكيل المشهد السياسي العراقي وفق مصلحته في علاقة بالنزعة الهيمنية المتنامية لديه وفي علاقة أيضا بالصراع مع الامبريالية الأمريكية من أجل بسط النفوذ على المنطقة برمتها أو تقاسم النفوذ عبر تفاهمات سرية وحتى علنية تلعب فيها سوريا والسعودية دور الوسيط. ولقد تجلى هذا المسعى الإيراني لجمع المكونات السياسية الشيعية وإذكاء نعرتها الطائفية في جرّ مقتدى الصدر إلى اللعبة السياسية في ظل الاحتلال وجرّه أيضا إلى جبهة المالكي (رغم اعتراض مقتدى الصدر على تولي المالكي لرئاسة الحكومة) والتحالف مع "المجلس الإسلامي الأعلى" بقيادة عمار الحكيم الذي كان على صراع دائم معه. ولكن الصدر دخل "بيت الطاعة" مجرورا بالتأثير العقائدي وبسلطة المراجع الدينية الإيرانية خدمة للمشروع الإيراني. وفي نفس الاتجاه تحول نوري المالكي إلى مدينة "قم" الإيرانية لبحث تشكيل التحالف الشيعي لمواجهة نتائج الانتخابات. وإدراكا منه لحجم الحضور الإيراني في الساحة السياسية والاجتماعية وقدرة الأجهزة الأمنية الإيرانية على التحكم في الدواليب العامة بالعراق بما في ذلك الإدارة والاقتصاد فإن إياد علاوي سعى إلى إحراز رضى النظام الإيراني فزار طهران لبحث توليفة سياسية يرضى عنها الإيرانيون ولكن بضوء أمريكي. وقد تكون هذه التوليفة مدخلا لتقاسم نفوذ يرضي الطرفين بدل الصراع الذي قد يتحول إلى صدام تستفيد منه القوى الوطنية العراقية وفي طليعتها المقاومة المسلحة. قد يحدث هذا التفاهم رغم التلويح الأمريكي باستخدام القوة ضد إيران في ملف البرنامج النووي الإيراني ورغم استعراض القوة الذي تقوم به إيران استعدادا لكل الاحتمالات. غير أن هذا المسعى للوصول إلى تفاهمات ترضي الطرفين يصطدم بالجشع الذي أبدته أطراف اللعبة الانتخابية ومحاولتها الاستئثار بالحكم من خلال تطويع "الدستور" وقراءته بما يخدم مصلحة كل طرف أو من خلال التلويح باللجوء إلى القوة في اتجاه حسم الأمور وهو ما يرشح الوضع إلى إلهاب العراق من جديد بمحرقة التفجيرات التي يدفع ثمنها الشعب العراقي.
|