"الإرادة" الوطنيّة

العدد الثالث عشر جانفي 2010

الحكومة تعد بخلق 70.000 موطن شغل سنة 2010
لكن لن تقضي على البطالة

أكّد الوزير الأوّل محمد الغنوشي أن الدّولة ستعمل خلال 2010 على إحداث 70.000 موطن شغل جديد وأضاف أنها ستقوم بمجهودات استثنائية  قصد انتداب 16000 من الإطارات والأعوان في الوظيفة العموميّة سيخصّص 70%  منها على الأقل إلى خرّجي التعليم العالي.

هذا الوعد اكتسى طابعا مهيبا لأن الإعلان عنه تمّ في مجلس النوّاب، وهو صادر عن شخص يحظى بقدر كبير من الاحترام ومتمكّن من المعطيات  الاقتصادية، وهي عناصر تضفي على التزام الحكومة جدّية.

لكن هذه النيّة الحسنة تصطدم بواقع اقتصادي عنيد وبرأي مخالف للمدير المساعد لصندوق النقد الدّولي الذي زار بلادنا خلال بداية ديسمبر 2009 فهذا الخبير الدّولي لاحظ نسبة النموّ السنوية الضروريّة التي يجب أن يبلغها الإقتصاد التونسي ليتمكّن من مجابهة الطلب الإضافي للشغل (85.000 طلب ) هي 10%.

وبما أن نسبة النمو المرتقبة لن تتجاوز 4 % خلال العام الحالي فإنه يصبح من المستحيل توفير 70.000 موطن شغل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبقى السّؤال مطروحا  بخصوص حل معضلة البطالة التي بلغت حسب المعهد الوطني للإحصاء (سبتمبر 2009) نسبة 14,2 % في سنة 2008 وهي تشمل 500.000 شخص ليس لهم شغل يضاف إليهم عشرات الآلاف من الأجراء الذين يوجدون في شبه عطالة (Sous emploi) فعدد العاملين في القطاع غير المهيكل يبلغ 755.000 ، فيما يشتغل 300.000  آخرون موسميّا فقط، أما جمهور العاملين بوقت جزئي فإنه يعدّ 530.000 أجير. وإلى جانب العاطلين كليا عن العمل والمواطنين الذين في حالة تعطيل، هناك آلاف من الأجراء يشتغلون بعقود شغل محدّدة المدّة. وتشير الإحصائيات إلى أن 41% من الانتدابات في قطاع النسيج تتم بواسطة  تلك العقود فيما بلغت هذه النسبة 56% من قطاع السياحة. هذا ويعيش 200.000 شاب منتفعا بهذا النوع أو ذاك من برامج التشجيع على التشغيل الموجهة للشباب في حالة بطالة مقنعة. وخلاصة القول يوجد بتونس قرابة 2.500.000 مواطن إما في حالة بطالـة تامة أوفي حالــة تعطيــل (Sous emploi).

 كما تفيد معطيات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة البطالة تختلف حسب الجنس فهي في حدود 12,6% بالنسبة للذكور و 18,6 % بالنسبة للإناث، في حين أنها كانت خلال منتصف الثمانينات 13,7% (ذكور)  و11%  (إناث). هذه النسبة تفند الرّأي الشائع عند شرائح من مجتمعنا والذي مفاده أن عدد النساء العاملات يفوق عدد الرّجال وهذا الرأي خطير علاوة عن عدم موضوعيّة فهو يمثل الخلفيّة والمنطلق الذي يعتمده البعض لدفع النساء إلى البقاء في البيت والتشجيع على التقهقر في وضع المرأة.

 أمّا فيما يخص التوزيع الدّيموغرافي للعاطلين عن العمل فيلاحظ أن نسبة البطالة بلغت 38% في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة فيما تؤكّد الإحصائيات أن 85% من العاطلين لم يبلغوا سن 35 عاما.

هذا وتختلف نسبة البطالة من جهة إلى أخرى وتشتد خاصة في ولايات الشريط الغربي فإذا كان معدل نسبة البطالة وطنيا هو  14,2% فإنها بلغت :

-   20,1%  في ولاية قفصة

-   21,1 %  في ولاية قابس

-   22,5 %  في ولاية القصرين

-   24  % في ولاية سليانة

-   24,1 %  في ولاية جندوبة

-   26,1 % في ولاية توزر

الملاحظة الأخيرة التي نسوقها بخصوص تلك المتعلقة باستفحال البطالة بين النشيطين المتعلّمين فنسبتها بلغت 24,5% فيما لم تكن تتجاوز 2,3 % عام 1984.

البطالة المتفاقمة هي ظاهرة هيكلة بنيوية  وليست ظرفية وأزمة التشغيل لها مظهران بطالة كاملةchômage)) وتعطيل (Sous emploi ) وهي تعكس أزمة منوال التنمية في بلادنا وعدم ملاءمته للتحولات التي عاشتها تونس خلال أكثر من 50 عاما وفيها العديد من الإيجابيات كانتشار التعليم وتحرر المرأة، وارتفاع المستوى التعليمي لطالبي الشغل، وتحسّن مستوى الكفاءات الصناعيّة والمهنيّة للأجراء ومراكمة الخبرات في شتّى قطاعات الإنتاج.

المشكلة في تونس هو عجز الاقتصاد على استيعاب كل الطاقات والكفاءات التي تزخر بها البلاد والتي تعيش في تونس أو إظطرّت إلى الهجرة إمّا بحثا عن الشغل أو لأنها لم تجد الظروف والإمكانيات التي تسمح لها بوضع إمكانياتها الحقيقيّة على ذمّة تونس وشعبها.

وإذا قلنا أن اقتصادنا بات غير قادر على توفير الفرص لتوظيف تلك الكفاءات فهذا يؤدّي حتما إلى ضرورة مراجعة الخيارات الاقتصادية وصياغة منوال تنمية جديد وهذا قرار سياسي،  لا يمكن أن ينبع إلا من إرادة سياسيّة جريئة.

إن وضع خطّة اقتصادية جديدة مسؤوليّة ملقاة على الدّولة بالأساس وهي خطّة يجب أن تعيد الاعتبار لدور الدّولة كمستثمر ومشغّل وموزّع للثروة الوطنيّة وفاعل أساسي في توفير الخدمات الأساسيّة اللائقة للمواطنين. بمثل هذه الخطّة ستتمكّن البلاد من ربح التّحدّي الذي ترفعه أمامها البطالة ،والدّولة مطالبة بالإصغاء إلى معارضتها الجادّة والعقلانيّة وإلى مكوّنات المجتمع المدني وخاصة للنقابات والممثّلة حقيقة للرّأي العام والمعبّرة عن طموحاته وتطلّعاته وإلى تشريك كل هؤلاء في بلورة الخيارات الجديدة البديلة ويجب أن يحدو الجميع هاجس مصلحة الوطن وليس هاجس الانصهار في الاقتصاد العالمي الذي تطغى عليه الاختبارات الإمبريالية العالميّة والبحث عن مرتبة الشريك المتقدم مع الاتحاد الأروبي الذي لا يهمه إلا ضمان مصالحه الأنانية وحتى وإن خرّب اقتصاديات بلدان الشريكة له.

الصـــادق

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org